الأمـن الغذائـي ومعوقـات تحققـه

Posted

in

by

الأمـن الغذائـي ومعوقـات تحققـه

 

 

تركي بن فيصل الرشيد

تعد قضية الأمن الغذائي في المملكة العربية السعودية أمراً جوهرياً، بل إنها تأخذ أهمية قصوى نظراً لبعض الظروف السياسية المحيطة، إضافة إلى ما يتطلبه تزايد السكان المطرد من تنمية زراعية متطورة ومدروسة.

كما يرتبط الأمن الغذائي بتوفير الغذاء بالكمية والنوعية اللازمتين للنشاط والحيوية وبصورة مستمرة لكل الأفراد اعتماداً على النشاط المحلي أولاً وعلى أساس الميزة النسبية لإنتاج السلع الغذائية، وإتاحته للمواطنين بالأسعار التي تتناسب مع دخولهم وإمكاناتهم المادية، ومراعاة التوزيع العادل لكل المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود، مع الاحتفاظ بمخزون يكفي لسد الحاجة لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر على الأقل لمواجهة الظروف غير الطبيعية.

وعلى ذلك فإن مفهوم الأمن الغذائي ينبغي أن يؤسس على ثلاثة مرتكزات: وفرة السلع الغذائية، وجود السلع الغذائية في السوق بشكل دائم، وأن تكون أسعار السلع في متناول المواطنين.

وفي هذا الاطار يمكن النظر للأمن الغذائي على انه يمثل الجانب السياسي القومي من التنمية الزراعية وأهدافها، من خلال السعي نحو تقليص الفجوة بين الطلب على المنتجات أو الاحتياجات الاستهلاكية الغذائية ومستلزمات إنتاجها وبين ما ينتج منها فعلا، وذلك بغرض تخفيف الاعتماد على العالم الخارجي في توفير الاحتياجات الغذائية خاصة الأساسية منها، ومن ثم تجنب التعرض لضغوط التبعية الخارجية وللأسف الشديد تعاني الكثير من الدول العربية نقصاً كبيراً في السلع الغذائية الرئيسية كما تتعرض فيها الموارد الطبيعية – على الرغم من شحها – إلى الاستغلال غير الاقتصادي في بعض الحالات وغير الرشيد في كثير منها.

هذا إضافة إلى الكثير من المعوقات التي تعانيها المملكة والعالم العربي في هذا المجال ولعل أهمها ندرة موارد المياه، فالمنطقة تعاني بشدة من فقر وندرة موارد المياه، ومن هنا يجب التخطيط للاستخدام الأمثل لهذه الموارد مع الأخذ في الاعتبار تكلفة إتاحتها واستخدام طرق تنظيم الزراعة والري المرشدة للمياه والشروع في مشاريع تحقق تنمية مصادر موارد المياه سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية. ومن المعوقات كذلك محدودية التطوير التقني للزراعة, وتكمن العلة دائماً في ضعف أداء المثلث المؤسسي المناط بهذا التطوير سواء كانت من مؤسسات البحث أو الإرشاد أو التمويل الزراعي، مع شبه غياب لمؤسسات صغار المزارعين، وهنا نقول ان المدخل الحقيقي لإحراز أي تقدم ملموس هو بالإصلاح في ثلاثة جوانب رئيسية هي التدريب المكثف والمتواصل للعاملين ووضع خطط وإجراءات ونظم عمل واقعية تتسم بدرجة عالية من المرونة والتنسيق فيما بينها وان تتم متابعتها وتطويرها أولا بأول. وأخيرا تخصيص الاعتمادات المالية الكفيلة بتحقيق الأهداف بواقعية. وهناك معوق ثالث له من الأهمية ما له إلا وهو اختلال التوازن بين تنمية الإنتاج وخدمات التسويق، وقد تم استثمار الأموال الطائلة في مجالات تنمية الإنتاج والإنتاجية الزراعية من دون أن يرافق ذلك جهود واستثمارات ملائمة لتنمية القدرة على تسويق وتصنيع هذا الإنتاج، وكانت النتيجة إهدار لقدر كبير من الإنتاج الذي تم تحقيقه بعناء. هذا إلى جانب الإفراط في المنظور القطري كموجه أساسي للتنمية، ما أدى إلى تدني الإنتاج والتنمية وكفاءة استخدام الموارد وعدم التنسيق بين سياستها الاقتصادية والزراعية وعدم تهيئة المستثمرين العرب للاستثمار الزراعي.

أما آخر المعوقات فيتمثل في الهدف من تحقيق الأمن الغذائي والذي تمحورت حوله الجهود لتحقيق أعلى درجات ممكنة من الاكتفاء الذاتي في إطار منظور قطري من دون مراعاة لتباين البيئات الزراعية العربية.

وبصفة عامة يمكن القول إن الدول العربية ليست قادرة على تجاوز الاعتبارات السياسية والأمنية الدولية في وقت يمثل الغذاء أحد أركان هذا الاقتصاد المعولم، وقد يأتي اليوم الذي يكون فيه الإمداد بالغذاء لا يقل أهمية عن الإمداد بالبترول أو التهديد بقطع الإمدادات أو التهديدات بين حين وآخر بمقايضة صاع من قمح مقابل برميل من بترول، وقد سبق أن كتبت أن السلاح القادم لأمريكا هو القمح.

أخيـراً:

إن الدول العربية عموما تعاني قصوراً شديدا في اللحاق بالتطورات التكنولوجية الزراعية، اذ شهد العالم طفرة في التطورات التكنولوجية والإنتاجية، وأصبح إنتاج التقاوي المنتقاة صناعة دخلت مجال براءات الاختراع، ويعتبر استنباط السلالات عالية الإنتاج والجودة والمتلائمة مع الظروف البيئية والمناخية والأقل احتياجا للمياه سمة من سمات العصر، والاختراعات متواصلة

علماً أن إنتاجية الوحدة المنزرعة من الخضراوات والفواكه في الدول العربية تعادل 50% من مثيلاتها في الدول المتقدمة، ونفس الشيء بالنسبة للثروة الحيوانية. إن الجهد الفردي لم يعد مناسبا لتحقيق التقدم بل يحتاج إلى تعاون مع جميع الأطراف وتبادل الخبرات البحثية والتطبيقية لإنتاج أفضل السلالات الحيوانية ملاءمة للبيئات الزراعية على تنوعها واستنباط الأصناف عالية الإنتاجية النباتية والمقاومة للجفاف والزراعة المطرية والأصناف قصيرة المكث والتي توفر المياه وتتلاءم مع الزراعة المروية والأصناف المعدلة وراثياً والأصناف المقاومة للآفات.

الخاتمـة:

الكثير من المشروعات العربية المشتركة لم تنجح لأسباب كثيرة وهو ما يوجب مراجعة هذه الأسباب، أيضا يجب ان ندرك ان القطاع الخاص وليس الحكومي هو القادر على تحقيق الأمن الغذائي والبيئي في ظل التوزيع غير المنسق للموارد الطبيعية والرأسمالية بالوطن العربي، ومع قصور الأنظمة عن خلق مناخ ملائم للاستثمار وما تفرضه المتغيرات العالمية فقد غدا واضحاً.

أن مدخل المشروعات العربية المشتركة هو الأكثر ملاءمة لتحقيق الأمن الغذائي والمحافظة على الموارد وحماية البيئة إذا ما توفرت بعض المقومات الأساسية لهذا العمل كدعم ورعاية هذه المشروعات من قبل الدول وليس المشاركة في تنفيذها او إدارتها بل يمكن ان تكون ممثلة في مجالس إدارتها وتيسير مهامها، وتقليل الحواجز أمام انتشارها وتشجيع التجارة البينية لمنتوجاتها. كما يجب التزام الدول باتفاقيات تأسيس هذه المشروعات، خاصة إذا كانت شركات مساهمة مشتركة وإعطاء الأولوية للمشروعات ذات الصبغة الإستراتيجية على ان تحجم تماما قدرة الدولة المضيفة على التحكم في هذه الشركات مع العمل على دعم التكامل بين هذه المشروعات.

 

 

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *