جولة باراك أوباما العربية والمصالح الإسرائيلية
تركي بن فيصل الرشيد
” ما أشبه الليلة بالبارحة ” مثل أتذكره عند النظر إلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية الحالية – خصوصاً مع كم التفاؤل العربي الذي لمحه الجميع منذ فوز باراك أوباما بانتخابات الرئاسة – ومقارنته بالوضع السابق في عهد سلفه بوش. ولعلنا نتذكر كيف استغل المحافظون الجدد التعاطف العالمي والغضب الأمريكي بعد تعرض أمريكا إلى هجوم 11 سبتمبر لتحقيق أحلامهم وتنفيذ مخططاتهم بتغيير الكثير من الأنظمة في العالم خاصة العربية والإسلامية، وتمثلت الأهداف في التغيير والأزمة الخلاقة والسيطرة على ثروات العالم خاصة منابع الطاقة ( النفط ) وأغلبها يقع في المناطق الإسلامية، دون أن يعبأ المحافظون الجدد وقتها بالمؤسسات والمنظمات العالمية كثيراً.
ولم يكن أمام العديد من دول العالم إلا أن يهب لمساعدة القوة العظمى الوحيدة في العالم والجريحة خصوصاً مع اعتمادها مبدأ “إما معنا أو ضدنا”، وتعددت أهداف تلك الدول بين التعاطف أو الخوف أو الطمع في الحصول على جزء من تلك الغنائم والثروات.
بعد فشل الحرب على الإرهاب بطريقة المحافظين الجدد جاءت إدارة باراك أوباما فوضعت ملف السياسة الخارجية في أيدي الليبراليين الجدد الذين لا يقلون خطورة في أحايين كثيرة عن المحافظين الجدد في عهد جورج بوش، إذ وضع أوباما بعد الفوز سياسته الخارجية في أيدي الصقور، وهم كثيرون حوله، وعلى رأسهم هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية وجوزيف بايدن نائب الرئيس راهام عمانويل كبير موظفي البيت الأبيض وريتشارد هولبروك مبعوث أفغانستان ودينيس روس مستشار الخليج وإيران وتعيين دينيس روس مستشاراً للخارجية الأمريكية بمنطقة الخليج وإيران وهو الموصوف بمحامي إسرائيل ومن أشد المطالبين بضرب منشآت إيران النووية.
هؤلاء جميعاً ينتمون لنفس المدرسة الأيديولوجية ويسيطرون على أهم الملفات حساسية في حقبة أوباما الحالية. فهم ينتمون جميعاً لتيار الليبراليين الجدد والذي يتشابه كثيراً من حيث نشأته وأفكاره مع المحافظين الجدد، والفارق بين الفريقين ضئيل للغاية، ويدور حول آلية التنفيذ، برفض الليبراليين الجدد لنزعة المحافظين الجدد العسكرية المفرطة، فهم يرون أن الميل المفرط للنزعة العسكرية أضر بصورة أمريكا ومصالحها، ويفضلون في المقابل تغليب الدبلوماسية أو القوة الناعمة مع الاحتفاظ بتوجه صقوري تدخلي في السياسة الخارجية لا يتردد في خوض الحروب وهم يحاولون أن تتحول المنطقة لمعاداة إيران وليس إسرائيل.
من جانبها قدمت الدول العربية ونفذت الكثير من الأعمال لخدمة الولايات المتحدة ومصالح فئات قليلة من المجتمع بالدول العربية والدول الإسلامية تحت شعار مكافحة الإرهاب، إلا أن تلك الحملات لم تحقق النجاح المطلوب ولم تقم بإنجاز الكثير، لاسيما أن مصطلح الإرهاب تم توسيعه، فضم هذا المصطلح جماعات المقاومة بكل أشكالها، والمفكرين المعارضين والممولين والكثير من المنظمات بكل شمولية، حتى مؤسساتنا الإعلامية لم تسلم من ذلك، وطالما أن الأهم لدينا هو عالمنا العربي والإسلامي فبالبحث في أسباب عدم نجاح الحملة على الإرهاب في المرحلة السابقة ومحاولة كسب المعركة في الفترة المقبلة نجد أن أهمها يتمثل في عدم معالجة الأسباب اكتفاءً بالمظاهر فقط، إذ يوجد لدينا في العالم العربي الكثير من الحاضنات الحقيقية للإرهاب وهي المسؤول الأول عن تفريخ الإرهابيين، مثل الفقر والجهل والفساد وسوء توزيع الثروات. والآن وقد أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سيزور المملكة خلال الأيام المقبلة في جولة له بالشرق الأوسط وأوروبا، فما هو المتوقع من هذه الزيارة ؟
الذي يبدو أن إدارة الرئيس أوباما، التي تعيد تموضعها يومياً تقريباً، تؤكد أن المصالح الأمريكية لا تتغير من إدارة إلى أخرى, كما يبدو أن أوباما سيستسلم لمشيئة نتنياهو ويتعامل مع ملف الشرق الأوسط بأسلوب الإدارات السابقة نفسه، والتي كانت تلجأ أحياناً إلى التلويح بالعصا لإسرائيل في لحظة معينة، ثم لا تلبث أن تعود لتستسلم تدريجياً للمنطق الإسرائيلي، خاصة أن الكثير من أقطاب إدارة أوباما موالون لإسرائيل، وزيارة نتنياهو الأخيرة خير شاهد. وقد تنجح الضغوط الأمريكية على إسرائيل خلال المرحلة المقبلة في دفع نتنياهو إلى قبول المبادرة العربية شكلاً ولكن كأساس لتفاوض يسعى من خلاله إلى إجهاضها وتفريغها من مضمونها والنزول بسقفها تدريجياً إلى النقطة التي يريد دفع العرب للوصول إليها، لذا يتعين على العالم العربي أن يتوجه برسالة واضحة إلى إسرائيل وإلى إدارة باراك أوباما مفادها أن المبادرة ليست مطروحة للتفاوض وإنما للقبول أو الرفض بلا تحفظات أو شروط من أي نوع. كما يتعيّن على العرب أن يتمسكوا بهذه المبادرة نصاً كما هي وأن يرفضوا إدخال أي تعديلات عليها أو حتى التطوع بتقديم تفسيرات لبعض بنودها، وأن يصروا على أن تجري أي مفاوضات بشأنها في إطار جماعي شامل، أي من خلال مؤتمر دولي يربط مختلف المسارات بعضها بعضاً ويستهدف الخروج بتسوية متزامنة وملزمة للجميع.
والسؤال: هل نحن في وضع يمكننا من ذلك؟ نملك الكثير من الأدوات بأيدينا منها انكشاف إسرائيل عسكرياً وسقوط أسطورة الجيش الذي لا يقهر والاقتصاد الأمريكي المنهار والوضع العسكري في العراق وأفغانستان.
أخيـراً:
قال راهام عمانويل رئيس فريق البيت الأبيض مخاطبا نتنياهو: “إن قدرة الولايات المتحدة على الوقوف في وجه إيران منوطة بتحقيق تقدم إسرائيلي على الجبهة الفلسطينية”! وبما أن احتمالات الصفقة الإيرانية – الأمريكية لا تزال ضئيلة، وما دام التسلح النووي الإيراني لن يشكل تهديداً مباشراً للدول العربية بل إنه على العكس قد يفتح الباب أمامها لتطوير برامجها التسلحية الخاصة، ودفع القلق والاهتمام العالميين إلى محاولة التوصل إلى تسوية سياسية وتسليحية للصراع العربي – الإسرائيلي، فلماذا يتم التوافق العربي – الإسرائيلي على الموقف من إيران وهو ما يعجز الكثيرون من المتابعين عن فهمه؟
ختامـاً:
يجب ألا ننخدع بسحر باراك أوباما الشخصي فنعوضه ما خسره أمام نتنياهو، لقد قدمنا الكثير لخدمة مصالح أمريكا والنتائج كانت ولا تزال كارثية، والآن في حال اتفاق أمريكا مع إيران فسيكون ذلك على حسابنا نحن العرب، بحقيبة هدايا لن تقل عن سابقتها التي قدمتها إدارة بوش لإيران على حسابنا ودون اعتبار لنا ورفضتها إيران استشعارا لقوتها وأنها تستحق أكثر من ذلك، وفي حال عدم الاتفاق والحرب مع إيران فسندفع أيضا الثمن باهظاً، لذلك فأسلوب التصعيد العربي ضد إيران يجب أن يكون تصعيداً محدوداً يستهدف الضغط على القيادة الإيرانية، لا التشجيع على الحرب.

Leave a Reply