التعليم وسوق العمل علاقة مفقودة من السهل إيجادها
تركي بن فيصل الرشيد
هناك إجماع على أن الإنفاق على التعليم تواكبه زيادة في النمو الاقتصادي.. وقد أنفقت الحكومة السعودية على التعليم ما يعادل 6.8 % من الدخل القومي و المقدر بحوالي 1.309 مليار ريال وبرغم أن الإنفاق قد تم إلا أن النمو لم يتحقق فلم يا ترى؟
لو أننا استثنينا كليات اللغة العربية والدين وألقينا نظرة فاحصة على باقي التخصصات لوجدنا حقائق مخجلة تنذر بعواقب وخيمة.
لا بد أن يكون قد مر عليكم كما مر عليّ خريجون حملة شهادات جامعية سعودية لا يستطيعون كتابة جملة عربية صحيحة إملائياً ناهيك عن الخطأ اللغوي ورداءة الخط. والمصيبة الأكبر أن الكثير من أصحاب الحظوة من بين هؤلاء الخريجين يبتعثون على نفقة الدولة إلى أمريكا أو إحدى الدول الأوروبية للتخصص والحصول على درجات أعلى فيما هم لم يتقنوه أصلاً بالجامعات السعودية وأصبحت “الشهادة المضروبة ” عبارة مشاعة في المجتمع.
وجود مثل تلك الحالات ينبئ بوجود خلل كبير في النظام التعليمي وفي نظام القبول وفي نظام الامتحانات. لابد لنا من أن نقف للحظة ونتساءل .. هل نعنى نحن بالكم أم بالكيف؟ هل هناك مقياس لنوعية التعليم لنفس الكلية بجامعاتنا بالمقارنة بجامعات عربية أخرى ثم بالجامعات بالبلدان الأجنبية التي نبتعث إليها خريجينا.
استمرارنا بهذا الأسلوب يعني أننا نلقي بالسكر في البحر المالح فلا تمت التحلية ولا حافظنا على السكر. يتوقع الخبير سايمون مؤلف كتاب “الشفق في الصحراء” بداية سريعة لانحدار إنتاج أكبر آبار النفط السعودي. وكأن الزمن ليس في صالحنا .. وكأن السكر الذي بأيدينا الآن يتآكل مع الزمن والنهم.. فإذا ألقينا بجزء منه في البحر المالح عجلنا بزواله وصعب علينا إحلاله..وفي نفس الوقت خلقنا طبقة من الجهلاء حملة المؤهلات.. يبحثون عن الوظائف ولا يستطيعون الوفاء بمتطلباتها الوظيفية والنتيجة عطالة مقنعة و سعودة بهذا الأسلوب لم ولن تتم .. ولوم دائم على القطاع الخاص.
سلامة المؤهل العلمي ضمان دائم لكفاءة المنظومة التعليمية وربما أفضل الطرق لتفعيل ذلك هو الارتباط بجامعات معترف بها لتوحيد المادة والدرجة العلمية. إذا حققنا ذلك ضمنا عدة أمور هامة وحيوية:
- أن حملة المؤهل العلمي هم كوادر مؤهلة فعلا وليسوا حملة شهادات حبر على ورق.
- أن تلك الكوادر ستنتقي بدقة المجالات العلمية التي يتطلبها سوق العمل
- وبالتالي سيكون لتلك الكوادر وجود فعلي تلقائي وليس قسرياً في سوق العمل
- سيجد القطاع الخاص نفسه أمام عمالة وطنية منافسة للعمالة الوافدة مما يعزز سعودة الوظائف على أساس فعلي وليس على أساس جائر كما يبدو الوضع الآن.
- التوازن بين العرض الوظيفي الذي تشكله أغلبية وطنية والطلب على المؤهلات السعودية يلغي الدور التعسفي لقانون العمل المتعلق بالسعودة ويحقق وئاماً دائماً على أسس اقتصادية سليمة تؤدي إلى سعودة بنسب عالية في أقصر وقت ممكن.
- استحواذ الخريجين على معظم الوظائف يفرض شروط ساعات عمل إيجابية تحقق التوازن بين حاجات العمل والحاجات الاجتماعية مما يحد من سلبيات العزوف عن الالتحاق بالوظائف المتاحة بالقطاع الخاص .. ويقضي على تفشي ظاهرة البطالة وما يتبع ذلك من طيش وتصرفات لا أخلاقية وجرائم وعنف وإرهاب.
- التغير الذي يطرأ على سلم الرواتب له تأثيره على المستوى العام للأسعار وبالتالي ستنتظم الحياة التجارية وسيخرج الطفيليون من نشاط تجاري ما لينضموا إلى النشاط التجاري الذي يتلاءم معهم وبالتالي فإن التسعير وتحقيق الأرباح سيكونان وفق مقتضيات السوق وليس لأهواء الجشعين والمغامرين والمزاحمين.
- الخروج الكبير للوافدين الذي يتبع تلك التغيرات له هو أيضاً آثاره على توازن الطلب على المسكن والمأكل والمشرب والملبس وعلى الضغط الذي تمارسه تحويلات الوافدين إلى ذويهم على الريال السعودي مما سوف يحقق بعد زوال الضغط أسعار صرف أقوى لمصلحة الريال السعودي وانخفاضاً ملحوظاً لأسعار السلع المستوردة.
ختامـاً:
ربما المزاحمة على المقعد الجامعي سببها ببساطة هو سهولة الحصول على شهادة حبر على ورق وليس بالضرورة الحصول على المؤهل العلمي. وقد لا يشعر حامل تلك الشهادة بالمهانة إلا من بعد أن يدرك أنها لا تطعمه ولا تسقيه ولا تضعه في موقف المنافسة الوظيفية مع أقرانه الوافدين.
ومن هنا كانت ضرورة رفع كفاءة التعليم وذلك بالارتباط بجامعات عريقة بحيث تتوحد المادة والدرجة العلمية ولا يحصل عليها سوى مستحقيها عندها لن يزاحم على المقعد الجامعي إلا من يجد في نفسه القدرة ولن يتوانى حامل المؤهل العلمي عن الدخول بثقة في منافسة وظيفية، وستتحقق السعودة تلقائياً وستختفي سلبيات كثيرة من المجتمع دون الحاجة إلى إجراءات قاسية أو اللجوء إلى قوانين غير منطقية.

Leave a Reply