بعد العالم الأمريكي.. قراءة موجزة في كتاب
تركي بن فيصل الرشيد
أفول النجم الأمريكي وبزوغ نجوم جديدة، الصين والهند و روسيا والبرازيل قراءة مختصرة في كتاب ( بعد العالم الأمريكي ) للمؤلف “فريد زكريا”.
فريد زكريا هو رئيس تحرير مجلة نيوزويك ومقدم برنامج تلفزيوني تحت اسم تبادل دولي ” ويعتبر فريد أحد أهم المعلقين السياسيين في الولايات المتحدة اليوم وله عدة كتب عن الديمقراطية ولمن أدهشهم اسمه العربي فهو هندي الأصل يحمل الجنسية الأمريكية بعد أن هاجر إليها طفلاً عاش ودرس في جامعاتها ويحمل درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة هارفارد. حسب ما يذكر المؤلف فإن الأمريكان في حالة اكتئاب ففي استطلاع شهر أبريل الماضي تبين أن 81% يرون أن أمريكا في الطريق الخطأ.. هذا الاستفتاء يتم بصفه دورية منذ 25 سنة وبالنظر إلى استفتاءات متشابهة يتضح أن حالة التشاؤم هي الأقصى منذ 30 إلى 40 سنة الماضية وهنالك أسباب كثيرة تدعم هذا التشاؤم والاكتئاب.
الذعر في الأسواق المالية والكساد الذي يخيم على البلاد وحرب العراق التي يبدو أنها بدون نهاية والخوف والرعب من الإرهاب ومخاطره.
الأمريكان الآن يعيشون في حالة افتقاد للوزن لأنهم أول مرة في تاريخهم لا يقودون العالم والعالم يتشكل ويدار من بلدان خارج بلادهم وبيد أجانب ليسوا منهم، هذا الشعور يسبب لهم الارتباك والتشويش.
الأمريكان ينظرون من حولهم ويشاهدون أن أعلى مبنى في العالم ليس بالولايات المتحدة بل في تايبيه تايوان وقريباً سوف تكون دبي هي صاحبة أعلى مبنى في العالم.
أكبر شركة تداول في العالم موجودة في بكين.أكبر مصفاة في العالم هي موجودة في الهند.. أكبر طائرة ركاب في العالم تصنع في أوروبا.. أكبر صندوق استثماري في العالم يوجد في أبو ظبي.. يوماً ما كانت هوليوود الأمريكية لصناعة السينما والأحداث وترسيخ الأفكار استبدلت بوليوود ” في الهند ” السينما الهندية هي الآن الأكبر. أكبر لعبة ” حلقة الفيري ” موجود في سنغافورة.. أكبر كازينو في العالم موجود في مكاو.. أمريكا الآن لا تسيطر حتى على الألعاب الرياضية، وحسب قائمة أكبر عشرة أغنياء في العالم فإن اثنين منهم فقط أمريكان..
العالم يبني ويتطور ويصلح أحواله الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأمريكا مشغولة بنقاش لماذا العالم يكرهنا؟ وهنالك مجموعات أخرى تتبنى نظرية المنحنى الطبيعي للحياة وأن القوى لا يمكن المحافظة عليها بل هي سنة الحياة “وتلك الأيام نداولها بين الناس”.
فئة قليلة من الأمريكان تطالب بأن يجب على أمريكا أن تصحو من غفلتها وأن تقبل بالأمر الواقع وتعيش فيما بعد العالم الأمريكي وتلعب دورا هاماً في العالم حسب قدراتها وقواتها المتاحة.
في الثمانينات كان العالم مبهوراً بالسياسيين والممثلين ورجال الأعمال الأمريكيين لأنه لا توجد تغطية إعلامية إلا لأمريكا والأمريكان. ولو أخذنا مثالا في العالم العربي لوجدنا أنه يوجد أقل من 50 محطة تلفزيونية في العالم العربي أجمع. الآن يوجد أكثر من 450 محطة تلفزيونية ناطقة بالعربية كذلك توجد مئات المحطات الناطقة بالهندية والصينية والبرازيلية والروسية. وهذه المحطات تظهر وتبرز الأفراد الناجحين من جميع فئات المجتمع من أوطانهم.
في عام 2006 و2007 نما اقتصاد 124 دولة أعلى من 4% سنوياً. منها 30 دولة أفريقية لقد ارتفعت أسعار الأراضي الصناعية بشكل خيالي. يتوقع أن تكون أكبر 25 شركة في العالم ستكون 4 منها من البرازيل والمكسيك وجنوب أفريقيا و تايوان و3 من الهند و2 من الصين وواحدة من كل من الأرجنتين وشيلي وماليزيا، وجنوب أفريقيا وذلك كله دليل على صعود اقتصاد بقية دول العالم. الحضارة مرت بثلاثة تغيرات جبرية:
أولاً: الثروة الصناعية الأوروبية خلال القرن الخامس عشر. قدمت الثروة الصناعية والزراعية والرأسمالية.
ثانياً: بروز الهيمنة الأمريكية خلال القرن التاسع عشر.. باستعمال الطاقة النووية.
والآن ونحن في بداية مراحل ولادة بروز المرحلة الثالثة بعدة قوى. الولايات المتحدة تملك القوة السياسية والعسكرية ولكنها لا تملك القوة الصناعية والاقتصادية والاجتماعية، مراكز القوة بدأت تبتعد عن الهيمنة الأمريكية وعلى الشعب الأمريكي أن يكون مهيأ إلى أفول النجم الأمريكي وبزوغ نجوم أخرى.
حسب دراسة أكاديميين من جامعة مارلاند فإن مستوى العنف العالمي هو الأقصى منذ عام 1950. ( 80% من هذا العنف يأتي من العراق وأفغانستان ).. يقول الدكتور أسيفن بنكر إن العالم يعيش في حالة أمان الآن.
لماذا يحس الناس بالخوف والرعب إذن؟!.. يعلل الخبراء ذلك لوجود الهاتف النقال والأخبار العاجلة التي تغطي العالم أجمـع.
ولحسن الطالع فإن الدول العظمى البازغة تعيش ضمن حدودها ولا تطمع بزيادة القوى العسكرية حسب التاريخ فكانت كل دولة تريد أن توسع من نفوذها بالقوى العسكرية ولحسن الطالع نرى اليابان وألمانيا اتجهت إلى التوسع الاقتصادي وليس العسكري، وها نحن نرى الآن الصين والهند تأخذ نفس المنحنى ببناء القوى المالية ولا نرى أي علامات العنف.
نعم أمريكا تملك قوى عسكرية ضخمة بالمقارنة مع روسيا والتي تصرف 35 بليون دولار مقارنة بـ700 بليون مصاريف البنتاجون الأمريكي.. الصين تملك 20 رأساً نووياً موجهاً إلى أمريكا وأمريكا تملك 830 صاروخاً موجهاً إلى الصين.
بالرغم من أن حرب العراق خلفت مليون قتيل وخمسة ملايين لاجئ ولكن دول الجوار تتمتع بازدهار اقتصادي وهم مشغولون بتطوير اقتصاداتهم ومجتمعاتهم.. إن أغلب البنوك المركزية في العالم تتبع سياسة نقدية جيدة..
عدد الفقراء الذي يعيشون على دخل أقل من دولار واحد في اليوم تناقص من 40% عام 1981 إلى 18% عام 2004. نسبة الفقر في العالم بدأت في التناقص.
الاقتصاد العالمي ازداد إلى الضعف خلال الـ15 سنة الماضية وهو يقترب من 54 تريليوناً، التجارة العالمية زادت بنسبة 133% خلال نفس الفترة، التوسع في التجارة العالمية زاد من عدة دول وليس من دول محدودة فقط.
عاصفة العولمة سوف تغطي على الحروب والعمليات الإرهابية من نتائج العولمة.إن بعض الدول قليلة السكان أصبحت من أغنى دول في العالم.. الدنمارك 5.5 ملايين وهولندا 6.6 ملايين والولايات المتحدة.
الدول كثيفة السكان مثل الصين والهند والبرازيل ما تزال دولاً فقيرة ولكن سوف تتطور هذه المجتمعات وتكون مجتمعات غنية.
في الماضي تتحكم الولايات المتحدة والغرب بوسائل الإعلام كافة ويتم التغطية والتركيز على ما يخدم مصالحهم وذلك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومثال على ذلك وسائل الإعلام المرئية مثلاً نيويورك تايمز، تايمز، نيوزويك، بي.بي.سي، وسي.إن.إن، ولكن الآن العالم بدأ يملك وسائله الخاصة مثل الجزيرة، نيودلهي، وآلاف المحطات والوسائل الأخرى بالإضافة إلى الملايين من مواقع الإنترنت التي تقدم المعلومات لشعوبها. فلا يمكن للمسؤولين في الولايات المتحدة أو الغرب اتهام الآخرين بالازدواجية أو الفساد هذه الشعوب سوف تكون لديها المعلومات الدقيقة لتمكنها من الإجابة وتعطي القوة إلى الأفراد كل حسب اختصاصه واهتمامه.
العالم تغير ولا يمكن أن يتم اجتماع ” ألجي 8″ الاقتصادي بدون وجود الصين والبرازيل والهند. هذه الدول هي أسرع تطوراً وتقدماً في العالم وهي تشارك بحصة كبيرة من التجارة العالمية.
غالبا أوروبي الجنسية يرأس صندوق النقد الدولي وأمريكي الجنسية يرأس البنك الدولي كل هذا يجب أن يتغير.
نشر في جريدة الوطن الثلاثاء الموافق 1 يوليو 2008م العدد (2832)
