بائعو الأحلام يستنزفون ثرواتنا النقدية

Posted

in

by

بائعو الأحلام يستنزفون ثرواتنا النقدية

 رسالة مفتوحة إلى الساعين وراء وهم العوائد الضخمة خارج بلادنا

  تركي بن فيصل الرشيد

حجم السيولة المتوافرة بالسعودية والكويت والإمارات 1.2 تريليون دولار حسب تقديرات البنوك العالمية. وليس من سبيل إلى تحويل هذا الترياق إلى الأسواق الأمريكية والأوروبية والآسيوية إلا بإغداق الوعود المعسولة بعوائد مرتفعة مع ضمان رأس المال.

زائرون يحضرون إلى بلدنا وبالتحديد إلى الثلاث مدن الرئيسية. ويستأجرون أفخم السيارات مع سائقيها ثم هم في حد ذاتهم يأتونك بثياب فاخرة ومظهر جذاب. ترى من يدفع كل تلك التكاليف العالية؟ وما ذلك العمل الذي يتحمل كل تلك التكاليف؟

وسواء كان لهؤلاء القادمين سابق معرفة بنا أو أنهم كانوا ممن عرفونا عبر الأساليب الحديثة، التي كاد بعضها أن يكون مريبا، فإن هدفهم واحد هو بحث أفضل وسيلة للاستحواذ على كل السيولة الموجودة لدينا بدعوى تنميتها وزيادة عائدها وعادة ما ينتهي الأمر بتصفيتها وذوبان عائدها.

 ولهؤلاء القادمين سحر البيان منبعه غزارة المعلومات التي يملكونها عن الأوضاع الاقتصادية ببلادنا ولديهم متابعة دقيقة لسوق الأسهم والسندات ويعلمون بالتحديد الفوائد التي تدفعها البنوك المحلية على الودائع ويعلمون أن الطفرة التي نهضت بالقطاع الزراعي قد خبت وأن الأموال التي كانت توجه إليها وإلى الأنشطة الأخرى أصبحت هائمة تبحث عن مجال للاستثمار فلا تجد إلا مجالات ضيقة يتزاحم فيها الطلب ويقل فيها العرض وتزداد فيها التكلفة ويقل فيها هامش الربح وترتفع فيها المخاطرة فيحجم كثيرون عن الاستثمار وترتفع الإيداعات بالبنوك فتقل العوائد ويصبح صاحب رأس المال يحلم بفرصة أو فرص استثمارية مضمونة وذات عائد أفضل دون أن ينمي نفسه معرفياً أو أن يستشير أصحاب الخبرة أو أن يتحرى ممن حوله حقيقة ما يسمع عسى أن يكون أحدهم قد تجرع قبله مرارة الخسائر فيقيه مغبة الوقوع فيها.

 وقد قدرت البنوك العالمية في إحدى المرات أن السيولة المتوافرة في السعودية والكويت والإمارات تصل إلى 1.2 تريليون دولار، يتمركز أغلبها في السعودية. انظر إلى ضخامة هذا المبلغ أليس هو جد مغر لإثارة حفيظة تلك البنوك وجعلها تتوسع في توظيف مناديب لغزو مناطق الخليج وجلب ما يمكن جلبه من تلك الأموال مهما كان الثمن؟ الإجابة بالإيجاب طبعاً فقد لعب أحد أكبر بيوت المال وأصبح له فرع في بلادنا وقد خطا بعض تلك البنوك خطوة أكبر وأسس له أيضا فرعا في بلادنا.

 ومع المظهر الجذاب والخلفية الباهرة قدرة كبيرة على استخدام الصدق بطريقة انتقائية تسلبنا كل الحرص وتجعلنا نفقد أدنى درجات المناعة المقاومة لحيلهم الطاغية والقاهرة لأي تردد، ثم إنهم أيضاً مدربون بدرجة كافية على استغلال حاجتنا الملحة لتنمية رؤوس أموالنا، كما أن لهم قدرات على إخفاء الحقائق ومداعبة الخيال وبذلك تكون الصورة قد اكتملت ويتم توقيع العقد في لحظة ثقة مطلقة بوعودهم المعسولة دون التمعن في باقي صفحات العقد، التي دائماً يظن بأنها مطابقة لرواياتهم ووعودهم وتعهداتهم.

وبعد فقد أصبح المال ببنوكهم .. هو باسمنا ولكنه تحت تصرفهم والعقد أصبح بحوزتهم وأصبح حجة علينا وليس حجة عليهم.. وعلى حين غرة تصلك كشوف الحسابات فتجد أن أموالك أمام ناظريك تتآكل وصرخات الاستغاثة تحبس وإن سُمعت جاءك ردهم العجيب الغريب. يقولون لك بمنتهى البرود لقد فعلنا ذلك بناء على طلبك وعلى كامل مسئوليتك وها هو توقيعك على العقد يؤكد ذلك.. وحينما تقول لهم لقد قلتم.. يقولون لك لقد كتبنا ووقعت ووقعنا.. لا بل أوقعنا وأوقعتمونا.

 أين استثمر المال؟ الفتات يذهب إلى بلد عربي أو إسلامي .. وليته يضيف شيئا للتنمية ولكنه يقتصر على الشقق السكنية الفاخرة والقرى السياحية .. والجزء الأهم يستثمر في البلاد المتمدنة وليس المتدينة.

 أصبحت أموالنا تذهب لهم لتتحمل مخاطر ابتكاراتهم الجديدة، التي عادة ما تتحاشاها رؤوس أموالهم التي تبحث دائماً عن المعلوم المضمون، أما أموالنا فحكمها حكم التائه في بلاد غريبة. ولكن هل كلنا نخسر؟ كلا ولكن قليلا جداً يستطيع استرداد كامل رأسماله وأقل من ذلك من يستطيع أن يأتي بزيادة ضئيلة على رأسماله.

ومما لا شك فيه أن أحدنا ليس الخاسر الوحيد فمثلنا وأسوأ منا حالاً كُثر ولكن يمنعهم حياؤهم من كشف حالهم وربما ينتظرون شخصا ما يسبقهم بهذه الخطوة حتى يتبعوه. .ولم يملك أحد الشجاعة حتى الآن ليتحدث صراحة عن أضراره إلا الشيخ صالح كامل حيث أعلن بجريدة محلية أضراره مع شركة نامورا.

 الزيارة لم تنته بعد والزائرون لم يتوقفوا بل زاد عددهم. فقط اختفت البدلة وحلت محلها الدشداشة .. غاب الدهاء وحضرت الدماثة.. جاء الأدب ومعه النزاهة .. وكثير من العلم والمعرفة والثقافة. وزادوا عليها أن مأكولاتنا لها نفس الطعم .. وهم بطبائعنا أعلم .. ولأسلوب حياتنا حديثاً وإيمائه أفهم .. فكانت أحوالنا مع أحوالهم بسرعة تتأقلم وكان وصولهم لمبتغاهم . وقبولنا لدعواتهم أسرع مما كان أحدهم يتوقع أو يحلم.

 والاستثمارات التي تأتي رياحها من الخليج وأموالها كلها أو أغلبها من السعودية، استثمارات طابعها الحماس والوعود الوردية وتديرها بيوت أموال وبنوك تم تأسيسها بدول الأُوف شور حيث من السهولة بمكان إنشاء شركات لها جنسية البلد التي أنشأت بها وتزاول نشاطها بإحدى دول الخليج. وقد نمت تلك الشركات بفضل التمويل الغزير الذي وفرته على وجه الخصوص السعودية، الذي جعل منها منطقة جذب لإغراءات الاستثمار وظلت السعودية هي الوحيدة التي تدفع ثمن إخفاقاته.

 ومن أكبر تلك الشركات مجموعة تشكل شبكة قوية تخدم مصلحة بعضها بطريقة اصطلح على تسميتها في منطقتنا بعبارة”تلبيس الطواقي”. فشركة تشتري أسهم شقيقتها لترفع من قيمة أسهمها ولتعظيم عائداتها ذلك لإغراء مستثمرين جدد. ويقدم الطعم على موائد خليجية إلى السعوديين فيبتلعونه. ثم تبدأ الشركة الأولى في التخلص من الأسهم التي اشترتها من شقيقتها فتبدأ أسعار أسهمها بالانهيار فيضطر السعوديون لبيع حصصهم بسعر أقل أو بخسائر فتنتقل الأرباح إلى مالك الشركتين. شركة تخسر دفتريا وأخري تربح فعلياً والمالك واحد لكن اختلاف الأسماء واختلاف بلد المنشأ يخدع الغافلين ويبقى أحد أكبر الخاسرين المستثمر السعودي.

والأمثلة كثيرة سحاب سراب .. وتعمير خراب .. وكل ما شابه ذلك من استثمارات أقل ما يقال عنها إنها متاهات وغموض وغيوم وضباب. أما المشرفون عليها فهم عند تسلمهم المال أحباب وعند مطالبتنا لهم برده فهم أغراب بمخالب وأنياب .. وقد خاب من استمر معهم وسلم من تاب.

 إذا كان البعيدون علموا بتفاصيل وحجم أموال طائلة وعرفوا كيف يستفيدون منها، فمتى نستيقظ نحن بدلاً من ان نظل في سبات دائم صيف شتاء ونسلم زمام أمورنا لغيرنا؟

هناك مفارقة فقد جرى الحديث مراراً وتكراراً عن كم المبالغ المحولة شهرياً من المقيمين إلى ذويهم .. ولم يتطرق أحد إلى الكم الهائل من المبالغ التي تخرج يومياً سعياً وراء أحلام العوائد الضخمة. فلا عوائد تحققت إلا فيما ندر .. وذهب المال كله أو عاد وجزء منه قد بتر .. غادر المال بعد أن لم يوله أحد أدنى قدر .. وعاد فاقدا قيمته بعد ضاعت أو قلت فرص درر .. وقد تعود الأيام وتأتي بما هو أعظم وأندر .. فطوبى لمن أعد العدة ومن دروس غيره استفاد وحزم أمره وتدبر.

 بحسبي أن مؤسسة النقد إن لم يكن عليها تبعة توعية أو مواساة المنكوبين من قبل ومن بعد فإنها صاحبة دور فعال في ترشيد رؤوس الأموال لوقف النزيف الذي هو يضاهي وقد يفوق تحويلات المقيمين. كما أن بنوكنا ومديري صناديق الاستثمار ملامون على انعزاليتهم وحيادهم.

أما أساتذة الاقتصاد والإدارة والمال وكوادر المجتمع جميعهم وكلنا نحن (مؤاخذون) على أننا لم نفسح المجال لبعضنا أو لم نستمع لمن ينصح بل لم نمنحه الفرصة لكي يفصح .. وقد يكون منا من يملك العلم والخبرة والمعرفة ولكنه آثر الصمت خشية ألا ينجح .. أو أن يعاب عليه ويفضح. فما كان إلا أن تفشى الضرر.

إنها دعوة للاستيقاظ.. ولسبر الأغوار.. أيضا!!

نشر في صحيفة الاقتصادية الخميس الموافق  20 مارس 2008 العدد 5274

نشر في جريدة الوطن الثلاثاء الموافق 4 ديسمبر 2007م العدد (2622)

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *