الفساد هو العائق الأكبر أمام التنمية
تركي بن فيصل الرشيد
لا تخلو صحيفة يومية لدينا من موضوع يتطرق إلى الفساد وآثاره على المجتمع . فما هو الفساد المقصود؟ الفساد هو سوء استغلال السلطة من أجل تحقيق مكاسب شخصية.
ومن ذلك الفساد الإداري وفيه ما يعرف بالعمولات والرشوة ومن أكثر أشكال الفساد الإداري شيوعاً، الاختلاس ،السرقة والمحسوبية.
ووفقاً لما جاء في أحد تقديرات البنك الدولي، فإن معدل تكلفة الرشوة في المؤسسات الخاصة وحدها يقدر بثمانين مليار دولار سنوياً. وهناك دولة واحدة فقط مستثناة من ذلك هي الولايات المتحدة الأمريكية، علماً بأن القانون وحده لم يوقف المؤسسات الأمريكية عن الرشوة، بل دفعها إلى اعتماد أساليب سرية.
إن الفساد هو العائق الأكبر الوحيد أمام التنمية في العالم الثالث، إذ يتم تحويل مبالغ كبيرة من المساعدات للمنفعة الشخصية بطرق ملتوية.
وتحرص القيادات في تلك الدول على وضع الأنظمة الرقابية والقوانين والتشريعات التي تحارب الفساد بجميع أنواعه. إلاّ أنّ انتشاره لا يمكن الحد منه ويرجع ذلك لعدم تطبيق الأنظمة الموضوعة وضعف الجهاز الرقابي.
عندما تتصف بيئة العمل بعدم الشفافية تصبح تربة خصبة لانتشار الفساد الإداري. يجب الالتزام بالشفافية في بيئة العمل وتشجيع الصحافة للقيام بمحاربة الفساد الإداري.
ومن أهم أسباب انتشار الفساد الإداري بقاء مديري المصالح العامة وموظفي الإدارة العليا والتنفيذية لفترات طويلة في مناصبهم، مما يجعل البعض منهم يخلط بين الممتلكات الشخصية وممتلكات وأموال المصلحة التي يديرها.
في عام 1993 أنشأ ( بيتر آيجن ) مدير البنك الدولي السابق مع مجموعة كبيرة من المؤيدين للفكرة منظمة الشفافية الدولية، التي تعد أكبر منظمة غير حكومية في العالم لمحاربة الفساد، وتوسعت المجموعة كثيراً لتضم رؤساء سابقين، وزعماء في عالم الأعمال. ويتطوع أعضاء مجلس الإدارة والمجلس الاستشاري للعمل بالمنظمة من دون أجر، ولدى المنظمة أكثر من 70 فرعاً منتشرة في أنحاء العالم وتستخدم العديد من الدول مؤشرات تلك الجهات والهيئات كدليل استرشادي عند وضعها لسياسات مكافحة وعلاج الفساد بأنواعه المختلفة بها.
ومن أهم المؤشرات التي تصدر عن تلك المنظمة 3 مؤشرات هي:
مؤشر مدركات الفساد والتقرير العالمي الشامل عن الفساد الذي يركز في كل عام على دراسة الفساد في قطاع حيوي من قطاعات العمل بالدولة ومؤشر دفع الرشوة الذي تعتمد فيه المنظمة على نتائج جمعية جالوب الدولية.
في تسعينيات القرن الماضي كثر الفساد في جميع أنحاء العالم ويرجع ذلك لعدة أسباب منها: إزالة الضوابط وخصخصة الأسواق وظهور فرص إبرام الصفقات الاقتصادية الدولية بين أطراف مختلفة في أنحاء العالم وتسريع تكنولوجيا المعلومات، التي أصبحت قادرة على نقل المعلومات والأموال مباشرة، وبطريقة سرية في أنحاء المعمورة.
لقد أوجدت هذه الظروف مجتمعة فرصة لازدهار ظاهرة لم يسبق لها مثيل هي الفساد بلا حدود.وقد خلَّف هذا الفساد آثاراً اقتصادية و اجتماعية و بيئية كبرى. أصدرت منظمة الشفافية الدولية من برلين ( مؤشر مدركات الفساد ) لسنة 2008. الذي يرصد مستويات الفساد في القطاع العام. وهو مؤشر مركب يعتمد على الدراسات الاستقصائية المتخصصة والمسوحات التجارية.
وقـد ضـم التقرير الصادر لعام 2008 مؤشرات 180 بلداً ( وهي نفس الدول التي احتواها مؤشر عام 2007 ) مرتبة على مقياس من صفر ( فاسد جداً ) إلى عشرة ( نظيف جداً ) فإذا حصلت دولة ما على 3,5 نقاط يعني أن مشكلة الفساد فيها خطيرة جداً وعلى المسؤولين والمخلصين في تلك الدولة أن ينتبهوا لذلك .
تشترك كلٌ من الدنمارك و نيوزيلندا و السويد في تحقيق أعلى الدرجات(9.3)، يليها مباشرة سنغافورة (9.2) بينما تحتل الصومال المرتبة الأخيرة (1.0) ويتقدمها العراق بشكل طفيف. وقد حصلت السعودية والمغرب على الدرجة 80.
ورد في أحد خطابات خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أمام مجلس الشورى أن من أولوياته في السياسة الداخلية للمملكة محاربة الفساد ورفع أداء الأجهزة الحكومية ومحاربة الروتين والبيروقراطية، وتوج ذلك بصدور قرار مجلس الوزراء بالموافقة على الإستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومحاربة الفساد
تم إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في 1/2/1428 الموافق 19/2/2007 وهي تُعنى بتحقيق حماية النزاهة ومكافحة الفساد بشتى صوره ومظاهره وتحصين المجتمع السعودي ضد الفساد. وقيام الأجهزة الحكومية المعنية بحماية النزاهة ومكافحة الفساد بممارسة اختصاصاتها وتطبيق الأنظمة المتعلقة بذلك وتقليص الإجراءات وتسهيلها والعمل بمبدأ المساءلة لكل مسؤول مهما كان موقعه وفقا للأنظمة.
إن تشكيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد يُعد خطوة موفقة في الطريق الصحيح وسيكون لها- عند اكتمال هيكلها وتعيين أمانتها من أشخاص أكفاء دور إيجابي في تقليص انتشار الفساد. كما أن مقومات نجاحها ترتكز على التنسيق بينها وبين المنظمات الدولية المتخصصة في هذا الشأن ووضع لوائحها وأنظمتها حسب المعايير الدولية وأن تمارس الأسلوب العلمي القياسي لدراسة ظاهرة الفساد قبل محاربته وأن تعزز ثقافة مكافحة الفساد المالي والإداري في المجتمع وأن تتبنى الهيئة وضع استراتيجية قصيرة وطويلة المدى لمحاربة الفساد الإداري.
ويعلم الجميع أن القضاء على الفساد يتطلب رقابة قوية من خلال البرلمانات، ومؤسسات إنفاذ القانون ووسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المجتمع المدني النشطة. وعندما تكون هذه المؤسسات ضعيفة، يخرج الفساد عن نطاق السيطرة وتترتب على ذلك عواقب مروعة تطال الناس العاديين وتؤثر على سير العدالة والمساواة في المجتمعات بشكل أوسع.
أخيـراً:
يعتبر التنظيم نصف المعركة ضد الفساد فالتغيير الحقيقي لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق الالتزام الداخلي بإحداث تحسينات حقيقية على ممارسات مكافحة الفساد من جانب كل الأطراف.
الخاتمـة:
خلال السنوات الطويلة الماضية لم نسمع عن إدانة أي مسؤول كبير في القطاع العام أو القطاع الخاص بتهمة الفساد وكما يقول المثل من أمِن العقوبة أساء الأدب. يجب أن نتخذ مبدأ الشفافية وأن يمارس الإعلام دوره الرائد لفضح الفساد والمفسدين.وأن يمنح مجلس الشورى كافة الصلاحيات لاستدعاء أي مسؤول تنفيذي وأن تكون له صلاحية التوصية بعزله أو تحويله إلى التحقيق الجنائي. وأن يكون له دور في إعداد الميزانيات قبل اعتمادها ومتابعة التنفيذ. كل ذلك سوف يحد من انتشار الفساد أو يقضي عليه.
نشر في جريدة الوطن السبت الموافق 28 مارس 2009م

Leave a Reply