برامج التخصيص بين الأهداف والتنفيذ
تركي بن فيصل الرشيد
كنا وما زلنا، منذ سنوات طويلة، نسمع عن رغبة الدولة في التخصيص وهو الهدف المنشود للمؤسسات الخاصة والقطاع الحكومي على حدٍ سواء، غير أن النتيجة نراها متواضعة مقارنة بالتصريحات الرنانة. كثر الكلام عن ضرورة برامج الخصخصة لمواجهة هذا التردي العام في قطاع الخدمات، ولكن أين هي المداخل العملية وليس المبادئ النظرية فحسب لمشاريع التخصيص؟
أرى أن أحد أسباب التأخير في برامج الخصخصة يعود لرغبات ونزعات شخصية لدى البعض. فمتى كان الهوى هو المحرك والباعث لتحقيق الهدف فإن القوانين والأنظمة ستتعطل لأنها وضعت لتحقيق أهداف جماعية ولم توضع لتحقيق كسب أو منفعة ذاتية لجهة معينة قال تعالى ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (26) سورة ص… إن آفة الهوى هي أُس تراكمات المآسي والفساد والظلم المحيط بالناس في كل مكان. عجيب أمر هذه الحلقة أو الوصلة المفقودة بين النظرية والتطبيق، بين الفكر والقرار، بين القول والفعل في حياتنا العربية لماذا نعجز دائماً عن تحقيق الصلة الرابطة بين الأمل والعمل ونظل متجمدين على ضفاف الأمل إلى أن يتلاشى من بين أيدينا؟
لماذا نظل مراوحين مكاننا بين القول وعدم الفعل ونعيش دائماً مع أنفسنا في تناقض وفصام مهلك، هل هي حالة من مرض ( شيزوفرينيا ) معلنة لا يتمخض عنها غير الشلل؟
ويتبادر إلى الذهن سؤال هام قبل الإسهاب في هذا الموضوع: ما هي القطاعات المطلوب تخصيصها؟ من الأمور المسلم بها أن جميع القطاعات الخدمية يجب أن يتم تخصيصها شريطة أن تقع مسؤولية التخصيص على عاتق جهاز مستقل ولا يُترك تنفيذ هذه المهمة إلى نفس الإدارة أو الوزارة المعنية بذلك لتقوم بعملية التخصيص. مثال على ذلك الخطوط السعودية ومؤسسة الصوامع ومصلحة المياه والسكة الحديدية والخدمات الصحية وجزء كبير من القطاعات الأمنية الخدمية. فإذا أخذنا على سبيل المثال الخدمات الصحية نجد أن الخدمات الصحية غير كافية ودون الطموح خاصة لذلك الشخص الذي لم تتوفر له فرصة العمل في شركات تقدم التأمين الصحي أو علاقات حميمة تؤمن له تسهيلات العلاج في المستشفيات الكبرى وهم قلة.
ولمعرفة حقيقة الخدمات الطبية لا بد من معرفة المستويات التي تقدم فيها هذه الخدمات. تشتمل الخدمة الصحية على أربعة مستويات.
المستوى الأول:
هو العناية الصحية الأولية التي تقدم في المراكز الصحية أو يقدمها طبيب العائلة.
المستوى الثاني:
هو ما تقدمه المستشفيات العادية التي يوجد فيها المختصون وتجرى فيها العمليات والإجراءات التي لا يمكن أداؤها في المركز الصحي.
المستوى الثالث:
هو الذي تقوم به المستشفيات المتخصصة التي يتوفر فيها التخصصات النادرة مثل علاج الأورام بالأشعة والعلاج الكيماوي وزراعة الأعضاء وجراحة القلب والأعصاب وغيرها.
المستوى الرابع:
هو ما يتطلب التخصصات الأكثر ندرة وحسب علمي لا يوجد منها إلا مركز واحد أو مركزان.
إضافة لذلك هناك الخدمات الداعمة لهذه المستويات مثل خدمات الإسعاف والمختبرات ومراكز التأهيل والعلاج الطبيعي وشبكات الطب النفسي وطب الأسنان وغيرها من التخصصات الصحية الأخرى.
ولمعرفة الغاية التي نسعى إلى تحقيقها من الخصخصة نطرح السؤال التالي: هل سننفذ برامج التخصيص لكي ننتشل 3 ملايين سعودي من هم تحت خط الفقر ونقلل ونحسن من وضع الأعداد المتزايدة من الشباب العاطل عن العمل والغارق في الديون، والمحروم من السكن والزوجة وغيرهما من ضرورات العيش في ظل اقتصاد غير متطور ويحابي القـلة المترفة ضد مصالح الكثرة البائسة؟ الأمر الذي يجعل هذا الشباب في النهاية محروماً من الأمل ويائساً من الحياة، وعرضه للتفكير في الانتقام من المجتمع ونظامه بأي شكل، ولو كان بمنطق:” عليّ وعلى أعدائي “. إن السعي لتحقيق الأهداف أمر مشروع فقد طورت كثير من الدول وسائل متعددة تتماشى مع متغيرات العصر والأحداث. وهناك دول مجاورة لنا طورت قدراتها لتحقيق أهدافها وخرجت من مأزق البيروقراطية والأنظمة المعوقة لتحقيق الأهداف. وها نحن نتساءل: متى يأتي اليوم الذي نكون فيه قادرين على وضع أنظمة وقوانين تضبط مسار الإدارات العليا والمتوسطة لتحقيق أهدافنا؟
أخيـراً:
التسريع بعمل الإصلاحات الاقتصادية والسياسية هو المطلب الأساسي للنمو الاقتصادي وهذا النمو كفيل بعلاج الكثير من الأزمات لدينا. أحد الإصلاحات المطلوبة هو نظام الرهن العقاري. حيث إن أهمية الاستثمار في قطاع الإسكان له أهميته الكبرى بتحريك الاقتصاد. كما يؤكد الكثير من الخبراء أن الاستثمار في الإسكان هو أحد محركي الاقتصاد. يمثل عادة ما بين الـ10% إلى 20% من الناتج الوطني. لا يمكن أن نكرر مقولة الفقر والجوع وعدم وجود الأمن والتوحيد في الماضي فهذه رغم أهميتها في الماضي إلا أن قلة جدا من المجتمع الآن تذكر تلك الظروف والأغلبية العظمى من المجتمع تبحث عن السكن والعلاج والوظيفة.
التخصيص يجب ألا يترك لكل منشأة لكي تقرر متى وكيف يتم التخصيص. بل يجب أن يكون التخصيص مسؤولية هيئة مستقلة تشرف على برامج التخصيص. لقد قمنا خلال العقدين الماضيين بالتركيز على الإنفاق الحكومي ولم تثبت فعالية الإنفاق الحكومي فقط بتحريك الاقتصاد. القطاع الخاص هو القادر على تحريك الاقتصاد وهذا ما تثبته التجارب الماضية. يحضرني هنا في هذا المقام قول فريدريك نيتشة ( خدمة الحقيقة هي أقسى أنواع الخدمات من يجرؤ على مواجهة ذاته وحقيقته العميقة ؟ ).
الخلاصـة:
يجب إنشاء جهاز مستقل لديه أهداف محددة يعمل تحت إطار زمني معلن لتخصيص تلك القطاعات. كما أن هدف الإصلاح الاقتصادي والتعليمي والسياسي في المملكة وجميع منطقة العالم العربي يجب أن يكون واضحاً وهو تحقيق معدل ما من الاستقرار في المنطقة.

Leave a Reply