الظهور بوسائل الإعلام هل هو من كماليات أو ضرورات العصر

Posted

in

by

الظهور بوسائل الإعلام هل هو من كماليات أو ضرورات العصر

 

د. تركي فيصل الرشيد

لماذا ظلت ميزة الظهور بوسائل الإعلام حقيقة غائبة حتى الآن.. ولماذا الصمت الإعلامي المطبق وليس لدينا ما نخشاه فالعالم أصبح قرية صغيرة يصعب فيها إخفاء الحقائق مهما تعاظمت السبل.. والصمت قد يمكن المغرضين من تزييف الحقائق.. والأولي أن نفصح نحن عن إنجازاتنا بتعقل وأن نتحدث عن اخفاقاتنا بتحفظ ذلك بدلاً من أن يحيل صمتنا أمجادنا بأفواه غيرنا إلى تفاهات وأن تحيل صدمتنا إخفاقاتنا بالسنة حسادنا إلى فضائح.

 

لماذا ظلت ميزة الظهور بوسائل الإعلام حقيقة غائبة حتى الآن.. ولماذا الصمت الإعلامي المطبق وليس لدينا ما نخشاه فالعالم أصبح قرية صغيرة يصعب فيها إخفاء الحقائق مهما تعاظمت السبل.. والصمت قد يمكن المغرضين من تزييف الحقائق.. والأولي أن نفصح نحن عن إنجازاتنا بتعقل وأن نتحدث عن اخفاقاتنا بتحفظ ذلك بدلاً من أن يحيل صمتنا أمجادنا بأفواه غيرنا إلى تفاهات وأن تحيل صدمتنا إخفاقاتنا بالسنة حسادنا إلى فضائح.

 لا بد أن كثيرين مثلي قرؤوا عن المقال الذي أوردته مجلة ميد في عددها لشهر ديسمبر 2007 والذي عرضت فيه تقرير البنك الدولي والخاص بـ “سهولة ممارسة أنشطة الأعمال” بسائر الدول حيث جري ترتيبها وفق سهولة ممارسة أنشطة الأعمال ببلدانها. ومن بين 178  دولة أتت السعودية في شهر أكتوبر في المركز الثالث والعشرين وفى شهر نوفمبر في المركز السابع وبالرغم من تقدم السعودية بمقدار ستة عشر مركزاً فإن الإعلام العالمي انصرف عن هذا الإنجاز وانحاز إلى جوانب سلبية عرضية خارجة عن نطاق أنشطة الأعمال حيث تم التركيز على قضية فتاة القطيف ومسائل أخرى. لمصلحة من خلط السم بالعسل؟ وما أثر ذلك على توجهات الدولة والأهمية الكبرى التي توليها الدولة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية ؟

 السلبيات التي تتركها تلك التلميحات الخبيثة لها آثار هدامة على نجاح برامج التنمية الاقتصادية للمملكة وهي بلا شك ناتجة عن الفراغ الذي أوجده غيابنا شبه المطلق عن ساحات الإعلام فأفسحنا المجال لغيرنا ليتولى سلباً زمام أمورنا ليحولوا دون بلوغنا آمالنا.

 ماذا لو أطلقنا البخور في أعراسنا.. وأقمنا المآتم وتلقينا العزاء في موتانا؟ أليست هذه سنة الحياة! إننا بصمتنا عن الإفصاح سمحنا للمغرضين بإطلاق شائعات تغيب أو تضعف معها الحقائق.. فأعراسنا تكون بوسائلهم الإعلامية شائعات.. وأمواتنا اغتيالات.. واحتياطياتنا من الأموال افتراءات ومشاريعنا المستقبلية ادعاءات ويبدو أن الحل الأمثل هو اتباع نفس أسلوب سائر دول العالم بتيسير سبل الظهور الإعلامي لمن يحسن التعبير عن أفراحنا بلا إسراف والإعلان عن مآسينا بلا إفراط.

 ولابد لمن يطمح في ذلك من مهارات وإمكانات منبعها المؤهل العالي والدراية التامة والإتقان. ولابد له من دبلوماسية راقية تؤهله لتلقي الأسئلة الصديقة فيجيب عنها بمصداقية.. والأسئلة الخبيثة فيجيب عنها برحابة صدر.. وبذكاء حاضر.. وبدهاء يشعر السائل بأنه تلقى الرد بينما هو في الحقيقة لم يحصل على الإجابة.

 الظهور الإعلامي في الأصل واجب ملزم لكل من تقلد منصباً مهماً في الدولة وعليه أن يدلي ويفصح ببيانات والرد على استفسارات المواطنين وتساؤلاتهم. وقد يتحاشى المسؤولون.

 وفي نهاية الأمر يكون الحديث بحنكة أفضل من صمت يطلق ألسنة حاقدة بمعلومات مغلوطة تلقى ترحاباً وآذاناً صاغية فقط لأننا فضلنا الصمت على الإفصاح.

 الظهور في وسائل الإعلام ليس كما يظن البعض درباً من دروب الشهرة بل هو لمن لم يستعد له وأقحم نفسه فيه كارثة تجعله يتصبب عرقاً وتعقد لسانه فلا ينطق البتة أو يتلعثم أو قد ينطلق لسانه بكلمات خرقاء تقلل من قيمته واحترام الناس له.

 الظهور الإعلامي في الأصل واجب ملزم لكل من تقلد منصباً مهماً في الدولة وعليه أن يدلي ويفصح ببيانات والرد على استفسارات المواطنين وتساؤلاتهم. وقد يتحاشى المسؤولون.

 الظهور الإعلامي لثلاثة أسباب رئيسة:

 *  قلة القدرات الذاتية والرهاب من الأضواء والكاميرات والبث المباشر سواء المباغت أو  المعد له مسبقاً. وهذه معضلة تزول بتوفير سبل تطوير الذات.

 *   عدم وجود جهاز إداري مختص بتطوير الدبلوماسية العامة.

 *   الخوف من عواقب الإفصاح عن مواضيع يعتقد أنها تسبب حرجاً لرئاسة الدولة.

 هذه الفوبيا لا تزول إلا بإنشاء جهاز يعنى بتطوير الدبلوماسية العامة. الهدف الأساسي لهذا الجهاز هو إبراز وجه الدولة في أحسن صورة كما هو التصدي والرد على التهجم والتهكم الإعلامي المعادي باستخدام أعلى قدر من الدبلوماسية وأدب الحوار. وهذا نهج تنتهجه كافة دول العالم بصرف النظر عن وزنها السياسي أو العسكري.

 فعلى سبيل المثال “كارن هيوز” التي اشتهرت في الآونة الأخيرة بأنها أشهر أفضل ناطق رسمي أمريكي  ينسب إليها فضل تأسيس إدارة لتجميل وجه أمريكا بالرغم من أن أمريكا تستطيع إسكات خصومها بالضغط الاقتصادي أو الغزو العسكري إلا أنها كانت ومازالت في حاجة إلى جهاز إعلامي يبرز سياستها ويبرر تصرفاتها ويدلي بآرائها المؤيدة والمعارضة لأمور تحدث بدولتها وبسائر دول العالم.

 كان من ضمن اختصاصات الجهاز الذي أنشأته “كارن هيوز” متابعة عدد مرات الظهور الإعلامي لسفراء أمريكا بالدول التي يقيمون ويعملون بها ثم مساءلة كل سفير إن قل ظهوره عن المعقول حسب معيار حددته سلفاً تلك الإدارة.

 وتضمنت التحسينات تطوير أداء الدبلوماسية وزيادة ميزانياتها وتحسين أدائها وتقليل بيوقراطيتها وزيادة مرونتها وإلغاء برامج كانت ما تزال قائمة لانعدام فعاليتها واستحداث برامج تشجع على التبادل الثقافي وتعلم لغات أجنبية بأسلوب إعلامي محترف يتناسب مع كل لغة وثقافة.

 إن الإبقاء على وجه واحد معروف. وأسلوب واحد مألوف.. وتعبيرات معهودة متكررة تورث السأم وتفقد الرغبة في الإصغاء وتصبح هذه الأشياء مجتمعة عوامل سلبية كفيلة بأن تحرق الشخصية.. وتعزز اللامبلاة وتمثل عامل طرد لحواس المشاهدة والاستماع.

 ما أحوجنا إلى إدارة مثل تلك فيها صقل للمواهب. دورات تدريبية متخصصة.. تنمية مهارات.. تربية كوادر. توجيه معنوي يمتد من الأعضاء إلى سائر فئات الشعب فكلنا سفراء لبلدنا وبدلاً من أن يكون حديثنا عفوياً يغير ويضلل ويجافي الحقيقة لعدم الوعي بالشيء. تكون أحاديثنا مبنية على معلومة سليمة تم تلقيها من جهة الاختصاص فتتوحد الآراء والتصريحات على الأقل.

 نحن نتحدث لزوارنا القادمين إلى بلادنا. ونتحدث لهم حينما نكون زواراً لبلادهم والسفر الميسر سهل للشعوب أن تلتقي كسياحة أو ابتعاث أو رجال أعمال أو سفراء.. وكلنا في حاجة إلى التحلي بالصحيح والتخلي عن القبيح وذلك لا يتم إلا بالعلم الذي لا يمكن أن يوفره إلا جهاز إعلامي متخصص.

 نحن والحمد لله حكامنا وحكمنا ذوو صفة إسلامية.. نستطيع التعامل مع الإعلام بأنفسنا وسوف يتعزز موقفنا أكثر إذا علمنا حتى نعمل بما نعلم بدلاً من أن يكون حديثنا لغيرنا ونحن مضطرون إلى ذلك مجرد استنتاجات كل على حسب هواه فتضيع حقائق مهمة قائمة وتنشأ صور مهشمة لخيال ليس له وجود . ولا سبيل لقول الحقائق إلا باستيفائها من مصدرها الإعلامي الرسمي الصحيح.

 لابد أن تكون من صلاحيات هذا الجهاز دعوة كافة المسؤولين بالمناصب المهمة إلى الانتساب له والاستفادة من برامجه ومن ثم إرغامهم على الظهور الإعلامي كلما اقتضي الأمر ذلك دون الإقلال من أي شأن مهما قلت أهميته ولابد من وضع المعايير التي توفر سبل رقابية كفؤة لمتابعة عدد مرات الظهور الإعلامي ثم تقييم التصريحات والإشارة إلى الهفوات بما يكفل عدم تكرارها وبالتالي ترتفع كفاءة الجهاز وكل المنتسبين إليه. كما تجب إتاحة الفرصة للمتطوعين فهذا من شأنه رفعة الوطن والمواطن.

 سوف ينقسم المنتسبون إلى هذا الجهاز من الناحية الجغرافية إلى فئتين داخلية وخارجية ومن الناحية العملية إلى ملزمين ملتزمين وآخرين متطوعين. وأقول لكم في عجالة إن.

 الفئة الملزمة:

 بالداخل لابد وأن تشمل الوزراء ووكلاءَهم وكبار موظفي الدولة بكافة المناصب والمواقع وكبار موظفي العلاقات.

 وبالخارج السفراء وكبار موظفي السفارة والوفود الرسمية.

الفئة المتطوعة:

  بالداخل هم جميع فئات المجتمع القادرون على الاستيعاب.. القادرون علي التعبير.

  وبالخارج رجال الأعمال والطلبة المبتعثون وأبناء الوطن المقيمون بصفة دائمة بالخارج

 وإن كان وجود مثل هذا الجهاز سوف يزيد القدرات وينمي الكفاءات وبالتالي سوف يقضي علي حاجز الخوف الناتج عن قلة الخبرة وقلة أو انعدام المعرفة. إنه نداء ملح ودعوة عاجلة للحاق بركب الدول المتقدمة وسوف نتقدم عليهم لأنهم أهل سياسة وهي في أبسط معانيها فن تضليل الناس أما نحن فأهل علم وفضيلة وقيم ومبادئ ودين.

 فهلموا بجهاز تطوير الدبلوماسية العامة فهي تساهم في دفع الاستثمارات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية وعامل مهم لنجاح برامج التنمية الاقتصادية وهي تشغل الحاقدين عنا وعن أمورنا العرضية وهي توفر لنا ولأجيالنا الحاضرة والقادمة فرص التوظيف والاستقرار والحياة السوية وما أحوجنا لذلك

نشر في صحفية الاقتصادية –  الأربعاء الموافق 2 يناير 2008

 نشر في جريدة الوطن الثلاثاء الموافق 8 يناير 2008م

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *