الانتخابات السعودية وتماسك الجبهة الداخلية

Posted

in

by

الانتخابات السعودية وتماسك الجبهة الداخلية

تركي بن فيصل الرشيد

 

تمر المنطقة الخليجية منذ سنوات بعدد كبير من المتغيرات والمخاطر، وتحتاج منا بطبيعة الحال إلى درجة قصوى من الحذر من ناحية، والاستعداد لما هو آت من ناحية أخرى لتفادي.. ليس المتغيرات، بل مخاطر وعدوى الفوضى.

 أما المتغيرات فهي ما قد بدأنا في انتهاجها من الداخل، وأعني بذلك قرارات الإصلاح والتنمية، ومهما كان الخلاف حول بطء أو سرعة هذه المتغيرات إلا أننا لا نستطيع أن ننفي هذا الشوط الكبير الذي قطعناه في سباق التغيير وفق أصول مجتمعنا الثابتة.

ويدعم خطوات التغيير ما اتخذه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز من قرارات حول ” المسألة الانتخابية ” في المملكة واعتمادها كمبدأ وطريقة في اختيار المناصب من قبل موظفين أكفاء.

 وعلاقة العملية الانتخابية بالمخاطر الخارجية هي علاقة تحصين الداخل وتماسكه، ودفع المواطنين إلى المشاركة في الحفاظ على الوطن، ليس شعاراً أو فلكلوراً؛ بل عملاً جاداً ، ومشاركة في صنع القرار، واختيار الصالحين القادرين على تَبَُّؤ المناصب العليا، ومحاسبة من يفرط في حقوق المجتمع والوطن.

 يقول عدد من المحللين “لم يعد العالم أكثر أمنا”.. فإذا كانت هذه المخاوف قد ملأت العالم، فما حجم المخاوف التي يجب أن نحذرها ونحن في قلب الصراع أو على مقربة منه؟! وأقل هذه المخاطر وأكثرها وحشية في آن واحد تنامي القوى الأصولية في المنطقة للأسباب السابقة كأساس، ووجود محفزات خادمة لهذا التنامي تتمثل في العجز والفقر والجهل وأصبحت الأمور مختلطة وغير واضحة في أذهان الكثير من الشباب وأصبحوا أكثر عرضة لهيمنة الأفكار التخريبية. وهذا ما يحفز القيادة السعودية أن تدفع بعجلة الإصلاح إلى الأمام أكثر.

إن الأمور تزداد تعقيداً، و خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز يقود البلاد ويدعم وحدتها لتصبح قادرة على التصدي لما ستؤول إليه أحوال المنطقة العربية والخليجية على وجه الخصوص.

 ربما تدفعني هذه الإطلالة السريعة والإشارة إلى المخاطر المحدقة بالمنطقة إلى طرح أحد جوانب الإصلاح، والذي تم اعتماده طريقاً للمشاركة الجماعية الفاعلة في اختيار المرشحين في “انتخابات المجالس” إلى طرح عدد من النقاط الرئيسة لتطوير هذه الانتخابات، ولا نغفل بطبيعة الحال ونحن بصدد ذلك أن العملية الانتخابية التي تمت في المملكة تمثل خطوة لم يكن يحلم بها أكثر المحللين بالمملكة أو خارجها إذ كانت الانتخابات قبل هذا من المواضيع المحظورة، والمحرمة في تصورات البعض، وتعامل الجهات المعنية بإجراء الانتخابات أظهر شفافية لأقصى درجة، إلا أن المآخذ التي نراها بوضوح في هذه التجربة فهي عدم مشاركة المرأة، قصور الانتخابات على فئة عمرية ما فوق سن 21 عاماً، واقتصار الترشيح على نصف أعضاء المجلس البلدي.

 ومن أجل انتخابات قادمة أكثر نضجاً وأكثر فاعلية على المستوى الاجتماعي والسياسي.. إضافة إلى المآخذ السابقة التي تستحق أن توضع على طاولة البحث والتمكين، أقترح تأسيس “هيئة عليا للانتخابات” وهي هيئة تقنية / قانونية / إدارية، تكلف بموجب القانون بتنظيم وإجراء الانتخابات في المملكة وتعتمد في ذلك المهنية العالية والنزاهة الكاملة وفق أحدث المعايير الدولية التي تظهر القدر الكامل من الشفافية.

ولا شك أن هذه الفكرة تحتاج إلى توسع في كافة جوانب تأسيس”هيئة عليا للانتخابات”، وهذا ما لا تتسع له مساحة هذه المقالة، ولكن الفكرة إذا ما وجدت قبولاً ودعماً من أصحاب القرار فلا بد أن يشارك في دعم جوانبها مختصون بكافة الجوانب، القانونية منها والنظرية، والعملية أو المطابقة على أرض الواقع.

 وفي حال تم تأسيس هذه الهيئة فإن أحد أهم أهدافها قيام مختلف الطوائف والتيارات بالمشاركة، وهذا ما يعمق العلاقة بين المجتمع أو الشعب والحكومة، أو بالأحرى الوعي الجماعي بخطط الدولة في مجالات التنمية، وأن يشعر كل مواطن بالمسؤولية الكاملة تجاه الوطن سواءً بعدم السماح للفكر المنحرف بالسيطرة عليه أو قيامه بواجبة تجاه الوطن من خلال عمله الذي يشغله مهما صغر هذا العمل أو كبر إيماناً منه بأنه يضع لبنة في البنيان، وهذا أحد ركائز تماسك الجبهة الداخلية.

 وهنا ستكون الظروف مواتية لاختيار مجلس نواب منتخب، ومجلس مناطق الحكم المحلي بالانتخابات، وانتخاب نصف مجلس الشورى.. كل ذلك وفق عملية انتخابية واعية وذات مسؤولية في الاختيار وهذا التماسك الاجتماعي سوف يلفظ ويرفض أي عبث داخلي من الفئة الضالة التي تحاول تفتيت المجتمع وإرهابه.

 كما تحتاج هذه التجربة المقترحة إلى تعزيز مؤسسات المجتمع المدني والمتمثل في جمعية الأطباء، وجمعية المحامين وجمعية المهندسين.. والتي يجب أن تخضع مجالس إداراتها للانتخابات لدفع الكوادر الأكثر كفاءة إلى العمل والتطوير، وأن تحذو أغلب هذه الجمعيات حذو جمعية المهندسين والتي انفصلت عن وزارة الصناعة والتجارة وأصبحت تشتغل بأعمالها وفق رؤية أعضائها.

أخيـراً:

أتمنى ألا تكون هنالك نية لتمديد فترة عمل أعضاء المجالس البلدية حالياً.إن إقامة الانتخابات في موعدها يساهم في تعديل ما هو قائم وإصلاح الخلل الذي لحق بها ، فقد كانت الانتخابات هي أحد الأوسمة التي تقلدها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بإصدار الأمر والأمير متعب بن عبد العزيز بالتنفيذ والأمير الدكتور منصور بن متعب بالإشراف عليها.

ختامـاً:

لو ألقينا نظرة سريعة على الخطوات الإيجابية التي اتخذتها دول الخليج في برامج الإصلاح وبرامج المشاركة في القرار والمحاسبة على السلطات التنفيذية لوجدناها قد تقدمت على المملكة بمراحل. عليه يجب ألا نتخلف ورآها كثيراً مع الاعتراف باختلاف الظروف لكل دولة.

 

نشر في جريدة الوطن السبت الموافق 14 فبراير 2009م العدد (3060)

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *