خلـف كواليـس الوطـن
تركي بن فيصل الرشيد
يظل تسليط الضوء على ما يظهر من انحرافات في المجتمع وان كانت لحالات فردية سبيلاً إلى تشخيص ومعالجة هذه الانحرافات نحو الوصول إلى مجتمع يقترب من المثالية، ولا أزعم خلوه تماما من الأخطاء، ولكنه تعاهد النصح فيما بيننا والإقرار بوجود الخطأ والسعي نحو تصويبه. ولقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان: “لِمَ لا نسعى لمجتمع غير منحرف وركزت فيه على بعض مظاهر الانحراف الاجتماعي في مجتمعنا، واعتمدت على الإحصاءات والأرقام، وفي هذا المقال سأحاول أن أنظر إلى بعضٍ منها من خلال عدسات عدة، منها الداخلية وأخرى خارجية خلال الفترة الماضية.
العدسة الأولى
ذكرت الإندبندنت البريطانية أن سيدة سعودية من عائلة محترمة ومشهورة حصلت سراً على حق اللجوء السياسي في بريطانيا بعد أن أبلغت إحدى المحاكم بأنها معرضة للإعدام رجماً في السعودية لأنها أقامت علاقة غرامية مع رجل بريطاني وأنجبت ولداً غير شرعي منه. ونسبت الصحيفة إلى السيدة السعودية قولها إنها التقت عشيقها الإنكليزي غير المسلم خلال زيارة قامت بها إلى لندن وأقامت علاقة غرامية معه ثم حملت منه بعد عام، وانتابها الخوف بعد أن صار زوجها الكبير في السن والذي ينتمي إلى عائلة معروفة ومشهورة في السعودية يشك في سلوكها، لكنها أقنعته بأن يسمح لها بزيارة بريطانيا مرة أخرى. وأشارت الصحيفة إلى أن السيدة السعودية أقنعت المحكمة البريطانية بأنها تواجه الخطر بموجب أحكام الشريعة الإسلامية، واحتمال أن تتعرض للقتل بحجة الدفاع عن الشرف إذا ما عادت إلى بلادها. وبذلك قامت هذه السيدة وأمام الصحف العالمية والمحاكم بتدمير سمعتها وسمعة أهلها.
العدسة الثانية
قضية الشاب المجاهر بالمعصية مـازن عبد الجواد (32 عاما مطلق وأب لأربعة أبناء) حيث ظهر في برنامج “أحمر بالخط العريض” التي تبثه فضائية لبنانية سعودية، واعترف خلاله بممارسة الخطيئة مع إحدى جاراته وهو في سن الرابعة عشرة من عمره، كما اعترف بسعيه إلى تكوين علاقات محرمة مع الفتيات من خلال اصطيادهن عن طريق الترقيم باستخدام البلوتوث في الأسواق والمجمعات التجارية، ومن ثم الالتقاء بهن في شقة قام بتجهيزها خصيصاً لذلك الغرض وزودها بكثير من الأدوات الطبية والتجهيزات والكتب والصور التي تساعد على ذلك. كما استعرض مع عدد من الشباب كيفية الممارسة مع الفتيات والطرق والأساليب المبتكرة التي تؤدي إلى الإثارة وزيادة المتعة. وهذا الشاب للأسف هو مثال لكثير ممن يحذو حذوه من الشباب الذين يقعون في المحظور ويفاخرون بذلك.
العدسة الثالثة
عبدالله بن حسن بن طالع عسيري شاب في مقتبل العمر تم نقله بمرافقة أمنية إلى محافظة جدة من محافظة مأرب اليمنية، وقبل وصوله إلى المملكة تمكن من الاتصال الهاتفي بسمو الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز وفيما تضمنه ذلك الاتصال أن المنتحر قد كان مهذباً ويتكلم بهدوء ثم بعد ذلك حضر إلى بيت الأمير محمد، وعند مقابلته لسموه أكد رغبته في تسليم نفسه وتمكين مجموعة من المتواجدين في اليمن من العودة وطلبهم أخذ الأمان من ولاة الأمر وحرصهم على سماع ذلك من سموه شخصياً عبر اتصال هاتفي، حيث تم الاتصال بأحد تلك الأطراف ( سعيد الشهري ) وبحضور عبدالله وأثناء الاتصال حدث الانفجار، ما أدى إلى مقتل المطلوب وتناثر أشلائه. والسؤال هنا: لماذا يقتل شاب نفسه وقد كان لديه الوقت للمراجعة أو العودة وكان بكامل قواه الفكرية والعقلية؟ استخدم عبدالله أسلوب الاسترخاء وتطمين نفسه وتشجيع رفاقه له حتى قاموا بتفجيره وهو أيضا مثال لكثيرين غيره ممن غرر بهم ليتم استخدامهم في مثل هذا.
ولقد استخدم التنظيم تقنية متقدمة في عملية التفخيخ وعملية التفجير وزرع المتفجرات، وطبقوا نفس الطريقة التي يستخدمها مهربو المخدرات، بوضع المخدرات داخل الجسم بحيث لا تكشفها أجهزة الفحص، إلا أن الخلية الإرهابية استبدلت بالمخدرات زرع المتفجرات.وهذا تصعيد خطير ينذر باتجاه أصحاب الفكر الضال إلى حرب اغتيالات مع الأنظمة الحاكمة.
العدسة الرابعة
وتتمثل في الأوضاع الخارجية والعلاقة مع أكبر حليف للوطن وهو أمريكا حيث قامت إدارة بوش بنشر خارطة تقسم الشرق الأوسط بمقال معنون حدود الدم، حددت ملامح جديدة لخارطة شرق أوسطية جديدة. وقد تم تقسيم المملكة إلى عدة دول. كما تم اعتماد خطة تغيير الأنظمة وهي لا تزال سارية المفعول على رغم مطالبة كسينجر في مقال تم نشره بإلغاء هذه الخطة إلا انه إلى تاريخه لم يتم إلغاء الخطة.
إضافة إلى مـا سبق يجب ألا ننسى أن الانهيار الكبير للمشروعين الأمريكيين في العراق وأفغانستان، وتحول اليمن إلى قاعدة انطلاق جديدة لتنظيم القاعدة، بعد ضعف القبضة الأمنية للحكومة المركزية في صنعاء نتيجة تمرد الحوثيين في الشمال وتصاعد الحراك الانفصالي في الجنوب وعودة القاعدة إلى ملاذها الآمن مجددا في أفغانستان، واكتسابها خبرات ميدانية عسكرية وتنظيمية جديدة، ونجاحها في استقطاب مئات من المتطوعين الجدد من العالم الإسلامي، وأخيرا المواجهة مع إيران كل ذلك يدفع بالمملكة ودول الخليج إلى أن يكونوا رأس حربة في هذه المواجهات.
أخيـراً:
من خلال تلك العدسات يتبن لنا أن هذه الحالات – داخلية وخارجية – في جسم وطننا مثل الدمامل في الجسد بعضها متقرح وشديد الخطورة والبعض منها في مواقع حساسة وشديدة الألم، لذا نحتاج إلى علاج أمراضنا أولاً ومن كل الجوانب، ولا نكتفي بمحاولة تسكين تلك الدمامل مهما كانت هذه الدمامل مؤلمة وقاسية. والمتأمل يلحظ أن الوطن داخليا يعاني من اتساع دائرة الفساد وتفشي البطالة في بلد يعتبر الأعلى دخلاً في المنطقة، أضف إلى ذلك احتدام الصراع بين التيارين الليبرالي والديني في الوطن. والخطير في الأمر انه لم تتم معالجة جذور المشكلة، فالفكر التكفيري ما زال موجودا ولا تتم محاسبة أي شخص يحمل الفكر التكفيري إلا في حالات محدودة ولم يتم اتخاذ إستراتيجية كافية لمحاربة هذا الفكر التكفيري رغم انتشاره في السعودية، فمحاربة القاعدة لا يمكن أن تقتصر على الناحية الأمنية.
ختامـاً:
يجب أن يتم نقاش معلن من جميع المتخصصين في كافة المجالات ونشر نتائج تلك التوصيات وعدم استعمال أسلوب الشجب والنقد بل الأسلوب العلمي الفعال بخطوات واضحة ونشر آليات التنفيذ لتلك التوصيات ولا نكتفي بمسكنات لها فقط ونعتبرها حالات فردية دخيلة على مجتمعنا والله الموفق.

Leave a Reply