مراكز استطلاعات الرأي العام السعودي

Posted

in

by

مراكز استطلاعات الرأي العام السعودي

تركي بن فيصل الرشيد

نحن بحاجة ماسة لإنشاء مراكز استطلاع الرأي العام للتخطيط السليم والقياس السريع لاتجاهات الرأي العام السعودي، الأمر الذي يدعم صانع القرار والمختصين في القضايا الاقتصادية والاجتماعية المثارة محلياً وإقليمياً وعالمياً.. ويساعد على وضع القوانين والقرارات و التوصيات التي يتم اتخاذها بشأن مختلف القضايا.

إن إنشاء مركز أو مراكز لاستطلاع الرأي، مُدعَّمة بآراء المختصين في القضايا الهامة، أصبح أمراً ملحاً في عالمنا المعاصر الذي نعيش فيه اليوم، لأنها تُمَكَّن متخذي القرار من التعرف على آراء فئات المجتمع في الموضوعات والقضايا المختلفة، ويستفيد منها في عملية صنع القرار.

وقد أكدت التجارب في أغلب بلدان العالم أهمية استطلاعات الرأي التي أصبحت واحدة من أهم أدوات وممارسة الإصلاح والتعرف على توجهات المواطنين في مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وحيث إن استطلاع الرأي العام أصبح وسيلة من وسائل المعرفة التي يهتم بها الكل وتعطي مؤشرات على مدى انتشار المعلومة بين أوساط الناس في مناطق مختلفة. فإنه من الضروري السماح بإنشائها كأحد آليات الإصلاح، وكوسيلة متفق عليها للتعرف على آراء المواطنين.

 حالياً أصبح المجال مفتوحاً أمام الشخص ليعبر عن قناعاته أو أفكاره غير أنها محصورة في البرامج التي تبثها بعض المحطات التلفزيونية والإذاعية ومواقع الإنترنت لكن هذه الاستطلاعات غير دقيقة وغالباً ما تكون غير صحيحة. لا يوجد نقاش جاد وخطوات عملية حول القضايا التي يثيرها الرأي العام.

من هنا لم تتجاوز محاولات دراسة الرأي العام وقياسه مرحلة التجريب، حيث لم تتبلور تقاليد علمية أو مهنية متفق عليها بين الباحثين أو المشتغلين باستطلاعات الرأي والرأي العام.

إن منطقتنا العربية عامة والخليجية خاصة ينقصها الكثير للحاق بالدول المتقدمة ومن ذلك عدم التخطيط المستقبلي الدقيق والذي تعتبر الإحصائيات والاستفتاءات من أهم أسباب نجاحه.

 هنالك عدة إشكاليات نظرية وعملية ترتبط باستطلاعات الرأي العام في العالم العربي واستخداماته، ولعل أهمها مفهوم الرأي العام العربي وأدوات وأساليب قياسه والقواعد والمواثيق المهنية والأخلاقية التي تنظم هذه الاستطلاعات، والعلاقة الوثيقة بين تلك الاستطلاعات وعملية الإصلاح في الوطن.

إن الدولة الوطنية هي المجال الطبيعي لتشكيل الرأي العام وتتأثر به وهنالك ما عُرف بالرأي العام الإقليمي الذي يعبر عن أوضاع منطقة جغرافية ثقافية تجمع عدة دول توجد بينها قواسم مشتركة تاريخية وثقافية واقتصادية واجتماعية.

إن استطلاعات الرأي العام ليست لها قداسة لأنها ليست حقائق ثابتة أو مطلقة، فهي في التحليل الأخير نوع من القياس لمعرفة آراء الناس، وهي أمور متغيرة ونسبية في تلك الفترة الزمنية المحدودة.( تقوم كثير من مراكز استطلاعات الرأي العالمية باستخدام عيّنة حجمها يتراوح ما بين 1000 و1500 مفردة ).

يجب ألاَّ يكون هناك احتكار حكومي لتنظيم أو منع إجراء استطلاعات الرأي العام لأن ذلك يتعارض مع محاولات الإصلاح من جهة، ولا يتفق مع المنطق السليم خاصة مع التطورات والفرص الكبيرة التي أباحتها تكنولوجيا الاتصال وشبكة الإنترنت وظهور استطلاعات الرأي العام الإلكترونية. كما أن بقاء الاحتكار الحكومي وأشكال الرقابة والمنع يفتحان المجال لظهور أشكال غير دقيقة وأحياناً مشوهة لقياس الرأي العام ،حيث تتنافس عدة جهات دولية ومراكز بحوث أمريكية وأوروبية على إجراء استطلاعات للرأي العام في عدة دول عربية. وقد أعلنت مؤسسة جالوب لاستطلاعات الرأي عن إطلاق موقع جديد على شبكة الإنترنت لتقديم معلومات مباشرة عن نتائج استطلاعات الرأي التي تجريها على مدى عشر سنوات مقبلة، بشأن الآراء السائدة في المجتمعات المسلمة والغربية لمرئيات الناس حول التعليم والدّين والثقافة والديموقراطية وتبادل وجهات النظر بشأنها مع قادة الرأي البارزين عالمياً. إن استطلاعات الرأي ليست دائماً حقائق مجردة، أحياناً تكون موجَّهة وأحياناً أخرى نجدها تفتقر إلى المصداقية خاصة أنها جزء من اللعبة.

هنالك ضرورة مُلِحة للإسراع بمناقشة قضايا الرأي العام وقياسه على أوسع نطاق والاتفاق مع مُسلَّمة الإقرار بحرية إجراء استطلاعات الرأي العام، والتجاوز عن حالة الخوف أو التخويف من مخاطر قياس الرأي العام أما إذا كانت هناك بعض العيوب والانتقادات لمنهجية الاستطلاعات ومدى دقتها وموضوعيتها، فإن تلك الانتقادات يمكن التقليل منها أو تفاديها مع مرور الزمن وصقل التجربة.

عندما رأت بعض الدول العربيـة فرض قيـود علـى الاستثمارات البينية، طالبت السعودية بتقديم ما وصفته بالتضحية ببعض المصالح الآنية وتغليب النظرة الشاملة على النظرة الجزئية للوصول إلى ما تسعى إليه الدول العربية من تكامل اقتصادي عبر تحرير التجارة العربية البينية وتخفيف القيود على الاستثمار.. جاءت تلك المطالبة من وزير المالية السعودي عندما شارك 12 من وزراء المال والاقتصاد العرب في مناقشة بعض قضايا العمل العربي المشترك. وتأتي هنا أهمية استطلاع الرأي العام الذي يدعم تلك التوجهات بحقائق وإيضاح الفوائد لكل الأطراف.

وقد جاء في بعض التقارير المتخصصة أن دخل البترول لدول الخليج خلال هذا العام سيكون 600 بليون دولار.

 وأن دول الخليج يتحتم عليها أن تخلق 280 ألف وظيفة لمواطنيها حديثي التخرج من الجامعات والمدارس، هذا العدد يصعب تحقيقه حسب دراسة شركة  ماكنزي.

 وأن السعودية تعكف على بناء 6 مدن اقتصادية تعتمد على التكنولوجيا ودول الخليج الأخرى تبني مجمعات للخدمات الهندسية ومراكز معلوماتية ومشاريع مشابهة. وبما أنه يجري التبشير من القيادات الخليجية بعملية إصلاحات اقتصادية ومشاركة شعبية في المنطقة وهنالك اتجاه متسارع نحو الخصخصة ودعم القطاع الخاص، فإن مثل هذه التحولات الكبرى تخلق حاجة موضوعية لبحوث السوق والتي تعتمد على أنواع متعددة من استطلاعات آراء الجمهور لتحقيق الفائدة القصوى منها.

أخيـراً:

يجب أن يبادر العلماء والمختصون والباحثون بتفعيل مجموعة من الأسس والقواعد والمواثيق الأخلاقية المنظمة لممارسة استطلاعات الرأي العام. ولإنجاح ذلك المسعى يمكن الاستفادة والتنسيق مع الجهات المختصة التي لها باع طويل في هذا الموضوع مثل: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة العمل الدولية ومؤسسة ( جالوب ) ومركز أبحاث ( بيو). مع الأخذ في الاعتبار ما يتفق مع أوضاعنا الثقافية والدينية وأهمية الإعلان عن أهدافها، والخطوات الإجرائية والمنهجية المتبعة وتشجيع ودعم فعاليات المجتمع المدني ومعاهد البحوث والجامعات.

نحن بحاجة ماسة لإنشاء مراكز استطلاع الرأي العام للتخطيط السليم والقياس السريع لاتجاهات الرأي العام السعودي، الأمر الذي يدعم صانع القرار والمختصين في القضايا الاقتصادية والاجتماعية المثارة محلياً وإقليمياً وعالمياً.. ويساعد على وضع القوانين والقرارات و التوصيات التي يتم اتخاذها بشأن مختلف القضايا.

وبناء ثقافة مجتمعية تتقبَّل فكرة استطلاع الرأي، والتشجيع على المشاركة الإيجابية فيه. والعمل على مزيد من التواصل بين المجتمع والحكومة.

نشر في جريدة الوطن الأحد الموافق 21 ديسمبر 2008م العدد (3005)

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *