نحن أمام نظام دولي أرست دعائمه الولايات المتحدة لثمانية عقود، يتفكك اليوم على يديها نفسها، مفسحاً المجال لعالم جديد تتشكل ملامحه شيئاً فشيئاً… والمفارقة أن التمرد عليه لا يقوده الخصوم التاريخيون كالصين وروسيا، بل الحلفاء التقليديون أنفسهم ككندا والاتحاد الأوروبي.
لعل أبرز ما ميّز منتدى دافوس 2026 في نسخته المنقضية قبل أكثر من أسبوع هو ما شهده من تحولات كبيرة في نقاشاته التي كان الاقتصاد هو المحرك الأساسي لها في النسخ السابقة قبل أن تسيطر قضايا الجغرافيا السياسية التي تدير الاقتصاد على هذه النسخة، ما يجعلنا ندرك بالفعل أننا أمام عالم يتغير سريعاً ونظام دولي أرست دعائمه الولايات المتحدة واستقر لنحو ثمانية عقود يتفكك على يديها، مفسحاً المجال لنظام آخر جديد تتشكل ملامحه شيئاً فشيئاً، والغريب أن من يقود التمرد فيه ليسوا الخصوم التاريخيين للولايات المتحدة كالصين وروسيا بل حلفاءها التقليديين ككندا والاتحاد الأوروبي.
نجح ترامب ومعه إدارته اليمينية المتطرفة في أن يجعل من الجميع خصوماً له دون أن يراعي حلفاءه أو حتى محيطه الجغرافي، رافعاً عصاه بوجه الجميع بفرضه رسوماً جمركية كما يشاء وتوقيع عقوبات على من يشاء وتحريك الأساطيل وإحراج الرؤساء والزعماء والمطالبة بما يمتلكه الآخرون من أراضٍ ومعادن وثروات، مرتئياً أن القوي بوسعه أن يتحلل من أية التزامات عليه وأية قواعد أسسها بنفسه طالما رأى في غيرها مصلحته، غير آبه لا بقانون دولي أو نظام عالمي أو مواثيق للأمم المتحدة أو غيرها من مفردات نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، دون أن يشعر أن هذه الآلية تحمل في طياتها بذور تراجعها وفنائها، فنحن الآن أمام امبراطورية تعيش مرحلة التراجع والنكوص، وبينما هي تحاول استدراك ذلك إذ بها تعجل بوقوعه.
من الخلافات الدبلوماسية إلى الصراعات الوجودية
خلال منتدى دافوس، كشفت كلمات القادة عن خارطة صراعات لم تعد تقتصر على الخلافات الدبلوماسية، بل تحولت إلى صراعات وجودية وهيكلية تمس جوهر النظام العالمي وما نحياه من واقع جيوسياسي أكثر تعقيداً عن ذي قبل، حيث يعج بالصراعات المسلحة والتوترات التجارية وتفكك التحالفات التقليدية، كما أن كل ما يقوم به ترامب وإدارته يغذي عدم الاستقرار عالمياً، عبر محاولته فرض إرادته ورغباته على العالم بقوته دون خشية رد فعل الآخرين، حتى إنه نشر صورة معدّلة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر خريطة للولايات المتحدة تضم كندا وفنزويلا وجرينلاند وكوبا ضمن أراضيها، ما جعل كثيراً من المراقبين يصفون منتدى هذا العام بأنه كان مرآة لواقع دولي متشظٍ يعتمد على الصفقات الثنائية أكثر من اعتماده على القواعد الدولية متعددة الأطراف.
في كلمته خلال المنتدى، لخص رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الوضع العالمي الحالي، بقوله: “على القوى المتوسطة أن تعمل معاً، لأننا إذا لم نكن جالسين حول الطاولة، فسنكون مدرجين على قائمة الطعام”، كما أضاف عقب ذلك في كلمة له أمام مجلس الشيوخ ومجلس العموم الكندي: “العالم تغير، وواشنطن تغيرت. لم يعد هناك شيء طبيعي تقريباً في الولايات المتحدة الآن. هذه هي الحقيقة”، وهنا رسالة كارني واضحة بأن العالم لا يمر بمرحلة انتقالية سلسة نحو عالم أفضل، بل بفترة تمزق عميق، حيث تحول التكامل الاقتصادي إلى أداة للمنافسة من خلال الرسوم الجمركية وتعطيل سلاسل التوريد، لذا حث كارني القادة على التخلي عن النظام القائم على القواعد باعتباره مجرد مسرحية، مستشهداً بمقال فاتسلاف هافيل “قوة الضعفاء” لانتقاد مظاهر التضامن الشكلية، ما أثار غضب ترامب الذي توعد بفرض رسوم جمركية على كندا بنسبة 100%.
ولم تكن كلمة كارني وحده هي العاصفة والمتحدية لترامب وطموحاته خلال المنتدى، فعلى نحو شبيه جاءت كلمة الرئيس الفرنسي ماكرون وكذلك كلمة رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر الذي قال إن الولايات المتحدة هي القوة الأقوى في حلف شمال الأطلسي، لكن ذلك لا يمنع رفض بلاده للتهديدات الأمريكية أو فرض إملاءات عليها، قائلاً “لسنا عبيداً وكرامتنا ليست للبيع”، مؤكداً على استقلالية القرار الأوروبي ورفض الابتزاز السياسي، بالقول: “تم تجاوز خطوط حمراء كثيرة والاجتماع مع ترامب سيكون حاسما لعلاقات 80 عاما، حاولنا في الماضي إرضاء البيت الأبيض وإن تنازلنا فسنخسر كرامتنا، وعلى أوروبا أن تختار”.
مجلس السلام قصة أخرى
ولا تتوقف مفاجآت ترامب عند هذا الحد، فلعل ميثاق مجلس السلام الذي أعلن عنه ترامب وقام بالتوقيع عليه خلال منتدى دافوس يعد قصة أخرى لا تقل إثارة عن كل قراراته، فباستعراض بنود الميثاق فقد نصّب ترامب نفسه رئيساً للمجلس، وهو وحده من يحق له أن يقترح ويوجه ويعين ويعزل مشككاً في ديباجة الميثاق بالأمم المتحدة ومنظماتها وعدم فاعليتها وموسعاً لاختصاصات هذا المجلس الذي تجاوز غزة نحو ضمان السلام في المناطق المهددة بالنزاعات كافة، كما أن عضوية المجلس تقتصر على الدول التي يدعوها ترامب للانضمام، وكذلك بقرار منه يحق له إنهاء عضويتها، حتى القرارات التي تؤخذ بالأغلبية يُشترط لها موافقة ترامب، الذي سيتمتع أيضاً بسلطة حصرية لإنشاء أو تعديل أو حل الكيانات التابعة للمجلس، كما لا يجوز استبداله كرئيس للمجلس إلا في حالة استقالته الطوعية أو نتيجة العجز، إلى غير ذلك من البنود التي يصعب معها تصور استمرار هذا المجلس أو التوافق بين أعضائه، خاصة إذا ما راعينا تحفظ الحلفاء الكبار التقليديين للولايات المتحدة في الغرب على الفكرة نفسها أو رفضها علنًا على خلفية أزمة جزيرة جرينلاند الدنماركية.
