الخروج كان متوقعًا… أما الفراغ فلم يُهيَّأ له
في 13 محرم 1429هـ (22 يناير 2008) نشرت في صحيفة «الوطن» مقالًا بعنوان «الاحتلال الأمريكي للعراق.. تأسيس الفوضى والنزاعات قبل الخروج». لم يكن المقال نعيًا لحرب عابرة، بل قراءة مبكرة لما بعد الاحتلال. قلت يومها إن الولايات المتحدة قلّما تقرّ بالفشل في حروبها. فإذا تعذّر الحسم، أدارت الصورة وحرّفت المفاهيم لتخرج من المستنقع وقد حفظت ماء الوجه.
السؤال لم يكن: متى تنسحب القوات؟ بل: ماذا ستترك وراءها؟
بعد نحو عقدين، ومع اكتمال الانسحاب الأمريكي من العراق، يعود المشهد الذي حذّرت منه: عراقيون يحتفلون بنهاية وجود عسكري فجّر موجات من الدم، وآخرون يخشون الغد لأن بلادهم ما زالت معلّقة بين واشنطن وطهران. الاحتفال مفهوم، والخوف مفهوم. لكن أيًّا منهما لا يغني عن التشخيص.
الاحتلال لم يكن مشروع «عدالة» و«حرية شعوب» كما رُوّج. الوقائع قالت غير ذلك: تأمين الحقول أولًا، ثم توالي الكوارث. لم يكن العراق مصدر هجمات سبتمبر 2001، ولم تكن صلة حقيقية بين القاعدة ونظام صدام العلماني. ومع ذلك فُتحت البلاد على فوضى طائفية وجدت فيها الجماعات المتطرفة بيئة حاضنة. من ذلك الفراغ خرج الاقتتال الأهلي، ثم تنظيم الدولة، ثم عودة التدخل بأسماء جديدة. الثمن دفعه العراقي أولًا.
المسألة اليوم ليست إنكار سيادة بغداد، ولا تمجيد بقاء أجنبي. السيادة حق. أما السيادة الناقصة فهي أن يخرج المحتل ويبقى أثر مشروعه: مؤسسات هشّة، سلاح خارج الدولة، ومحاور تتنازع القرار العراقي. العراق ليس منصة لتأديب إيران، ولا حديقة خلفية لطهران، ولا خزان نفط يُدار لتعديل الأسعار. كل قراءة تختزل البلد في واحدة من هذه الصور تعيد إنتاج منطق الاحتلال بأدوات أخرى.
ما طلبته قبل ثمانية عشر عامًا ما يزال قائمًا. تقييم موضوعي لا تُمليه لغة التهديد ولا خطاب التعبئة. جبهة عربية لا تُساق إلى خصومة مفتوحة مع إيران كلما طُلب منها ذلك، ولا تتوهم أن التقارب الأعمى يعفي طهران من ضبط وكلائها. إيران دولة إقليمية وازنة؛ إنكار دورها وهم، وتسليم العراق لها خطأ.
المطلوب علاقة متوازنة: مصالح مشتركة، وكبح للنشاط السالب في العراق والخليج معًا. وتعامل عربي وسعودي خصوصًا مع كل مكونات الشعب العراقي: دولة وقبائل ومؤسسات، لا مع فصائل تُختار على هوى المحور. ومن لا يحصّن جبهته الداخلية لا يحسن قراءة ارتداد الفوضى عبر الحدود.
أمريكا خرجت من العراق أكثر من مرة. في واحدة تمدد تنظيم الدولة. واليوم يُختبر إن كانت الدولة العراقية قد نضجت لتحمل أمنها. الامتحان ليس لواشنطن وحدها ولا لبغداد وحدها. هو امتحان للإقليم: هل نتعلم أن الطائفة ليست دستورًا، وأن الجار القوي يُدار بالحساب لا بالقطيعة العمياء ولا بالتبعية؟
الخاتمة: السيادة ليست لحظة إنزال العلم. السيادة أن يبقى البلد بعد الرحيل لنفسه… لا لواشنطن ولا لطهران. الخروج كان متوقعًا. أما الفراغ، فإن لم يُملأ بعقد وطني وإقليم متّزن، فسيُملأ كما مُلئ من قبل.
تعليق تركي فيصل الرشيد / الرياض: لقراءة المقال والتعليقات في صحيفة النيويورك تايمز
After Two Decades, U.S. Forces Leave Iraq to an Uncertain Future