الاحتلال الأمريكي للعراق.. تأسيس الفوضى والنزاعات قبل الخروج
د. تركي بن فيصل الرشيد
تكمن استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية عبر تاريخ حروبها السابقة، الخاسرة منها على وجه التحديد، في أنها ترفض الاعتراف بالفشل، بالهزيمة، وإذا لم تستطع التخريب الشامل، كما تم في هيروشيما ونجازاكي، فإن لعبة الإعلام وقلب المفاهيم وتحين الفرص حالياً، تظل الشغل الشاغل في الكواليس للخروج من المأزق مع حفظ ماء الوجه ودون الاعتراف الصريح بأن الحرب على العراق كانت مغامرة فاشلة.
تكمن استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية عبر تاريخ حروبها السابقة، الخاسرة منها على وجه التحديد، في أنها ترفض الاعتراف بالفشل، بالهزيمة، وإذا لم تستطع التخريب الشامل، كما تم في هيروشيما ونجازاكي، فإن لعبة الإعلام وقلب المفاهيم وتحين الفرص حالياً، تظل الشغل الشاغل في الكواليس للخروج من المأزق مع حفظ ماء الوجه ودون الاعتراف الصريح بأن الحرب على العراق كانت مغامرة فاشلة.
ولا شك أن المسألة العراقية تشهد بقوة على الصلف الأمريكي والاستماتة، والإعلان الدائم للرئيس الأمريكي والذي مفاده عدم تحديد موعد لخروج القوات الأمريكية من العراق!
إلا أن هذه اللحظة لحظة إنهاء الاحتلال الأمريكي للعراق قد أصبحت وشيكة بصورة كبيرة وأصبحت اللغة السائدة للمرشحين للرئاسة هي الانسحاب الفوري. ونحن هنا لسنا بصدد بيان كيفية خروج القوات الأمريكية من العراق . فالسؤال الأكثر محورية، والذي يجب أن ننتبه إليه هو:
وضع المنطقة بعد هذا الخروج الهروب الأمريكي؟ وماهي الألغام السياسية والاجتماعية التي ستخلفها أمريكا في هذه المنطقة، وخاصة بين سنة العراق وشيعته؟!
هل تمتد القطيعة ويختفي التعايش السلمي بين عدد من الدول وعلى رأسها إيران والدول العربية المجاورة؟ إن مبادئ الاحتلال والاستعمار كما يشهد به التاريخ تقوم وتتأسس جوهرياً على الطمع والسيطرة والاستغلال من جهة.. وعدم الاعتراف بإنسانية الآخر وحقه في الحرية والمساواة من جهة أخرى، ويظهر بوضوح خلال ذلك، العنصرية الحادة والصلف.
وهذا ما يبدو واضحاً في المغامرة الأمريكية في العراق، يصاحبها قناع أخلاقي في الكثير من الأحوال وهو ما بدا واضحا أيضا من خلال خطب جورج بوش الابن عن “العدالة الأمريكية، وحرية الشعوب، والديموقراطية! في مواجهة الإرهاب والتخلف والبربرية”.
بينما تؤكد الحقائق على الأرض، في العراق، أن الشعب العراقي ليس في معادلة الاهتمام الأمريكي، بل البترول العراقي هو ما يهمها فمنذ الوهلة الأولى للاحتلال، كان تأمين المناطق النفطية، وأول علم رفع على أرض العراق.. هو العلم الأمريكي، ليعلن عن الأسباب الحقيقية للغزو، أما مئات الآلاف من القتلى العراقيين، رجالاً ونساءً وأطفالا فهو الوجه القبيح للاحتلال الأمريكي وإن المتشدقين بالحرية، لم يختلفوا بحال من الأحوال عن التتار، بل يفوقونهم قبحاً كما تعلنه الوقائع على الأرض باستخدام ترسانة الأسلحة الأمريكية المحرمة وغير المحرمة.
لقد اخترقت أمريكا كافة القوانين والأعراف الدولية، وتسببت في كوارث إنسانية سوف يسجلها التاريخ باعتبارها بربرية العصر الحديث، والألفية الثالثة. وارتكبت الخارجية الأمريكية بقرار الحرب على الإرهاب، وغزو العراق كإرث ستظل وصمة عار في سجل التاريخ الإنساني، وإن الخلل الحاد في المفاهيم وتغيير المصطلحات التي عطلت منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية في العالم جعل من هذا العالم أكثر رعباً وتوترا، وأكثر وحشية.
ويتمثل هذا الخلل الحاد في المفاهيم في انطلاق هذه الحرب الشرسة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وأن الذين قاموا بها قد جاؤوا من أفغانستان، ولم تُطرح العراق وقتها أو بعدها بأن أحداث 11 سبتمبر قد انطلقت منها، أي إنه لا صلة من قريب أو بعيد بين تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لأدن وأيمن الظواهري وبين نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وإن تنظيم القاعدة في أساسه تنظيم شديد التطرف، ويقوم على فكر إسلامي بينما تمثل حقبة حكم صدام حسين النظام البعثي العلماني، وبين الفلسفتين فجوة عميقة، وانتقادات حادة خاصة من تنظيم القاعدة لصدام.
لقد أحدث الاحتلال الأمريكي في العراق فوضى عارمة في كافة أنحائه مما أدى إلى ظهور تيارات متناحرة بدعوى الاختلاف والعصبية الدينية بين السنة والشيعة، وأصبحت الأرض ممهدة بطبيعة ما آل إليه الوضع في العراق إلى توفر الأسباب والمنطلقات ليتواجد تنظيم القاعدة داخل المعادلة ويجد آذانا صاغية وتعاطفا كبيرا ومتزايدا مع تردي الأوضاع ومشاهد القتلى الأبرياء، واقتحام البيوت على أهلها من جنود المارينز، والذعر الذي نجح الإعلام الأمريكي المصاحب للاحتلال في إظهاره للشعوب جميعاً، باعتباره – على حد قول بوش- العدالة الأمريكية. إن عددا من الأسئلة تطرح نفسها بقوة في هذه المرحلة العصيبة..
ما نتائج هذه الحرب على الشعب العراقي؟ وكيف سيكون شكل مستقبله في ظل الحرب والاقتتال الطائفي؟! وهل تتمخض السنوات القادمة عن تباعد الهوة بين الدول العربية وأمريكا في ظل الانحياز الفاضح ضد العرب والمسلمين لتمكين إسرائيل؟
لقد وضح جليا من خلال هذا الغزو الأمريكي للعراق، واحتلاله أن الهدف هو تأمين مصدر للنفط يجعل الحياة الأمريكية أكثر أمنا على المستوىين الاقتصادي والاجتماعي
لقد وضح جليا من خلال هذا الغزو الأمريكي للعراق، واحتلاله أن الهدف هو تأمين مصدر للنفط يجعل الحياة الأمريكية أكثر أمنا على المستوىين الاقتصادي والاجتماعي، وأن تحصل أمريكا من خلال السيطرة على منابع النفط العراقي على سعر مستهدف لا يزيد عن 40 دولاراً أمريكياً للبرميل، وأن يرتفع الإنتاج إلى ستة ملايين برميل من بترول العراق ويتم الاستغناء عن قدر كبير من بترول الخليج عامة، والسعودية على وجه الخصوص علماً أن مدة تنفيذ هذه الخطة 45 شهراً.
يعطي موقع العراق الاستراتيجي، وما يمثله من تأمين أمريكي لمصادر النفط الفرصة للتواجد في منطقة تجد أمريكا أنها أكثر المناطق خروجا على السياسة الأمريكية، وانطلاقا من هذه القاعدة، ترى أمريكا أن فرصها أكبر للسيطرة على 7 دول خلال السنوات الخمس التي بدأت باحتلال العراق، وهذه الدول هي سوريا و لبنان و ليبيا و الصومال، و السودان، وتنتهي بإيران، وتصبح الخطة سانحة وقتئذ لتغيير القيادات العربية وإدخالها بيت الطاعة – النوعية – لأمريكا و إسرائيل.
ذلك ما كان مخططا له، وظهر بعد مرور 10 أيام من هجوم الحادي عشر من سبتمبر وقدر لإكمالها 45 شهراً يتمركز بعدها 5 آلاف جندي أمريكي في العراق بحلول شهر ديسمبر 2006م، ولم يسمح بنشر تفاصيل هذا المخطط إلا بعد اللجوء إلى قانون حرية المعلومات.
هناك عدد من الإشكاليات الخطرة في التعاطي مع المرحلة القادمة في ظل ما سببته وتسببه حروب أمريكا وإسرائيل على حد سواء، في المنطقة العربية، ولعل الخروج من هذه الأزمات يحتاج إلى قراءة موضوعية للأحداث وتشكيل صف عربي موحد لا يندفع وراء التهديدات الأمريكية لدول الجوار وخاصة إيران. ونظراً للقرب الشديد للسعودية من منطقة الصراع تلك، فإن الثوابت التي طرحتها المملكة العربية السعودية في ( المبادرة العربية ) وعدم الدخول في مفاوضات مع إسرائيل ما لم تعلن صراحة موافقتها على المبادرة، وألا نعطي إسرائيل الفرص مجاناً فيكفي أن الدول العربية منذ بدء الوجود الإسرائيلي في المنطقة وهي تقدم المبادرات والتنازلات بالمجان، بدءاً من مبادرة مؤتمر باندونج عام 1955م والذي بموجبه وافقوا على قرارات الأمم المتحدة، ورفضتها إسرائيل، رفضت جولدا مائير مبادرة ” روجرز ” والتي قبلها ” جمال عبد الناصر”؛ فإسرائيل تطبق مبدأ ” فاوض على ما يقدم لك، ولا تقدم أي شيء”.
لا يجب السماح بشكل أو آخر بإحداث قطيعة أو توتر في العلاقات مع إيران، ويجب قبولها كدولة لها دور في المنطقة، وهذا التقارب العربي الإيراني سوف ينزع الشك المتبادل ويفوت الفرصة على الخارجية الأمريكية لإحداث وقيعة أخرى بين إيران ودولة عربية كما حدث مع العراق، إضافة إلى أن التقارب مع إيران سوف يوقف أية أدوار سلبية في العراق على وجه الخصوص أو منطقة الخليج عامة إذا ما كانت العلاقات متزنة وعلى أرض صلبة من التعاون المتبادل.
وعلى صعيد آخر، لا يجب السماح بشكل أو آخر بإحداث قطيعة أو توتر في العلاقات مع إيران، ويجب قبولها كدولة لها دور في المنطقة، وهذا التقارب العربي الإيراني سوف ينزع الشك المتبادل ويفوت الفرصة على الخارجية الأمريكية لإحداث وقيعة أخرى بين إيران ودولة عربية كما حدث مع العراق، إضافة إلى أن التقارب مع إيران سوف يوقف أية أدوار سلبية في العراق على وجه الخصوص أو منطقة الخليج عامة إذا ما كانت العلاقات متزنة وعلى أرض صلبة من التعاون المتبادل. كما يجب على السعودية أن تفكر بجدية في امتلاك الطاقة البديلة للبترول، والمتمثلة في إنشاء مفاعل نووي سلمي يخدم المشروعات الكبرى ومن الممكن فتح مجالات هذا المشروع الحيوي مع روسيا والصين، كما يفضل تنويع مصادر شراء السلاح وعقد تعاون اقتصادي مع دول مثل روسيا والصين وغيرها.
أما على مستوى المسألة العراقية، فإن الأمر يحتاج إلى جهود كبيرة، وأن يكون التعاون مع جميع فئات الشعب العراقي والوقوف بجانبه بشفافية، مما يؤكد المصداقية السعودية في التعامل مع الأحداث إضافة إلى المحافظة على العلاقات الوثيقة مع القبائل العراقية، وبناء علاقات مؤسساتية. ويجب أن توضع في الاعتبار حزمة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المملكة وذلك لتوحيد الصف الداخلي وتدعيمه أمام تداعيات ما ينتجه فرار الاحتلال الأمريكي من العراق أو انسحابه مخلفا فوضى عارمة قد تمتد إلى مناطق مجاورة لة.

Leave a Reply