والحقيقة أنه لم يكن من نتائج ذلك باعتقادي إلا أن الولايات المتحدة باتت تخسر ليس فقط حلفاءها الأساسيين، بل وقوتها الناعمة التي تتسرب من بين يديها شيئاً فشيئاً، خاصةً مع توالي انسحابها من عشرات المنظمات الدولية التي ساهمت أمريكا نفسها في تأسيسها كاليونيسكو ومنظمة الصحة العالمية بما يستتبعه ذلك من خسارة نفوذها وتوجيهها السياسات الدولية وتعزيز نفوذ المنافسين وقدرتهم على رسم المعايير الدولية، فضلاً عن توتر العلاقة بحلف الناتو مع انتقاد ترامب الدائم له والضغط الاقتصادي على أعضائه والصدام الدبلوماسي معه والتشكيك بجدواه العسكرية، وبذلك ازدادت الدول الحليفة للولايات المتحدة ككندا ودول الاتحاد الأوروبي بعداً عنها واقتراباً من منافستها الصين، هروباً من الخضوع التام والتبعية المطلقة التي يطلبها ترامب، عبر التقارب مع آسيا وتنويع الشراكات وإبرام الاتفاقات خاصةً مع الصين والهند واستراليا، ولعل كل ذلك سوف يجيب عليه الناخب الأمريكي المثقل في الأساس بضغوط اقتصادية فاقمتها عليه قرارات ترامب ورسومه الجمركية في انتخابات التجديد النصفي التي ستجري في نوفمبر من العام الجاري والتي يرجح كثير من المراقبين أن يفقد خلالها ترامب غطاءه البرلماني.
على القوى المتوسطة أن تعمل معاً، لأننا إذا لم نكن جالسين حول الطاولة، فسنكون مدرجين على قائمة الطعام.
أين عالمنا العربي من هذا التحول؟
في خضم هذه التوازنات الجديدة والتقلبات العالمية وهذا التحول الجذري في الجيوسياسية العالمية وتراجع الهيمنة الأحادية وبحث حلفاء واشنطن التقليديين عن استقلالية القرار واتخاذهم مواقف مستقلة تخدم مصالحهم الوطنية بدلاً من التبعية المطلقة، يجدر بمنطقتنا العربية خاصة مع امتلاكها أسباب قوتها، الاستفادة من هذه الحالة خاصة القوى الكبرى منها وعلى رأسها المملكة العربية السعودية لإعادة تموضعها كلاعبين محوريين ومستقلين، وهو ما تعمل عليه المملكة فعلياً منذ سنوات، ممتلكةً عناصر القوة الشاملة سواء الاقتصادية أو العسكرية أو توفر الموارد الطبيعية فضلاً عن القدرات التكنولوجية والتعليم والابتكار والتأثير الثقافي، وكذلك السياسة وكفاءة الحكم والاستقرار، إضافة إلى تبني سياسة تصفير المشكلات مع الجوار وتنويع الشركاء وعدم الاكتفاء بالمظلة الأمريكية وحدها والتحول إلى وسيط محايد جدير بثقة كافة الأطراف بالقضايا العالمية واستغلال نهم ترامب للصفقات لتوطين الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا الامريكية والتقنية إلى بلادنا ومحاولة الربط الاقتصادي مع دول المنطقة.
وختاماً، يموج عالمنا اليوم بتحولات سياسية واقتصادية، وعلى وقع النزاعات الجيوسياسية والحروب التجارية بين القوى الكبرى وإعادة هيكلة سلاسل التوريد، تقف منطقتنا العربية أمام فرصة تاريخية للتحول من كونها مورداً وسوقاً إلى لاعب محوري، ومن خلال الاستفادة من تحولها الهيكلي والاستثمار في رأس المال البشري والتنويع الاقتصادي والطاقة الخضراء والتحول الرقمي والتقنية والصناعات الدفاعية فالفرصة باتت مواتية لها للظهور كلاعب استراتيجي يسعى إلى الاستفادة من موقعه الجغرافي الفريد وموارده الطبيعية واستثماراته في البنية التحتية واللوجستيات، ليعيد التموضع في هذا النظام الجديد الذي يتشكل الآن أمام أنظارنا.
* أستاذ زائر بجامعة أريزونا الأمريكية، مستشار لدى الجامعة الأمريكية في بيروت. مؤلف كتاب تحول المملكة العربية السعودية: عدم اليقين والاستدامة (رود ليج 2026)

Leave a Reply