عندما تكون المعتقدات الدينية وسيلة للشر
تركي بن فيصل الرشيد
تتطلب اللباقة وحسن الأدب عدم الخوض في المعتقدات الدينية والتوجهات السياسية، ولكن عندما تكون المعتقدات الدينية خطرا على الآخرين فلا بد من مناقشتها ومحاولة فهمها. إننا كمن يقف على حافة الجبل فأي تقدم إلى الأمام يعتبر تصرفا غير عقلاني، لذلك يجب الرجوع إلى الوراء ومراجعة الذات.
العالم الإسلامي عانى بما يكفي من ماض مليء بالحروب الصليبية والاستعمار. إن مشهد القوة العسكرية تجتاح العراق يثير تساؤلات حول النوايا الحقيقية للولايات المتحدة هذا بالإضافة إلى التواجد التبشيري الشرس، فمن السهل اعتبار كل هذا انتصارا للمسيحية الأمريكية فوفقاً للاستشراق الأمريكي الجديد. يجب تطويع الإسلام والجماعات المنتمية إليه. يقول شالمر جونسون مؤلف كتاب نيميس الأيام الأخيرة للجمهورية الأمريكية تم إسقاط 90 ألف طن من القنابل على العراق قبل الاحتلال لتدمير البنية التحتية وقد تم تدمير 18 من 20 محطة توليد وتوزيع الكهرباء ومحطات الضخ للمياه ومعالجة المياه. ولزيادة الأمراض تم التشديد على منع استيراد مادة الكلور لتعقيم المياه.
تتطلب اللباقة وحسن الأدب عدم الخوض في المعتقدات الدينية والتوجهات السياسية، ولكن عندما تكون المعتقدات الدينية خطرا على الآخرين فلا بد من مناقشتها ومحاولة فهمها. إننا كمن يقف على حافة الجبل فأي تقدم إلى الأمام يعتبر تصرفا غير عقلاني، لذلك يجب الرجوع إلى الوراء ومراجعة الذات.
المستشرقون الأمريكيون الجدد يروجون لمسألتين وهما استعصاء الإسلام على الحداثة، وأن المسلمين لا يمكن أن يكونوا إلاّ متعصبين. ولكن الحضارة الإسلامية في مرحلة إشعاعها تنفي كل هذه المزاعم، والأزمة التي يعيشها المسلمون اليوم لا تعود إلى الدين الإسلامي، الذي لا يحض على العنف وإنما هي نتيجة الوضع الداخلي المتأزم الذي تحياه أمتنا، إضافة إلى السياسات الدولية المغرضة تجاه قضايا المنطقة، هي التي فاقمت من العنف، يقول المؤلِّف تشارلز كيم بول وهو بروفيسور مادة الدين ورئيس قسم الدين في جامعة ويك فورِسْت. كيم بول بصفته متخصِّصًا في مقارنة الأديان، ألَّف ثلاثة كتب حول الدين في الشرق الأوسط، شغل منصِبَيْ مدير برامج الحوار بين الأديان. درس خلال 25 سنة تقاطع الدين مع السياسة، إن الدين قد يكون القوة الأقدر والأكثر نفاذا للمجتمع البشري وأن الأديان على اختلاف بعضها عن بعض، فهي تتفق بتعاليمها على توجهين أساسيين هما: أولا التوجُّه إلى الله وحده. ثانيا التركيز على العلاقات الطيبة والرحيمة والبنَّاءة مع الآخرين في الدنيا.
بكل أسف انه من الممكن أن يكون الدين أداة ووسيلة إلى الشر, وذلك عندما يُستعمَل للحضِّ على تصرفات وسلوك خاص لأصحاب المصالح ويكون وسيلة إيذاء وعنف ضد الآخرين. يؤكد انه ما مِن دين في وسعه أن ينجو من تهمة أنه استُعمِل، ومازال يُستعمَل، لممارسة أنماط مدمرة. أين المشكلة إذاً؟ هل هي في الديانات نفسها ؟ هذه ليست الحقيقة كما يذكر المؤلف بل المشكلة تكمن في الفساد المتلبس تحت عباءة الدين. الكاتب يتطرق إلى الديانات السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام. ولا يغفل الديانات والمعتقدات الأخرى مثل الهندوسية وحركة دوما سداي اليابانية التي تطلب طاعة عمياء لقائدها. يركز على الإسلام والمسيحية لأنهما الأكثر انتشارا. علما بأن الإسلام هو ثاني ديانة في أمريكا.
هنالك خمس إشارات إنذار يطرحها البروفيسور كيم بول وهي تشير إلى إساءة استعمال الدين. يقترح الكاتب كيف يمكن للناس أن يبقوا أوفياء للأصول الصحيحة لدينهم، فيكونوا قوة إيجابية للتغيير في مجتمعهم.
الإشارة الأولى:
يجب البحث والتأكد عن ادِّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. عندما يرفع الأتباعُ المطيعون لتعاليمَ ومعتقدات مرشدهم إلى مرتبة الحقيقة المطلقة فإنهم يفتحون بابًا لإمكانية أن يصير دينُهم وسيلة تدفعهم للشر. هذه علامة، يمكن تلمُّسها بوضوح فيما يسميه سوء استعمال النصوص والأحاديث المقدَّسة. تتم الإساءة إلى هذه النصوص عندما تُقرَأ قراءةً انتقائية وتفسِّرها وجوهٌ مرجعية كحقائق حرفية مطلقة.
الإشارة الثانية:
الطاعة العمياء. يقول كيم بول إن الطاعة العمياء يمكن أن تتخذ ثلاثة أشكال: أولا الحدّ من الحرية الفكرية والشخصية لأتباعه. ثانيا يجرده المرء من مسؤوليته الشخصية لينصاع لسلطة المرشد. ثالثا يصير المرء مستعبَدًا لأفكار أو تعاليم معينة. فعندما يتحقق واحد أو أكثر من أشكال “الطاعة العمياء” هذه، وسيلة تدفعهم للشر.
الإشارة الثالثة:
تأسيس الزمن الأمثل”. كلُّ دين يتأسَّس على افتراض مسبَّق بأن شيئًا ما فاسد في الشرط البشري وبأن الدخول مستقبَلاً في زمن أمثل يصير ممكنًا عندما يتم تصحيح ذاك الفساد. إن رؤية زمن أمثل، سواء في الدنيا أو في الآخرة، أمر سويٌّ وجيد؛ فمثل هذه الرؤية يمكن أن تكون تحديًا ودافعًا للناس كي يجاهدوا للتأسيس لذلك الزمن الأمثل في الدنيا أو للثبات على الإيمان وهم ينتظرون رجاءً أخرويًّا. غير أن التأسيس للزمن الأمثل يمكن أن يصير مصدرًا للشر. وهنا حسب كيم بول: عندما يرتبط المثال المأمول بنظرة دينية معينة إلى العالم، ويصير أولئك الراغبون في تنفيذ رؤية هم على يقين بأنهم يعرفون ما يريده الله لأجلهم وما يريد لأجل الآخرين جميعًا، عندئذٍ تصير الكارثة محتومة.”
الإشارة الرابعة:
الغاية تبرِّر الوسيلة. هذا يحصل عندما يتبوأ واحدٌ من الأركان الهامة لدين ما – التوراة مثلاً منزلة حقيقة مطلقة، ويصير المؤمنون المطيعون عميانًا مستميتين في دفاعهم الأحادي النظرة عنه”. دفاعًا عن الركن الواحد وهو الغاية يمكن استعمال أية وسيلة وتبريرها، مع تجاهُل الأركان الأخرى. وعندما يحصل هذا في أيِّ دين يصير هذا الدين وسيلة تدفعهم للشر.
الإشارة الخامسة:
إعلان الحرب المقدسة. يستكشف كيم بول ثلاث مقاربات للحرب والسلم في المنقول المسيحي، وهي: المُسالَمة وعقيدة الحرب العادلة والحملات الصليبية؛ كما يستكشف مقاربة الإسلام للحرب وللسلم ومختلف معاني الجهاد. وهو يقرُّ بوجود أسُس مشروعة لاستعمال القوة العسكرية. لكن الحرب، عندما يبرِّرها دين ما وتُسمَّى فيه “مقدسة”، فإن هذا الدين يكون وسيلة تدفعهم للشر.
ختامـاً:
بكل أسف نعيش في عالم خطر للغاية والكثير يتكلم عن نحن وهم والدين في قلب العاصفة. إن دعوات لحوار الأديان وحوار المذاهب هي خطوات في الطريق الصحيح لتجنب الكوارث ودعوات خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتلك الحوارات هي صمام الأمان للمجتمع والعالم أجمع. لتحسين صورتنا ومصداقيتنا أمام أنفسنا وأمام العالم من حولنا، يجب على علمائنا أن ينقضوا رسميا بعض الفتاوى التكفيرية الموجودة في بعض مراجعنا التراثية قديمها وحديثها.
أخيـراً:
يجب أن يكون الدين قوة للتغيير الإيجابي لنا جميعا. وصدق الله العظيم ” إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون” ( آية 44 سورة يونس ).
نشر في جريدة الوطن الاثنين الموافق 14 يوليو 2008م العدد (2845)

Leave a Reply