مقالات

السمنة في المملكة.. من ظاهرة إلى كارثة

السمنة في المملكة.. من ظاهرة إلى كارثة

 بقلم تركي فيصل الرشيد

 

وصل معدل السمنة بين السعوديين إلى أكثر من 70 في المائة ويموت بسببها نحو 20 ألفا سنويا وتبلغ كلفة علاج السمنة بالمملكة نحو 19 مليار ريال سنوياً فكيف يمكن وقف هذا الهدر البشري والاقتصادي؟!

نتعرض في المملكة إلى الكثير من التحديات والمخاطر, البعض منها خارج نطاق قدرات الفرد أو المجتمع أو الدولة، وبعضها الآخر ما زال بالإمكان السيطرة عليه والحؤول دون امتداده والاستسلام له.

 داعي هذه المقدمة المختصرة ما تواتر أمامي خلال الفترة الماضية من دراسات وأخبار مرتبطة بالسمنة في المملكة والتي شعرت معها بأن الأمر خطير، إذ إنه لم يعد يرتبط بحالات فردية قدر كونه أصبح يشكل تهديداً لوطن بأكمله صحيا واقتصاديا، وهو ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع الهام مبيناً ومحذراً، وإن كان المختصون أحق بتفصيل هذا الأمر واستعراض جوانبه.

 وللأسف بدت السمنة في مجتمعنا كأحد توابع الانتعاش الحضاري والاقتصادي مع ظهور النفط خلال العقود القليلة الماضية، وما رافق ذلك من اختلاط حضاري مع الدول الأخرى في العالم سواء في نمط الحياة أو سبل الرفاهية أو حتى تنوع مكونات الغذاء اليومي للعائلات السعودية, فتعددت أنواع الغذاء على المائدة السعودية مع الزيادة الكبيرة في السعرات الحرارية المكونة لهذا الغذاء وارتفاع نسبة الدهون والنشويات فيه، إضافة إلى قلة سبل استهلاك هذه السعرات الحرارية نتيجة للاستعمال المفرط للسيارات وقلة التوجه لعمل الأنشطة الرياضية المنتظمة خصوصا للسيدات.

 وبذلك تحولت السمنة في المملكة من ظاهرة إلى كارثة تهدد الكثير من الرجال والنساء بل تجاوز الأمر ذلك حتى وصل إلى الأطفال، فصارت نسبة السمنة لدى الجيل الجديد مخيفة وفقا للدكتور عائض القحطاني الأستاذ في كلية الطب في جامعة الملك سعود والمشرف على كرسي السمنة، فمعدل السمنة بين السعوديين وصل إلى أكثر من 70 في المائة، ويموت بسببها نحو 20 ألفا سنويا.

 

بل ذكرت تقارير منظمة الصحة العالمية أن المملكة هي الأعلى في العالم من حيث الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني المرتبط بالسمنة بطرق مباشرة وغير مباشرة, وأن نسبة البدانة بدول الخليج العربي بلغت أكثر من 60 في المائة، وأن المحصلة بلغت نحو 70 في المائة من الرجال المصابين في المملكة و75 في المائة بين النساء.

 ولم يقتصر الأمر على ذلك فقد أوضح منصور العسكر المشرف على برنامج السمنة في برنامج المدن الصحية في المملكة أن هناك 47 مرضا مزمنا لها علاقة مباشرة بالإصابة بالسمنة في المملكة منها ضعف الذاكرة وقلة التركيز كأبسط مضاعفات السمنة وتأثيرها على عملية التنفس، والشخص البدين أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب الوعائية وداء السكري والضغط وارتفاع نسبة الكوليسترول والدهون والتهاب وتآكل المفاصل والذي يصل إلى حد الاحتياج إلى تبديل المفاصل، وأمراض تصلب الشرايين والذبحات الصدرية, وحالات العقم عند السيدات.

وأفادت تقديرات محلية أن كلفة علاج السمنة بالمملكة تصل إلى نحو 19 مليار ريال سنوياً، علما أن نسبة ممارسي النشاط البدني بانتظام في المملكة أقل من 20 في المائة، على الرغم من أن ممارسة نشاط بدني معتدل الشدة مثل المشي السريع بمعدل 150 دقيقة فقط في الأسبوع وفق أيام متفرقة كافٍ لتجنب الخمول البدني والإصابة بالسمنة، حيث إن أضرار الخمول البدني تفوق بكثير أضرار الإفراط في الأكل الطبيعي.

 وأثناء زيارته مؤخرا للمملكة حيث ألقى سلسلة محاضرات علمية تهدف إلى تعريف الأطباء بآخر مستجدات المجال كشف أستاذ واستشاري السكري والغدد الصماء في جامعة شيفيلد البريطانية وأحد أكبر الخبراء العالميين في مجال علاج آلام اعتلال الأعصاب الناتج من مرض السكري البروفيسور سولومون تسفاي أن السعودية تعد الأعلى عالمياً من حيث معدلات انتشار مرض السكري، إذ تتراوح نسبة المصابين في المملكة بين 25 و30 في المائة، مؤكداً أن غالبية مرضى السكري يجهلون المخاطر والمضاعفات الخطرة التي يسببها هذا المرض وأن التوقعات تشير إلى ارتفاع أعداد المصابين بمرض السكري إلى أكثر من نصف بليون مريض على مستوى العالم بحلول عام 2030، مضيفاً أن زيادة عوامل الخطورة المؤدية لمرض السكري تزيد أيضاً من فرص التعرض لمضاعفاته الخطرة رابطا في النهاية بين هذه النسب وارتفاع معدلات السمنة في المملكة.

 ولا شك أننا في المملكة ضحية لعوامل قد تقع خارج الإرادة، ولكن الأهم عدم الاستسلام لها، فلا شك أن طبيعة الطقس الحار السائد في المنطقة يدفع الناس إلى الاعتماد على وسائل التنقل والإقلال من النشاط البدني، ولكن يجب مراعاة أهمية اتباع نظام غذائي صحي كأحد العناصر الأساسية في الوقاية والعلاج من أمراض السمنة، والتخلص من أسباب السمنة المفرطة وعلى رأسها العادات اليومية غير الصحية مثل اختيار كمية ونوعية معينة من الغذاء تحتوي على سعرات حرارية عالية وليست لها قيمة غذائية كبيرة للجسم مثل الوجبات السريعة وعدم ممارسة الرياضة والأنشطة البدنية وعدم الاهتمام بالمحافظة على الصحة.

 كما تلعب البيئة الحارة لدينا دوراً أساسياً في تشكيل النمط المعيشي للأفراد وعاداتهم، فقد تم استبدال قيادة السيارات بالمشي وتم استبدال الأجهزة بالأنشطة اليدوية والبدنية والغذاء الصحي تم استبدال الوجبات السريعة به، وكذلك العوامل الجينية لها دور مهم، حيث إن الجينات قد تسبب خللا وظيفيا يؤدي إلى السمنة المفرطة وبالرغم من ذلك فإنه ليس من الضروري أن يكون الأفراد الذين لديهم قابلية للسمنة بسبب الجينات يعانون السمنة المفرطة.

 أخيرا

 يجب أن يبدأ علاج السمنة المفرطة بالتغيير الذاتي ولعل أهم وسائل ذلك تغيير نمط المعيشة، كما يجب أن تتضافر جميع الجهود من قبل جميع الأطراف المعنية وعلى رأسها وزارة الصحة إضافة إلى وسائل الإعلام كافة لتسهم بصورة فعالة في توعية المواطنين ورفع مستوى الوعي بالمشاكل والأمراض الناتجة عن السمنة وارتباطها بمرض السكري ومضاعفاته، حيث تمتلك وسائل الإعلام تأثيرا كبيرا على العامة.

 ختاما

 المشاركة في محاربة هذا الداء الذي استفحل في مجتمعنا والبدء في تغيير سلوكيات حياتنا وإظهار الأضرار التي يرتكبها البعض عند تقديم الحلويات والمشروبات الضارة لأبنائنا وبناتنا أمر متحتم على الجميع بل هو واجب وطني لوقف الهدر الحاصل في مواردنا البشرية التي هي أغلى الموارد وكذلك مواردنا الاقتصادية التي يمكن توجيهها الى ما يعود بالنفع على أبناء هذا الوطن.




Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*