ضريبـة القيمـة المضافـة

Posted

in

by

ضريبـة القيمـة المضافـة

تركي بن فيصل الرشيد

تعد الضرائب وسيلة رئيسة لتحقيق أهداف الدولة باعتبارها أحد المصادر الرئيسة للتمويل، في هذا النطاق تستعد الدول الخليجية لفرض ضرائب جديدة على المواطنين والوافدين، تبدأها الإمارات بضريبة المبيعات أو ضريبة القيمة المضافة كبديل للجمارك، إضافة إلى فرضها على الخدمات أيضاً، وتم الاتفاق على توحيدها عند معدل 5% في إطار الاتحاد الجمركي الخليجي. وستبدأ بعض دول الخليج مطلع العام المقبل في إقناع المواطنين بأهمية هذه الضرائب للاقتصاد الوطني وعدم تأثيرها سلباً عليهم.

ومما يُبرِز القناعة بهذه الضريبة تأكيد وزراء المال في دول المجلس خلال اجتماعهم في مايو الماضي على الالتزام بتطبيق نظام الضريبة على القيمة المضافة، واقترحوا فرضها على مستوى دول المجلس في وقت واحد وفي الوقت المناسب.

ولهذه الضريبة فعلياً أهمية كبرى، حيث إنها ضريبة تداخلية، لأن الدولة تتداخل بواسطتها في إطار سياستها المالية لتحفيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال، كما أنها وسيلة فاعلة تمكن الدولة من التدخل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتؤمن إيراداً ضريبياً وفيراً ومنتظماً، وكذلك تشكل حافزاً مهماً للاستثمار نتيجة حسم الضريبة.

وسعت الدولة – لكون هذه الضريبة على الإنفاق الاستهلاكي وليس الاستثماري ونظرا لأهميتها- إلى تطويرها بما يتلاءم مع التطورات الاقتصادية، والتي تفرض الاندماج في المركب الاقتصادي وما يسبقه من تحديث الهيكليات الضريبية بما يتلاءم والتشريعات والأنظمة المالية والضريبية، لتصبح أكثر مواكبة واندماجاً مع النظام العالمي الجديد.

 ولما كانت معظم الضرائب تستمد تسميتها من الوعاء الضريبي الذي تفرض عليه، كضريبة الدخل مثلاً وهي الضريبة المفروضة على المداخيل كالأرباح والرواتب، فإن ضريبة القيمة المضافة كغيرها من أنواع الضرائب الأخرى تتشابه مع غيرها من حيث الأهداف والنتائج، ويمكن تعريفها كما يدل اسمها بأنها ضريبة تستهدف القيمة المضافة عن كل عملية تجارية، وفي مجال علم الاقتصاد معناها استبدال الشيء بأشياء أخرى، إي منفعة الشيء.

وتشير تجارب عدة إلى ملاءمة ضريبة القيمة المضافة لظروف البلدان النامية، وأنها كانت من العناصر الأساسية في الاتجاه العام نحو الإصلاح الضريبي الذي ظهر بوضوح في كثير من البلدان النامية وبلدان التحول الاقتصادي، كما أسهمت في استقرار تعبئة الإيرادات وتعزيزها في بلدان كثيرة، مع الإسهام في رفع الكفاءة الاقتصادية.

وعلى الرغم من أن ضريبة القيمة المضافة هي ضريبة حديثة ويتم استخدامها بطريقة غير مباشرة ( تفرض على سلع معينة مثل السجائر، المشروبات الكحولية ) إلا أنها أصبحت مصدراً رئيساً للإيرادات في غالبية دول العالم. وتشكل هذه الضريبة الآن حوالي ربع الإيرادات الضريبية، ومن بين الدول الـ 184 الأعضاء في المنظمتين الدوليتين ( صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ) فإن 118 ( 64% ) منها تطبق نظام القيمة المضافة أو ضريبة المبيعات.

وهذه النسبة تشمل جميع الدول الأوروبية ومعظم دول الأمريكتين ومعظم الدول الآسيوية وتقريباً نصف دول القارة الأفريقية وتقريباً جميع الدول التي كانت تشكل المعسكر الاشتراكي. أما الدول العربية التي تطبق هذه الضريبة فهي الجزائر، والمغرب،و تونس، ومصر و الأردن.

 ولكن من ناحية أخرى هناك مساوئ عدة لهذه الضريبة كونها معقدة نوعاً ما من الناحية التطبيقية، وتتطلب وجود نظام محاسبي متقدم لدى الشركات والمؤسسات، والذي سيتحمل العبء الأكبر هي الشركات حسنة التنظيم، بينما تستطيع الشركات الصغيرة والمتوسطة التهرب بسهولة من هذه الضرائب بعدم تسجيل المؤسسات التجارية أو الإبلاغ القاصر بالمتحصلات الإجمالية واستغلال المعدلات الضريبية المتعددة وعدم تحويل الضرائب المحصلة إلى السلطات الضريبية وكذلك استخدام فواتير مزيفة والمطالبة بخصوم ضريبية عن مشتريات لا تستحق عليها الخصم. وأهم من ذلك كله، العلاقة بين فعالية تدقيق الحسابات والقدرة على إدارة نظام ملائم لرد الضريبة.

أمام ما سبق من فوائد هذه الضريبة وعلى الرغم من بعض المساوئ الأنفة الذكر فقد قررت الإمارات تطبيق ضريبة القيمة المضافة. والحال مماثلة في بقية دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى التي تملك ثروات نفطية وغازية ضخمة، بغرض تنويع الدخل، خاصة في دبي والبحرين حيث يتضاءل النفط، وقد صرح مدير التكامل الاقتصادي في أمانة مجلس دول التعاون الخليجي عبدالعزيز العويشق بأن ضرائب القيمة المضافة ستعمل على تنظيم الرسوم والمدفوعات الضريبية التي تؤخذ على أساس الخدمة بشكل عشوائي، كما سيتم ترتيب الإدارات التي تعمل على جمع الضرائب بشكل مدروس، للعمل على تحقيق الفائدة المرجوة من تطبيق نظام واضح لعمليات الضرائب في دول المجلس.

بعد هذا الاستعراض تنبغي الإشارة إلى أن تطبيق نظام ضريبة القيمة المضافة يتطلب جهوداً كبيرة واستعدادات في مجالات الإدارة والمحاسبة ومراقبة منافذ الدولة وعلى رغم الفوائد المالية التي ستتأتى من تطبيقها، فإن تكاليف فرضها ليست بالعملية اليسيرة، علماً بأن فريق العمل المسؤول عن تطبيق ضريبة القيمة المضافة بدبي قد انتهى من إنجاز المهام الموكلة إليه طبقاً للجدول الزمني المحدد، حيث انتهى فريق العمل القانوني من تصميم السياسات العامة لضريبة القيمة المضافة واللوائح التنفيذية للقانون، وكذلك مذكرته الإيضاحية، بينما أنجز فريق العمليات تصميم العمليات والإجراءات الإدارية، ووضع الهيكل التنظيمي ووضع دليل ضريبة القيمة المضافة ونظام التدقيق، وانتهى فريق التقنية المعلوماتية من وضع المتطلبات التفصيلية للنظام الضريبي الجديد، ودراسة العروض المقدمة من شركات التقنية، بينما يواصل فريق الاتصال ونقل المعرفة مع الجهات المعنية تنظيم ورش العمل والدورات التدريبية.

أخيـراً:

هناك قاعدة ذهبية تقول لا تمثيل شعبياً فلا ضرائب مستحقة وهذه الضريبة ليست بديلاً للرسوم الجمركية بحسب تصريح بعض المسؤولين الخليجيين بل هي لن تُفرض على مبيعات السلع فقط وإنما ستشمل قطاع الخدمات، وبذلك فإنها ليست بديلاً لنظام الجمارك الذي تم التخلي عنه بحسب الشروط الدولية، لذا تحاول الدول تعويض الإيراد المفقود من المستهلكين مباشرة.

إن نظام الضريبة مقبول عالمياً وسوف يسهل تكامل أسواق الخليج مع الأسواق العالمية والاندماج معها بحسب اتفاقيات التجارة العالمية، لهذا أتمنى على القيادات الخليجية ألا تعتمد على الإدارات المالية والاقتصادية فقط، حيث إن هذا القرار سياسي أولاً قبل أن يكون قراراً اقتصادياً. البعض يفترض أن المجتمع سوف يتقبل بسهولة الضرائب المقترحة على أنها هي نفسها التي كانت تؤخذ كجمارك من المستوردين، بينما الضرائب سوف تؤخذ من المستهلكين، وعليه فالمرجو أن تتاح للمجتمع فرصة تمثيل ومشاركة أكبر في قراراته وفي الطريقة التي ستصرف بها تلك المبالغ التي تم أخذها منهم.

نشر في جريدة الوطن السبت الموافق 24 يناير 2009م العدد (3039)

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *