دكترة المناصب العليا

 

 يظل الإداريون الناجحون قلةً بين أقرانهم في كل المجتمعات؛ وذلك لأن هناك شروطاً لابد من توافرها فيهم لا يمكن إغفالها، لكن المثير للدهشة أن هناك اعتقاداً ترسخ بين الكثيرين أن من ضمن هذه الشروط أن يكون الإداري حاصلاً على درجة الدكتوراه، وأنه لكي تحصل على منصب رفيع في الدولة فإنه يجب الحصول على هذه الشهادة، حتى باتت “الدكتوراه” غاية في ذاتها.

القادة الناجحون ليسوا بالضرورة خريجون من الأكاديميين، بل هم أولئك الذين يتمتعون بالمرونة والتكيُّف والابتكار في التعامل مع التحديات الإدارية

وبالفعل تجد الكثير من أصحاب المناصب العليا في أغلب الدول العربية هم من حملة “الدكتوراه”، ولعل ذلك مرجعه توقع الكثيرين أن من يحمل هذه الدرجة هو خبير وعالم بمجاله، وله الحق بأن يكون الحُجة في اختصاصه، ويتغافلون عن أن حامل الشهادة هو باحث، وقد حصل على شهادته لأجل ذلك، وغالباً يتجه الطلبة المتفوقون إلى المستقبل الأكاديمي البحثي أو العمل بمجال ومراكز الأبحاث، وبالمختصر حامل الدكتوراه هو من تم تأهيله ليكون باحثاً لا إدارياً.

الإدارة الناجحة تعتمد على الشخصية والمهارات العملية الحقيقية، بالإضافة إلى المعرفة الأكاديمية

ومن هنا يمكننا القول إن “الدكتوراه” ليست شرطاً أساسيًا للقيادي والإداري الناجح، فهناك شروط كثيرة تسبق ذلك ككونهم أكثر مرونة وتكيُّفاً مع المستجدات، بجانب إتقان اللغات والتطبيقات المختلفة وإدراك أساليب التعامل مع الآخرين والتمتع بقوة الشخصية والرؤية الواضحة، إضافة للقدرة على تحليل المشكلات واتخاذ القرارات والتفكير الابتكاري وإدراك أهمية الوقت وسرعة الإنجاز والرغبة بالتميُّز، وأهم من ذلك كله التعلم والتدريب المستمران.

إن نجاح العمل الإداري في جوهره ينطوي على اتخاذ قرارات صحيحة ومؤثرة بغرض تحقيق الأهداف، والإداري القادر على التوصل لهذه القرارات لابد من إحاطته بمجال العمل وشكله القانوني وهيكله التنظيمي ورسالة وأهداف المنصب الذي تبوأه، وغير ذلك من الشروط التي ليس ضمنها بالضرورة أن يكون الناجح إدارياً من الأكاديميين، وليس أدلّ على ذلك وكمثال واقعي من واقعة الدكتور ستيفن كوفي صاحب كتاب “العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية” حين قرر اندماج شركته مع شركة مرشد روحي آخر لتنظيم العمل وهو الدكتور هاروم سميث مؤلف كتاب “عشرة قوانين طبيعية للنجاح وإدارة الوقت والحياة”.

وتم اندماج الشركتين على توقع أن تكون نموذجاً يحتذي به العالم، لكن بكل أسف جاءت النتيجة عكس ما خطط له كوفي وسميث، فغرقت الشركة بالبيروقراطية وسوء التنظيم والصراعات الداخلية وأصبحت نموذجاً للشركة الفاشلة، ليغادرا الشركة ويتركاها للقادرين على إدارتها.

إن توافر القدرات الإدارية العملية والقدرة على التواصل وتحليل المشكلات هي أهم من امتلاك شهادة الدكتوراه

والخلاصة أن العمل الإداري والميداني هو فن اختيار أفضل الخيرين وأقل الضررين، وهو ملكة قليل من الأكاديميين والباحثين من يجيدها، والنتيجة المنتظرة في الأغلب من تعيين الكثير من الباحثين بمناصب إدارية عليا هي خسارتنا في كلتا الحالتين، فإن كان باحثاً محترفاً فقد أخذناه من أبحاثه ووضعناه في المكان غير المناسب له، وإن كان حامل شهادة بطرق غير مشروعة أو من جامعات مشبوهة أو غير جدير بشهادته فقد تحققت الخسارة بتعيينه.

الدكتور تركي فيصل الرشيد أستاذاً زائراً في جامعة أريزونا، كلية الزراعة وعلوم الحياة، قسم هندسة النظم الحيوية. ومن أبرز مساهماته المشاركة في تأليف كتاب “الحوكمة العامة وقدرات الإدارة الإستراتيجية: الحوكمة العامة في دول الخليج”. 

 

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *