الشركات العائلية بين الاستثمارات الجديدة والمحافظة على الإنجاز

Posted

in

by

الشركات العائلية بين الاستثمارات الجديدة والمحافظة على الإنجاز

 

 

د. تركي بن فيصل الرشيد

اتصل بي صديق يطلب المشورة حيث قرر إنشاء مشروع، وللحق هو إنسان ناجح ويملك ثروة يقدر حجمها بأكثر من ألف مليون ريال، فأوضحت له أن المشروع قد يكون مربحاً إلا أنه سيحتاج منه مجهوداً لا يقل عن ثلاثة آلاف ساعة عمل خلال السنتين الأوليين. وقادنا الحديث إلى مصير الثروات العائلية عند وفاة المؤسسين، فأوضحتُ له أن الدراسات تشير إلى أن 6% فقط من أصحاب الشركات العائلية هم من يحافظون على ثرواتهم بعد انتقال الثروة إلى الجيل الثاني، وهو ما لم يودّ سماعه فأنهى المكالمة، ليعاود الاتصال بي بعد فترة وهو يصر على لقاء مطول، فوافقت كأحد حقوق صديقي عليّ ودار حوارنا حول الشركات العائلية.

والواضح أن الشركات العائلية في الخليج لا تزال مترددة في تغيير نموذج أعمالها، خاصة أن معظمها وصل إلى الجيل الثاني والثالث بعد التأسيس، وهو ما يشكل خطراً على هياكلها وتوزيع ملكيتها، وبالتالي بروز خلافات بين الورثة وتقسيمها وهذا ما حصل بالفعل مع شركات عائلية عريقة ومعروفة.

وترى الشركات العائلية أن الإطار التشريعي السائد في المنطقة عموما لا يوفر لها الحماية اللازمة واستمرارية نمط أعمالها إن سمحت لمستثمرين من خارج العائلة بشراء حصص فيها أو فكرت بطرح جزءٍ من أسهمها في السوق، ولكن مع اتجاه معظم حكومات المنطقة إلى إرخاء قيودها الاقتصادية بصورة عامة ومحاولة تشجيع الشركات العائلية بصورة خاصة على دخول مرحلة جديدة من النمو والتوسع، فقد أصبحت 20 في المئة من الشركات العائلية في المنطقة مهيأة تماماً لدخول سوق الإصدارات الأولية، وذلك وفقا لنتائج استبيان أجرته ” إرنست آند يونج “.

والمدهش في نتائج الاستبيان أن50% من المشاركين فيه اتفقوا على أن طرح أسهمهم للاكتتاب العام يعتبر أمراً مهماً بالنسبة لاستمرار ونمو شركاتهم. وفي السياق ذاته، دلت النتائج على أن 73% من الشركات العائلية في المنطقة تُدار من قبل أفراد الجيل الثاني من العائلة، في حين أن 48% منها يتولى إدارتها أفراد العائلة من الجيل الأول، و20% من الشركات تدار من قبل الجيل الثالث. وفيما يتعلق بمسائل الإدارة والتعاقب فيها، فإن 16 في المئة فقط ممن شملهم الاستبيان أقروا أن هناك هيكلية واضحة فيما يتعلق بالإدارة والخلافة من جيل إلى آخر وخطط انتقال الملكية، وهذا يشير إلى فجوة كبيرة سببها تلك النسبة المتدنية.

ومما يدل على خطورة وأهمية وضع الشركات العائلية ما ناقشه التقرير الصادر عن مصرف بيكتيه وشركاؤه السويسري، وتضمن أن نحو 3 تريليونات دولار أميركي هي حجم الثروات الخليجية ستنتقل إلى الجيل التالي خلال فترة الخمس إلى السبع السنوات المقبلة، ووفقاً للتقرير فإن الشركات التي تديرها أو تمتلكها عائلات خليجية، والتي تشكل أكثر من 85% من إجمالي النشاط التجاري في المنطقة، تقترب من منعطف الأجيال الحاسم الذي بلغته نظيراتها الغربية قبل عقدين من الزمان، علماً أن الشركات العائلية تخضع لنفس الأحكام والأوضاع سواء في الشرق أو في الغرب.

تشير التقديرات العالمية إلى أن 30% فقط من الأعمال العائلية تستمر بنجاح بعد الجيل الأول، وأن أقل من 6% تبقى بعد الجيل الثاني، مستشهدة بقائمة مجلة فوربس لأغنياء العالم، التي لا تضم اليوم سوى 5% تقريبا من الأسماء التي احتلت القائمة في الثمانينات، ما يعني أنه بعد نهاية الجيل الثاني ستتبدد ثروات 94% من أصحابها وستذهب سدى

 

وفيما يتطلع بعض المؤسسين ومالكو الشركات إلى حماية ثرواتهم التي سعوا جاهدين لبنائها على مدى سنوات طويلة تشير التقديرات العالمية إلى أن 30% فقط من الأعمال العائلية تستمر بنجاح بعد الجيل الأول، وأن أقل من 6% تبقى بعد الجيل الثاني، مستشهدة بقائمة مجلة فوربس لأغنياء العالم، التي لا تضم اليوم سوى 5% تقريبا من الأسماء التي احتلت القائمة في الثمانينات، ما يعني أنه بعد نهاية الجيل الثاني ستتبدد ثروات 94% من أصحابها وستذهب سدى، ومجال الاستشهاد واسع وبحالات معروفة لنا جميعاً لا مجال لذكرها هنا.

إن العائلات الخليجية أدركت أن مجرد امتلاك الثروة ليس كفيلاً وحده بتحقيق نمو مجزٍ، أو حتى الحفاظ على هذه الثروة، في ظل الأجواء الاقتصادية الصعبة التي تسود العالم اليوم.

وقد استثمرت بعض هذه العائلات على مدى السنوات العشرين الماضية في طيف واسع من المنتجات الفردية التي شكلت نوعاً من الحل لتخطيط انتقال الميراث، ولكن هذه المنتجات ليست كل الحل، وهو ما يؤكد أن حجم وتركيبة العائلات الخليجية وميزان ثرواتها تتطلب درجة عالية من التطور، تفوق ما يمكن للمنتجات الفردية أن تقدمه، فهي بحاجة إلى مشورة تتعلق بتوزيع الثروات النوعية والكمية، وإستراتيجية المحافظ الاستثمارية، وبالأسواق المالية، وبالتالي لم تعد الحاجة إلى مكتب العائلة لإدارة الاستثمارات والصناديق العائلية مسألة كمالية، بل غدت إستراتيجية أساسية للحفاظ على الثروة.

والخطوة الأولى التي تسبق تقديم الحلول للشركات العائلية هي القيام بتحليل الأداء والهيكلية الاستثمارية للمحفظة الحالية،     بدءا بمراجعة التوزيع الاستراتيجي الحالي للأصول، والسياسة الاستثمارية للمحفظة، وتقديم المشورة حول المخاطر والإيجابيات التي تنطوي عليها. وبناءً على النتائج والخبرة ومعطيات السوق والأبحاث حول العائدات المتوقعة، يمكن حينها صياغة تشخيص مبدئي للمحفظة، فنجاح إدارة الثروات العائلية يكمن في تجاوز العائلات الخليجية تحفظاتها التقليدية وتكتمها المعتاد، لتتسنى لها مناقشة مجمل الأسئلة المتعلقة بالتعاقب والتوريث بصراحة مطلقة.

كما من المهم تأسيس هيكلية أخرى تهدف إلى تنمية ثروة العائلة على مدى عقود عديدة، ويتم ذلك من خلال تحديد المخاطر والعائدات المستهدفة على المدى الطويل، مع الأخذ بعين الاعتبار عوامل مختلفة، مثل الأهداف الشخصية والمهنية لكل واحد من أفراد العائلة، وعدم ركون العائلات إلى إدارة استثماراتها بنفسها،أو بالاستعانة بمحاسبين غير مختصين أو ببرامج حسابية بدائية كأداة أساسية لإعداد التقارير وتحليل وتقييم محافظهم الاستثمارية.

أخيـراً

على الدولة دور هام في الحفاظ على هذه الشركات كإحدى دعائم الاقتصاد، بتسهيل انتقال المؤسسات الفردية والشركات الخاصة القائمة إلى شركات مساهمة مغلقة أو مفتوحة، ويجب أن يعي أصحاب القرار أن الشركات العائلية هي إحدى ثروات المجتمع فلا نكتفي بالحسد والغيرة والتشفي وترك الورثة يدمرون ثروات المجتمع إذا أخذنا في الاعتبار أن أكثر من 75 في المئة من الشركات بمنطقة الشرق الأوسط تديرها عائلات وأن إجمالي أصولها تفوق ثلاثة تريليونات دولار.

ختامـاً:

في رأيي الشخصي أن يستثمر الشخص الكثير من الوقت للمحافظة على الثروة، بعمل هيكلة لشركاته وإخضاع أفراد عائلته إلى دورات مكثفة للمحافظة على الثروة وتحديد وقت محدد لمناقشة القرارات الهامة الخاصة بالشركة أفضل له من الاندفاع في استثمار جديد وترك مجهود وثروات أفنى عمره في بنائها في مهب الريح بعد سنوات ليست بعيدة.

 

نشر في جريدة الوطن السبت الموافق 04/ يوليو /2009م

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *