المواصلات ونمو التجارة العربية البينية
تركي بن فيصل الرشيد
يعد النهوض بالتجارة العربية البينية من الأهداف الرئيسة التي سعت إلى تحقيقها برامج وخطط التعاون الاقتصادي العربي المشترك منذ إنشاء جامعة الدول العربية، في هذا الإطار تتضح أهمية العمل على تسهيل حركة المواصلات والاتصالات بين الدول العربية، حيث إنهما الأساس الذي يحتاجه المجتمع والدول لكي تنمو التجارة البينية بينها.
والملاحظ أنه في مجال الاتصالات قامت الدول العربية بخطوات جبارة لفتح أسواقها للمنافسة، حتى أمكن الاتصال بين الدول بسعر المكالمات المحلية ضمن شبكة الاتصال الواحدة، ما ساعد وسيساعد على التواصل العربي، إلا أن شبكة المواصلات للنقل بجميع أنواعه والتي تعتبر شريان التجارة الخليجية والعربية لم تتقدم بالسرعة نفسها التي تسير بها الاتصالات- وإنْ كانت هناك جهود ملموسة في هذا النطاق- وهو ما يدعو الى تسليط الضوء على هذا الأمر، حيث إن بناء وسائل المواصلات من طرق وسكك حديدية ومطارات هو أهم وسائل تحسين التجارة البينية وتحريك الاقتصاد غير المرتبط بالنفط، لأنه دون أنظمة مواصلات لن ينمو الاقتصاد المحلي بالسرعة المتوقعة له.
من هذا المنطلق وتقديراً لأهمية المواصلات قامت دول الخليج بما فيها السعودية – مستفيدة من ارتفاع مداخيل البترول – بالتخطيط والبدء في بناء سكك حديدية لتربط دولها بعضها ببعض، وتعدى التخطيط ربط المدن والدول إلى بناء سكك حديدية داخل المدن في السعودية ودبي وأبو ظبي، حتى إن بناء خط السكة الحديدية المسمى بخط الشمال كان من أولويات خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على الرغم من أن السعودية كانت تواجه عجزاً كبيراً في ميزانيتها مع بدء تسلمه الحكم، إضافة إلى التخطيط لبناء سكك حديدية تربط المملكة شرقها بغربها وشمالها بوسطها، من خلال إنشاء جسر بري لربط الجزء المتبقي، وهو الرياض – جدة، وخط الشمال ليربط الحديثة بالرياض، ويتوقع أن يتم إعلان الفائز بالعقد هذا العام. وفي الإمارات يدخل مترو دبي الخدمة ابتداء من العام المقبل وأعلنت أبو ظبي نيتها لبناء قطارات خفيفة في الرياض والكويت والدوحة.
ولم يتوقف الأمر عند السعودية والإمارات فقط، فبالنظر إلى بقية الدول الخليجية نجد دولة الكويت قد أنهت دراسة بمبلغ 14 بليون دولار لتنفيذ شبكة سكك حديدية تعد الأمثل في مجال السكك الحديدية، بينما تخطط سلطنة عمان لإنشاء خط سكة حديدية بطول 200 كيلومتر تربط بين سوهر وبركة. فيما اتفقت قطر مع شركة دوت شاه الألمانية لتصميم شبكة مواصلات بمبلغ متوقع قدره 10 بلايين دولار.
وأخيراً تخطط البحرين لخط نقل بضائع وربطه بشبكة القطارات لدول الخليج، إضافة إلى بناء نظام المترو ونظام القطارات الخفيفة في العاصمة المنامة. وتأتي دراسة من المقرر الانتهاء منها في نهاية عام 2008 لتنفيذ شبكة واحدة للسكة الحديدية تربط دول مجلس التعاون الست حيث تبدأ من جنوب الكويت مروراً بالسعودية إلى قطر قبل دخول الإمارات ثم عمان وتنتهي باليمن لتبين أهمية ودور المواصلات في تحقيق التكامل الاقتصادي.
وبالنظر إلى بقية الدول العربية خاصة النفطية منها نجد أنه لحسن الحظ بدأت دول مثل شمال أفريقيا بعد عقود من الإهمال لشبكات السكة الحديدية بالتخطيط لتحديث خطوطها وبناء خطوط جديدة، فليبيا التي توجد لديها سكك حديدية تخطط لاستثمار عوائدها النفطية في بناء شبكة سكك حديدية كبيرة خلال السنوات المقبلة، كما تنفق الجزائر بلايين الدولارات في بناء خطوط سكك حديدية جديدة لربط المدن الجزائرية بعضها ببعض ومحاولة وصلها بشبكات الدول المجاورة، فيما تخطط المغرب لإنشاء خطوط سريعة لربط شمالها بجنوبها.
والأمر الذي يبعث على التفاؤل أن رؤية المنطقة لبناء شبكة مواصلات ليست مقصورة على داخل البلاد فقط، بل تتعداها لربط العالم العربي بعضه ببعض، فتبقى الخيارات المتاحة أكثر للمسافرين بعدما كانت محددة بالطائرة أو بالسيارات الخاصة وفي أحيان قليلة الباصات، إضافة إلى الهدف الأسمى وهو النهوض بالتجارة البينية العربية.
وعلى الرغم من أن بعض الدول ومنها الدول الخليجية ليس لها تاريخ في بناء وإدارة السكك الحديدية إلا أنه من السهولة إدارة وصيانة هذه الشبكات، إذ يوجد خط سكة حديدية بين الرياض والدمام تم افتتاحه عام 1951 ويدار بكفاءة عالية ويلقى الثناء من الجمهور، وهو ما يثبت القدرة على إدارة مثل هذه الخطوط بكفاءة ومهارة.
أخيـراً:
قال هنري كيسنجر في مقالة كتبها بالتعاون مع البروفيسور مارتن فيلدشتاين، أستاذ الاقتصـاد بـ جامعـة هارفـارد وكبيـر المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان، إن دول أوبك ستحصل خلال العام الحالي، على ما قد يصل إلى تريليون دولار، كما ستحصل دول الشرق الأوسط هذا العام على 800 مليار دولار عائدات نفطية سيذهب أكثرها إلى دول قليلة السكان مثل أبو ظبي التي تراكم لديها ما مقداره تريليون دولار من وفر من العائدات النفطية،
وأن تراكم هذه الثروات في دول ضعيفة يجعلها عرضة لأطماع جيرانها الأقوياء، كما أنه سيعطيها قدرة غير متناسبة للتأثير على الشؤون الدولية، وذلك من خلال أن تقوم هذه الدول باستثمار فوائضها المالية عبر صناديق الثروة السيادية في الدول الصناعية المتطورة. وتنتقل من الاستثمار السلبي بالسندات الحكومية الأمريكية والأوروبية إلى الأسهم بل وإلى شراء شركات بالكامل، وهذا سيؤدي الى تزايد تأثير هذه الدول على الاقتصاديات الغربية.
الخلاصـة:
الدول الخليجية والعربية تملك الكثير من مقومات القوة، إلا أنها رغم ذلك لم تستفد منها بالمستوى المأمول، ويكفي أن نعلم أن التجارة العربية البينية كنسبة لم تحقق زيادة ملحوظة رغم توافر الإمكانيات، ومن الأمثلة للتدليل على ذلك
أن نسبة التجارة العربية البينية خلال اثني عشر عاماً لم تتحرك تحركاً يمكن أن يشار إليه، إذ بلغت (9.4%) عام 1990 و(9.5%) عام 2002.
وللتحول إلى قوى مؤثرة يجب الاستثمار بكل الوسائل لبناء وتسهيل التجارة البينية الخليجية والعربية ولعل من أهم هذه الوسائل حركة النقل والمواصلات.
نشر في جريدة الوطن السبت الموافق 31 يناير 2009م

Leave a Reply