انقلاب فاغنر والمسرحية المخابراتية. بدأ انقلاب ميليشيات فاغنر الروسية على القيادة العسكرية الروسية ثم امتد ليكون انقلاباً على بوتين نفسه ثم سريعاً وقبل مرور 24 ساعة تم الإعلان عن إنهائه ولا أحد يدري لماذا بدأ وما كانت أهدافه الحقيقية وماذا استفادت فاغنر ولماذا انتهى وهو لم يحقق أياً من هذه الأهداف. عقلي لا يتقبل أن ما حدث كما تردد كثير من الحسابات كان مسرحية لعبها بوتين مع قائد فاغنر متحاكين بذكائه ودهائه، إذ كيف لرجل مخابرات محنك ورئيس لأكثر من عشرين عاما وفي وسط حرب ضد الغرب كاملاً وليس أوكرانيا فقط ولا حليف حقيقي له يقوم بمغامرة كهذه؟ وما المكاسب التي كان يرجوها أمام الخسائر التي تحققت فعلياً أمس فقط على أرض الواقع؟ فإن كان ما حدث مسرحية فهي أسوأ وأغبى مسرحية وقعت بالتاريخ، فالأسباب التي يرددها البعض عن كونها مسرحية ككونها وسيلة لاختبار ولاء الجيش أو لإزاحة بعض القيادات غير المرحب بها أو لجعل الغرب يقلق من أن تصل أيدي عابثة إلى السلاح النووي الروسي فيتمسكون ببوتين مخافة المجهول أو أن كل ما حدث كان هدفه إنهاء دور فاغنر والقضاء على نفوذها، فباعتقادي كل هذه الأسباب أراها واهية ومضحكة، فهل يحتاج بوتين إلى أسباب أو لهذه المسرحية لإقالة من يشاء وهو الديكتاتور المتحكم في البلاد أو يحتاج إلى أن يضع جيشه وقواته في اختبار ولاء ويقضي على معنوياتهم ويرفع معنويات عدوه في وسط معركة راهن من خلالها على شرعيته ويصر على أن يخرج منها منتصراً وقد تنفلت منه الأمور إلى حرب أهلية فلا يدري أي الجبهات يواجه أم أن دول الغرب ليس لديها من مراكز الدراسات والمستشارين والخبراء بحيث لا يدرون عن خطورة انقلاب في روسيا لا يدبرونه بأنفسهم ويعلمون إلى أين سيمتد ومن سيمسك بزمام الأمور وهم جيران مباشرون لروسيا، وهل يصدق أحد أن بوتين يريد القضاء على فاغنر وهم المجموعة الوحيدة التي حققت النجاحات والانتصارات على الأرض في أوكرانيا كما أنها يد بوتين القوية من أفريقيا إلى آسيا وأمريكا اللاتينية والأداة المنفذة لسياساته الخارجية في التوسع والنفوذ؟ هل يتصور أحد أن من أجل هذه الأسباب الواهية يهين بوتين نفسه هذه الإهانة بتحدي طباخه له ويمرغ سمعته وهيبته بالتراب ويكشف ضعف قوات بلاده حتى أن ميليشيات من 25 ألف مقاتل تسير حتى تصل إلى ضواحي العاصمة دون أن يعترضها أحد في بلد تدعي أنها ثاني أكبر قوة عسكرية عالميًا، فضلاً عن أن يصنع بوتين الذي ظل طوال فترة رئاسته يقضي على أي بديل محتمل أو أي اسم يمكنه منافسته ويقرب كل تافه منه ويعلي شأنه ثم يأتي بكل سذاجة ويصنع مسرحية تجعل من رجل آخر هو بريغوجين بطلاً قوميًا ومقاتلاً متحديًا له ولسلطته بأكملها وأنه يريد تطهير البلاد من الفاسدين وهو الذي يحظى فعلياً بشعبية كبيرة داخل روسيا ويراه أغلب الشعب الأحق بمنصب وزير الدفاع، فيتوعده بوتين بأشد العقاب ثم يرجع في كلامه بنفس اليوم ويعفو عنه فيظهر بمظهر الضعيف ويجعل من بريغوجين منتصراً، فهذا برأيي غريب جدا ولا يصدق فعله من أي رجل عاقل فضلاً عن رجل مخابرات متمرس بالسياسة. عموما الأمور ضبابية والحدث غريب في بدايته وغريب بطريقة ووقت إنهائه والحقيقة غائبة لا يدعي أحد أنه يملكها والتأويلات عديدة وكل تأويل له أسباب ومظاهر تبدو كأنها تؤيده والوقت كفيل بكشف حقيقة الأمور وما جرى على الأرض أمس، لأن تبعات هذا الحدث لم تكن ستقتصر على روسيا فقط وإنما كانت ستمتد إلى رابحين وخاسرين كثر حول العالم وفي منطقتنا.

Leave a Reply