مقترحات عملية لإصلاح سوق العمل
تركي فيصل الرشيد
لتحقيق نجاحات ملموسة على أرض الواقع، يجب أن يأتي إصلاح سوق العمل السعودي مواكباً لاحتياجاتنا ومستشرقاً للمستقبل، وذلك يتطلب جهوداً كبيرة وتضافر قناعات شريحة كبيرة من المجتمع السعودي.
عندما نريد أن نتناول موضوع ( البطالة ) تتبادر إلى أذهاننا عدة أسئلة نذكر منها على سبيل المثال.. هل قوانين سوق العمل داؤها أم دواؤها ؟ التعليم هل هو أحد حوافزها أو عوائقها؟ هل ندرك عامل الوقت في التأخير أمام مخاطر العمالة والبطالة؟ هل التعليم حقاً هو العائق الأساسي للتوظيف ؟ أم هناك علل أخرى لم يتم كشفها حتى الآن ؟
هناك مخاطر كثيرة يتوقع حدوثها الخبير ( سايمون) مؤلف كتاب( الشفق في الصحراء ) ذكر منها: البداية السريعة لانحدار إنتاج أكبر آبار النفط السعودي. العمالة المقدر عددها بـ17 مليونا، أغلبهم آسيويون يحولون إلى بلدانهم أكثر من 70 مليار دولار سنوياً. إن قمة دول مجلس التعاون الخليجية المزمع عقدها في مسقط في ديسمبر المقبل ستنظر في توصية وزراء العمل بدول المجلس التي تنص على تحديد مدة بقاء العامل الأجنبي بدول المنطقة بحيث لا تتجاوز الخمس سنوات كحد أقصى، حسب ما جاء في تصريح الوزير العلوي وهو يعني العمالة غير الماهرة والتي تقدر نسبتها بـ 88% من إجمالي العمالة. وفي حال الموافقة على تطبيق القرار الخليجي في قمة مسقط، فإن هذا القرار سيطبق على أكثر من 15 مليون عامل وافد خلال السنوات الخمس المقبلة.
وزراء العمل الخليجيين وحدهم لن يتمكنوا من عبور هذا الطريق الشائك في مسألة العمالة الوافدة، هناك أيضاً وزارتا الداخلية والاقتصاد تقع عليهما مسؤوليات في هذا الشأن.
علماً بأن دول الخليج تتخوف من القوانين الدولية التي تجيز منح المقيمين سنوات تزيد على الست، وتمنحهم حق الإقامات الدائمة والتجنيس أيضا، الأمر الذي يؤدي إلى تغيير كبير في التركيبة الديموجرافية للسكان.
إن وزراء العمل الخليجيين وحدهم لن يتمكنوا من عبور هذا الطريق الشائك في مسألة العمالة الوافدة، هناك أيضاً وزارتا الداخلية والاقتصاد تقع عليهما مسؤوليات في هذا الشأن. إن وجود العمالة الأجنبية لا يشكل خطراً كبيراً في السعودية وعمان، التي لا تزيد نسبتهم عن 25% و27% على التوالي، غير أن بقية دول مجلس الخليج تواجه مشكلة بالغة الصعوبة بزيادة نسبة الأجانب عن المعدل الطبيعي، فالبحرين يشكل الأجانب فيها نحو نصف السكان، والكويت 56% والإمارات ما يقارب 80% بينما قطر 70% وفقا لإحصائيات صندوق النقد الدولي.
قبل أن نتحدث عن الشفافية وإماطة اللثام عن الداء علينا أن ننظر إلى مختلف جوانب الإشكاليات المعيقة لهذا الإصلاح وأن نعتمد على الحقائق والأرقام الموثقة وألا ننخدع بالرأي الموافق لرغبتنا وآمالنا فقط.
كما علينا أن نسلط الضوء على حجم البطالة بين صفوف المواطنين ذكوراً وإناثاً, علماً بأن الأرقام ليست معروفة لدينا بالدقة التي يحتاجها الباحث. وإذا أخذنا المملكة على سبيل المثال نجد أن الأجانب يمثلون ثلث إجمالي عدد السكان البالغ عددهم 25 مليوناً تقريباً. منهم مليون خادمة و 1.7 مليون من بنجلاديش.
من هذا المثال نجد أن المخاطر واضحة أمامنا وأن معالجة البطالة تحتاج من الدولة إلى قرارات شجاعة ومن المجتمع كذلك، ومنها خلق وتوفير وظائف حقيقية للمواطنين في نطاق المشاريع الحيوية التي تنشئها أو تساعد في إنشائها الدولة، على أن تكون هذه العمالة فاعلة وذات خبرة وتأهيل.
تشير الدراسات الخاصة بهذا الموضوع إلى عدة أمور منها:
ازدياد العمالة الأجنبية بالمقارنة بالعمالة السعودية تنامي أعداد العاطلين بصورة كبيرة في صفوف المواطنين السعوديين تحتاج المملكة حتى عام 2015 إلى ما يقدر بـ4.2 ملايين وظيفة للسعوديين وبما أن التوظيف يقع على كاهل القطاع الخاص تحديداً فإن هذا الأمر يتطلب إجراءات عاجلة ومدروسة لاحتواء المشكلة.
النتائج السلبية للبطالة:
1- ظهور حالات الانحراف بين صفوف العاطلين.
2- لجوء فئة من العاطلين إلى اعتناق الفكر الضال المهدد لأمن المجتمع
3- عدم توفر السبل المؤدية للاستقرار الأسري والذي يمثل المطلب الرئيس لدى الشباب ونتج عن ذلك ارتفاع نسبة العنوسة والطلاق.
4- إرهاق القطاع الخاص وتكليفه بتوظيف غير المؤهلين فعلياً أو عملياً مما سبب له الخسائر, من ثم يؤدي ذلك إلى هجرة رؤوس الأموال خارج المملكة
5- على مستوى القطاع العام فإن عدم توفير الكوادر الفنية القادرة على العطاء والفاعلة بصورة كبيرة في تنمية كافة جوانب العمل أدى إلى وجود طبقة تُسمى (بطالة مقنعة) أثقلت كاهل القطاع العام.
6- ضعف الإنتاجية يهدد مشروعات وخطط التنمية بالفشل.
إن الحلول النظرية لهذا المشكل كثيرة، ولكننا نحتاج في المقام الأول إلى مراجعة جادة لما بين أيدينا من لوائح وقوانين بهدف إلغاء ما ثبت فشله أو عفا عليه الزمن، وتفعيل ما لم يفعل واستحداث القوانين واللوائح القادرة على استيعاب المرحلة الحالية والقادمة.
ونظراً لانضمام المملكة إلى منظومة التجارة العالمية، وانفتاح الأسواق وانتقال الاستثمارات والمشاريع الضخمة فإن المستقبل يستلزم منا الاستعداد بحزمة من الإصلاحات لسوق العمل ونسوق فيما يلي بعض الأفكار التي تحتاج من جهات الاختصاص إلى مناقشة ودراسة عميقة من أجل الوصول إلى حلول هذه المعضلة:
أولاً: البحث عن بدائل لنظام الكفيل
إن نظام الكفيل الذي عملنا به على مدار نصف قرن أنتج واقعاً مشوهاً، فإن أقل أضراره أنه جعل الرواتب متدنية بصورة كبيرة، لا يقبل بها سوى العامل الأجنبي، إضافة إلى نشوء عدد كبير من المشاكل القائمة أو القادمة ( حوادث شغب عمالية ).. وذلك يؤكد عقم نظام الكفيل. وحتى تكون العمالة السعودية مقبولة ومرغوبا فيها، فعلينا أن ندربها تدريبا يلبي متطلبات سوق العمل وإرسال من يستحق إلى البعثات الخارجية لتلقي التأهيل والتدريب من جهات معترف بها عالمياً، أو استقدام الخبرات القادرة على تنفيذ هذه المشروعات التدريبية.
ثانياً: رسوم ضريبية:
سنوية مقترحة على العمالة الأجنبية: هذه الرسوم الضريبية المقترحة، والبديلة عن النظام الحالي المصاحب لنظام الكفالة يحتاج إلى قانون مرن يتناسب مع دخل العمال الأجانب ووضع هذه الموارد المالية في صندوق تطوير وتدريب العمالة السعودية.
ثالثاً: عمل تسهيلات داخلية في التملك واستقدام الزوجات:
لعل من الحلول التي تدفع رؤوس الأموال للاستثمار في المملكة وتحد من حجم التحويلات البنكية من العمالة الأجنبية وجود تشريع لعمليات التملك للعقارات. إضافة إلى حرية التنقل وتيسير استقدام زوجات المقيمين لشريحة أكبر منهم، وذلك يوفر نوعاً من الاستقرار النفسي ويؤدي إلى إنتاجية أفضل.
رابعاَ: قانون عمل موحد للعمالة:
يجب أن يعتمد قانون عمل موحد يحفظ كافة حقوق العمالة مع المحافظة على حقوق صاحب العمل أو المنشأة التي يعملون بها.
خامساً: دراسة الحد الأدنى للرواتب:
يجب التفكير في وضع حد أدنى للرواتب أو الأجور يتوافق مع طبيعة العمل والعمال وخبرة العامل ومهاراته والشهادات الحاصل عليها، وهناك اقتراح على ألا تقل رواتب الطبقة الدنيا من العمال عن 1500 ريال شاملة البدلات الخاصة بالسكن وتكاليف المعيشة.
سادساً: وجود تجمعات سكنية للعمال الأجانب:
هناك عدد من المشروعات الاستثمارية تستلزم وجود تجمعات سكنية تستوعب هذه العمالة، ويتوفر فيها الحد الأدنى من المتطلبات الإنسانية من سكن صحي وملاعب وحدائق، كما يجب أن تتمكن الجهات المعنية من الوصول إليها بيسر، في حالات الأخطار كالحرائق والإصابات أو الظروف الأمنية.
سابعاً: توجهات إصلاحية للتعليم الفني والتقني:
ولعل من أهم الموضوعات التي تشغل بال المسؤولين هي كيفية إيجاد السبل لتكوين عمالة سعودية مدربة وقادرة على تبوء مواقعها في سوق العمل هنا نقترح أن يتم إنشاء جهات رسمية متخصصة تقوم بعمليات ( اختبار القدرات وقياس المهارات ).
ثامناً: ضوابط تضمن التزام المواطن السعودي بالعمل:
لابد من توفر عدة ضوابط لضمان التزام المواطن السعودي بأخلاقيات العمل منها سهولة الحصول على سجله المهني والأمني والائتماني، وسهولة الاستغناء عن خدمات العامل غير الملتزم بضوابط العمل أو غير المنتج, وتيسير عملية التوظيف الموسمي.
تاسعاً: التوظيف في قطاع الخدمات:
قطاع الخدمات الذي يمكن أن يستقطب غالبية القوى العاملة لا يحتاج إلى تدريب ولا إلى تعليم خاص. ولكنه يحتاج إلى قوانين صريحة وعادلة. منها المساواة في الأجر لإعطاء العامل الكفء الأفضلية. وضع حد أدنى للرواتب وإلغاء نظام الكفيل وسهولة الاستغناء عن خدمات العامل غير الكفء بغض النظر عن جنسيته.
الخلاصـة:
لتحقيق نجاحات ملموسة على أرض الواقع، يجب أن يأتي إصلاح سوق العمل السعودي مواكباً لاحتياجاتنا ومستشرقاً للمستقبل، وذلك يتطلب جهوداً كبيرة وتضافر قناعات شريحة كبيرة من المجتمع السعودي.
د. تركي بن فيصل الرشيد
نشر في جريدة الوطن الثلاثاء الموافق 9 سبتمبر 2008م العدد (2902)

Leave a Reply