الدول الفاشلة

Posted

in

by

الـدول الفاشلـة

 

تركي بن فيصل الرشيد

ظهر تعبير ” الدول الفاشلة ” لأول مرة قبل أربع سنوات، كمصطلح آخر يستنِد على مؤشرات محدّدة أعدّتها مراكز بحثية معروفة، وقد عرّف بعض المختصين الدولة الفاشلة، بأنها الدولة التي لا يمكنها السيطرة على أراضيها، وتعجز حكومتها عن اتِّـخاذ قرارات مصيرية و هامة وعادة ما تلجأ إلى استخدام القوة، مع عدم قدرتها على إحداث تأثير في حياة المواطنين أو اتجاه الأحداث التي تمس حياتهم كما أنها تعجز عن تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، وتنتشر بداخلها الجريمة والفساد، مع فشلها في التعامل بفعالية مع المجتمع الدولي، وهو تعريف ينطبق بكل حزن على كثير من الدول بالمنطقة بنسب متفاوتة. ووصف نعوم تشو مسكي في كتابٍ بعنوان الدول الفاشلة خصائص الدول الفاشلة في خاصتين هما: عدم القدرة أو عدم الرغبة في حماية مواطنيها من العنف أو من الدمار نفسه والنزعة إلى اعتبار نفسها فوق القانون محلياً كان أو دولياً. و بالتالي إطلاق يدها في ممارسة العنف و ارتكاب العدوان. عندما تحدث هزات أو صدمات غير متوقعة تكون تلك الصدمات هي الشرارة الأولى لفشل الدول ويؤدي ذلك إلى تآكل تماسك الدول الأقرب إلى الهاوية, وقد أظهرت أزمة الغذاء التي ضربت العالم مؤخراً الانتكاسات السياسية والاقتصادية مما أكد أن الدول الضعيفة تفتقر إلى القدرة التي تمكنها من التعامل مع المفاجآت غير السارة.

ولكي نتعرف على مقياس النجاح و الفشل للدولة, يجب أن نجد آلية و معياراً لذلك وخير معيار متاح أمامنا الآن في هذه اللحظة هو تقرير الدول الفاشلة لعام 2008 الذي أعدّه صندوق دعم السلام الأمريكي وهو منظمة تنسق للأبحاث مع فورن بوليسي. ولمعرفة الدول الفاشلة تناول المؤشر السنوي الرابع للدول الفاشلة, تصنيف 177 دولة وحدد الكيفية التي يمكن بها فهم المؤشِّر من خلال 12 مؤشراً، يتِم الاستناد عليها في تقييم مدى فشل أو نجاح أي دولة. كانهيار الحكومة أو صراع السلطة وفقدان الشرعية وفساد الحُكم والتمرد الاجتماعي وحالة الخدمات وانتهاك القانون والتدخلات الخارجية والتدهور الاقتصادي وحكم الأقلية والنزاعات العرقية وفرار المواطنين ونقص الغذاء والوضع الصحي والمستوى التعليمي، وغيرها مِما يمكن قياسه أو لا يمكن تقديره.

وفيما يلي أضع أمام القارئ الكريم المؤشرات التي حددها التقرير:

1.  التدخل الأجنبي 2. النخب المنقسمة 3. الأجهزة الأمنية 4. حقوق الإنسان 5. الخدمات العامة 6. بطلان شرعية الدولة 7. الاقتصاد 8. النمو غير المتكافئ 9. النزوح البشري 10. الظلم الجماعي 11. اللاجئون والمهجرون 12. الضغوط الديموجرافية.

ومن الممكن انتقاد بعض من الأسس التي بني عليها هذا التقرير. لقد كان لهذا التقرير تأثير شديد على الرأي العام العالمي, خاصة أنه يلامس الكثير من جوانب الفشل الكبيرة المحيطة به.على سبيل المثال أزمة الغلاء في الغذاء وعدم توفر الماء والرعاية الصحية والتدهور الأمني.

وإذا تناولنا بالتفصيل ما جاء في التقرير نجد أن الصومال التي تحتلّ المرتبة الأولى عالمياً، دولة مُـنهارة مقسّـمة تشهد وجود ستة من الصراعات متوازية مرة واحدة ولا يوجد بها سوى طبيب لكل 100 ألف مواطن ولا يبدو أنها ستخرج من النفق المظلم في وقت قريب . السودان، التي تحتل المرتبة الثانية في التقرير، بعد أن كانت تحتل الأولى في تقرير 2007، فإنها تعاني من كل أشكال الصراعات، ووصلت عدم قُـدرة حكومتها على السيطرة على أراضيها إلى حدّ مهاجمة فصائل مسلّـحة لعاصمتها الوطنية أم درمان. العراق احتل الرقم الخامس وهو حالة مأساوية بعد احتلالها، بكل أسف كانت قبل مدة من أقوى الدول بالمنطقة. لبنان احتل الترتيب رقم 18، دولة بدون رئيس لفترة طويلة وتواجه انقساماً داخلياً حاداً وقد نجحت مؤخراً في تجاوز عقبة الرئاسة.

التقرير يشير أيضاً إلى وجود تقصير كبير في أداء الدول العربية ويقرّر أن كثيراً من الدول العربية قد انهارت بالفعل وأن عدداً إضافياً منها يقترِب من الدائرة الحمراء. علما بأنه حسب المعايير التي أشرنا إليها سابقاً فإن المركز الأخير في القائمة تحتله دولة النرويج وقد حازت على نقاط أنجح دولة في العالم, 161 الولايات المتحدة,173 سويسرا, 175 السويد, 176 – فنلندا, 177 النرويج.

أما عن مستويات الفشل، فقد حدد التقرير دول المنطقة الحمراء، التي يعني وجودها في تلك الدائرة، أنها فشلت بالفعل، كالصومال (1) والسودان (2) والعراق (5)، ثم لبنان (18).

أما دول الدائرة البرتقالية، فإنها تلك الدول التي تشهد مؤشرات خطرة قد تقود لانهيارات محتملة، وتضم عدة دول عربية من بينها اليمن التي احتلت المرتبة (21) وسوريا التي جاء في المرتبة (35) ومصر التي كان موقعها في المرتبة (40)، وبعد ذلك تقع دول الخليج العربية في دائرة الدول الوسيطة التي تحتل المنطقة الصفراء أي التي تأتي بعد رقم 100، بينما خلت المنطقة الخضراء، وهي منطقة الأمان، من أي دولة عربية. ظنت العديد من الدول العربية أن تطورها واستقرارها ونجاحها يتمثل في الجانب الأمني فقط حيث سعت لتحقيق ذلك بشراء أسلحة كثيرة ومتطورة خلال العقود الماضية. وفي رأي المتواضع السلاح وحده لا يحقق الأمن.

 أخيـراً:

التقرير الذي تناولناه في هذا الحيز لا يشير إلى مجرد قصور هنا وهناك فقط بل يحذر وبشدة عن بوادر انهيار أو انهيار فعلي لبعض الدول وهو جدير بالقراءة والتأمل. وحتى لا تتحول دولنا العربية التي نحرص على سلامة كرامتها وكينونتها إلى دول فاشلة ويصعب علينا تحويلها إلى دول ناجحة يجب أن يقوم كل مواطن بواجبه في موقعه الذي يخدم فيه بلده وأن تقوم الجهات التشريعية في الدول العربية بواجبها ومساءلة كل من تثبت عليه مخالفة وتمارس حقها في محاسبة أي شخص دون تمييز وليس هناك حصانة ضد القانون لأي شخص ولهم وحدهم الحق المطلق في تحويله إلى لجان التحقيق التي تثبت براءته أو إدانته.

الخلاصـة:

لكي يتحقق الأمن الشامل في دول الخليج كافة يجب عليها التركيز على المشاكل والتحديات الداخلية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لديها و محاربة كافة أشكال الفساد وإيجاد حل ناجع لبيوت الصفيح المنتشرة والتقليل من النسب العالية للفقر وإيجاد الأعمال المناسبة للشباب العاطلين عن العمل لأن كل تلك المعضلات أراها قنابل مؤقتة قد تنفجر أو تستغل من جهات خارجية

 

نشر في جريدة الوطن الخميس الموافق 16 أكتوبر 2008م العدد (2939)

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *