محاكمة الفرعون… دروس وعبر

Posted

in

by

محاكمة الفرعون… دروس وعبر

  تركي فيصل الرشيد

محاكمة مبارك أكدت أن التاريخ لا يرحم والعبرة منها هي حتميّة انتصار الشعوب في نضالها في سبيل الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطيّة، ولو طال هذا النضال أو تأخر أو مر بصعوبات كبيرة وتضحيات

 

أثارت مشاهدة أول رئيس عربي خلف قضبان قفص الاتهام ومحاكمته من قبل الشعب في أعقاب ثورة شعبية ملهمة بعد حكم دام ثلاثة عقود ردود أفعال متنوعة، إذ إن كثيراً من المتابعين لم يؤمنوا أو يتصوروا أن يعيشوا ليروا هذا اليوم.

 وهذه حقيقة، ومع كثيرين منهم الحق في تشكُّكهم وعدم تصديقهم، فلقد كان البعض يرى في المطالبات بالمحاكمة دربا من الجنون، خصوصاً في مصر التي لم تسمع في تاريخها من بعد محمد نجيب عن رئيس سابق أو يُساءل عما يفعل، فما بالنا بمحاكمة رئيس لم يعرف إلا التأليه والسلطات والصلاحيات المطلقة؟

 ولكنها الإرادة الشعبية التي أثبتت أنها إن اتحدت على أمر ولم تساوم عليه كان لها تحقيقه مهما كانت التحديات أو الصعاب، وعلى كلٍّ فدخول مبارك لقفص الاتهام حدث فريد في بابه وسيشكل فيما أظن تحولا كبيرا في المشهد السياسي المصري وعلامة فارقة في تاريخ مصر بل والعالم العربي وسيلقي بظلاله على الأحداث الجارية حاليا في اليمن وسوريا وليبيا وغيرها من بلدان تخشى أن تتصاعد لديها الأحداث على نحو مفاجئ.

 ومرجع الذهول الذي أصاب الكثيرين من المحاكمة يرجع بكل أسف إلى أن تجربة العالم العربي الحديثة نوعاً ما في الحكم مع اختــلاف الثقافات وتنوعها لم تمكنهم وتؤهلهم لرؤية رئيس يحاكم ويكون في القفص خاصة الشعب المصري فهذه أول مرة في تاريخهم التي يرون فيها فرعوناً أسيراً في قفص الاتهام، لذا تنوعت الردود واختلفت ولكنها كانت بين أكثرية عظمى مؤيدة للمحاكمة وقلة ضيئلة ترفضها، فها هي ثورة شعبية ناجحة تقدم حاكما ظالما فاسدا إلى المحاكمة، حكم ثلاثة عقود كانت الأذل والأسوأ في تاريخ مصر والبلدان العربية جميعاً، مبارك الذي لم يرغب بدخول التاريخ ولا الجغرافيا (عندما نصحه الراحل د. محمد السيد سعيد بإجراء إصلاح ديمقراطي ودخول التاريخ من باب كسب الديمقراطية، وقتها رد مبارك على سعيد بلفظة نابية، وأضاف: لا أريد دخول الجغرافيا ولا التاريخ) أنزل الأمن الوطني المصري و الأمن القومي العربي إلى مدرج الذل والقماءة والإفلاس.

 ثلاثة عقود حوّل فيها مبارك الجامعة العربية إلى جسر لتمرير القرارات والسياسات التي تتناغم مع التطلعات الأمريكية والإسرائيلية، ولعب شخصيا دورا مشهودا لتأمين غطاء عربي لتدمير العراق، مثلما كان كذلك أيام العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان وحصار غزة.

 من جهة أخرى، من بين كل الحكام العرب، فان مبارك بالذات ـ الذي لا بد أنه لم يكن من أكثرهم وحشية ـ هو الذي يقدم إلى المحاكمة، بينما بشار الأسد ومعمر القذافي وعلي عبد الله صالح لا يزال يقتلون وينكلون بمواطنيهم، كلهم، بأشكال مختلفة، أبطال القمع الوحشي وعدم احترام الحد الأدنى لحقوق الإنسان الأساسية.

 لقد لخص رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي الدكتور أحمد عكاشة، شخصية مبارك بعد ظهوره في المحكمة بقوله “نظراته كانت حادة، وانفعالات حركاته جامدة، وكأنه مغيب وغير مصدق لما يحدث، ولديه حالة من الاكتئاب الشديد، ويتطلع للسقف ونظراته للآخرين غريبة” وأن مشاعر الهزيمة سيطرت عليه أكثر من مشاعر الحزن أو الاكتئاب. وقال “أداؤه يشبه أداء شخص خسر معركة كبيرة، وهو ما ضغط على أعصابه بشكل كبير، وجعله يبدو في حالة عجز وضعف، وتلك الحالة ربما تكون الدافع النفسي لإنكاره المستمر لكافة الاتهامات بجانب الدافع القانوني في المحاكمة، وبدا وكأن المفاجأة تسيطر على حالته بشكل كامل، وذلك هو سبب حالة الذهول التي يعيشها مبارك الآن.

 وأشار عكاشة إلى أن “مبارك” يعاني شروداً وغياباً عن الوعي بعض الشيء، وهذا كان واضحا عندما كان يميل عليه ابناه ليُسمعاه ما يدور في الجلسة، حيث ينظر للموجودين كأنه هو من يتفرج عليهم وليس العكس، وكان حزينا لكنه لم ينكسر وهذا يوضح قوة شخصية مبارك.

 عند رؤيتي لمشهد المحاكمة تذكرتُ مسرحية محاكمة الرئيس الراحل صدام حسين رحمه الله – مع خلافنا السياسي معه – التي أعدها الاحتلال الأمريكي عندما وقف في القفص الأمريكي خطيبا ليؤدب المحكمة ويطالب القاضي العراقي المزيف برفع رأسه والتحدث بصوت مرتفع لأنه عراقي. ويكفي صدام شرفا أنه حوكم وجلس في القفص سيدا وأعطى درسا بهزيمة الأعداء حتى وهو على حبل المشنقة.

 أما من تحسروا على مبارك فهم أصدقاؤه الإسرائيليون لخدماته العظيمة واعتباره كنزا استراتيجيا لدولة إسرائيل، لذا تم إطلاق الدعوات لإطلاق اسم مبارك على أحد ميادين تل أبيب.

وبالنسبة للقلة من المصريين التي بكت على محاكمة مبارك فهي بين مغرر بهم وبين منتفعين من النظام السابق وهذه لا تعنينا فهي تعني نفسها وتدافع عن مصالحها وليس عن مبارك أما المغرر بهم فيجب أن يتذكروا من توسلوا وبكوا من إخوانهم وجيرانهم أو على الأقل مصريين مثلهم دون أن يرحمهم أحد عند إزهاق حياتهم بعد تعذيبهم والتنكيل بهم على أيدي رجال مبارك دونما سبب لذلك أو حتى إتاحة فرصة المحاكمة النزيهة لهم كما يُفعل مع مبارك الآن.

إن محاكمة مبارك أكدت بأن التاريخ لا يرحم والعبرة منها هي حتميّة انتصار الشعوب في نضالها في سبيل الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطيّة، ولو طال هذا النضال أو تأخر أو مر بصعوبات كبيرة وتضحيات.

 فمطالب الشعوب بالعيش الكريم هي مطالب مستحقة وبديهيّة وهي عاجلاً أم آجلاً تنجح وتحقق أهدافها، لأن ما من أحد يستطيع إنكارها.

 لذلك، فإن الخطر الأكبر على أي حاكم مطلق لا يرتكز نظامه على تداول السلطة والانتخابات الشعبيّة وحريّة التعبير عن الرأي والوقوع في الأسر الفكري الذي تجسّده نظريّة المؤامرة، هو أن يترك البلاد أمام تداعيات خطيرة سياسياً وأمنياً واقتصاديا، خصوصا في منطقتنا فالشرق الأوسط قنبلة موقوتة اجتماعيا واقتصاديا ودينيا، وبكل أسف كثير من الأنظمة العربية لا تؤدي مهامها، ويظهر بوضوح في الدول العربية الغياب التام للصلة والالتزام بين الحكام ورعاياهم، وتعاني المنطقة من قلة الزعماء ذوي الرؤية والقدرة على القيادة.

 وعموما وفيما يخص الحالة المصرية فإنني أعتقد جازما أن الثورة المصرية نجحت في اجتياز خطوة مهمة نحو نظام ديمقراطي سليم عبر هذه المحاكمة المدنية ونيل المتهم لحقوقه كاملة وعدم التشفي أو ظهور النزعة الانتقامة، وبما أنه لا يوجد في عالمنا حوادث مشابهة فعليه سوف نتساءل كيف تعاملت وأسقطت الثورات الشعبية الأنظمة الشيوعية في شرقي أوروبا؟ وكيف تعاطت الأنظمة الديمقراطية الجديدة هناك مع الحكام السابقين؟ والحقيقة أنه ببعض التأمل يتبين أن أحد إنجازات هذه الثورات أنه باستثناء رومانيا لم تكن هذه الأنظمة انتقامية ولم تتخذ طريق المحاكمات التظاهرية أو الإعدامات للحكام السابقين. والشذوذ الروماني بالذات ينسجم مع حقيقة أن النظام ما بعد الشيوعي في رومانيا ليس أكثرها صلاحاً فيما يتعلق بالديمقراطية أو انعدام الفساد.

 لا ريب أن انعدام الانتقامية في شرقي أوروبا سهّل انتقال النظام الديمقراطي بل ومنح الأنظمة الجديدة شرعية، مع التشديد على الفارق بين الفكرة الديمقراطية التي لا تحتاج إلى أداة حادة ووحشية فيما يتعلق بالمحاكمات السياسية، وبين الأنظمة الشمولية التي كانت المحاكمات التظاهرية السياسية من أبرز خصالها غير الرحيمة, إذ إن النزعة الانتقامية القضائية ليست بديلا عن الإصلاحات الديمقراطية والاجتماعية الحقيقية.

 أخيرا

 مجرد مشاهدة مبارك وقيادات حكمه في قفص المحكمة هو إدانة لنهج ساد عربيا لمدة ثلاثة عقود، وبالتالي فهو إدانة لحكام وقادة عرب آخرين كما انه كان مشهداً سبّب الحزن العميق لقادة إسرائيل, حيث صرح وزير الأمن إيهود باراك، بالقول إنّ إسرائيل ستحتاج إلى مساعدة أمنية إضافية من الولايات المتحدة، بمبلغ نحو 20 مليار دولار، في ضوء الواقع الجديد في الشرق الأوسط. كما صرح فاركش رئيس الاستخبارات الأسبق بقوله إنّ إسرائيل عالقة في تفكير تميزت به قبل عشرين سنة، وكأّن كل مشاكلها يمكن أن تُحّل بمزيد من الدبابات وبسلاح جو قوي، لافتًا إلى أنّ قسمًا مهمًا من المشاكل اليوم مختلف ويرتبط بعزلة الدولة العبريّة الدبلوماسية في العالم، بحملة نزع الشرعية وانعدام الفعل السياسي للحكومة.

 ختاما

 لا بد وأن تكون محاكمة مبارك محاكمة عادلة وشفافة في الاتهامات التي وجهت إليه بالفساد وقتل 850 من المدنيين المتظاهرين خلال الثورة التي أطاحت به وأن تأخذ مجراها الطبيعي وإن كانت هناك أدلة موجودة لإدانته يجب أن تقوم المحكمة بالحصول عليها وعرضها للرأي العام بما يؤكد مسؤوليته الشخصية عنها.

 كما يجب احترام الإجراءات القانونية والعدالة التي طالب بها من ثاروا ضده وأن تكون فاتحةً لمحاكمة حقبةٍ بأكملها بكل أفكارها وقراراتها.

 إن محاكمة مبارك هي تعبير ساطع عن مصر الجديدة الحضارية التي استطاعت أن تحاكم رئيسها السابق ولم تخضع لأي ضغوط خارجية معبرة عن امتعاضها من المحاكمة. كما ترسي المحاكمة سابقة مصرية وعربية أيضا، وهي أن أي حاكم مهما طال أمد حكمه لن يفلت من أفعاله التي يجب أن يحاسبه الشعب عليها، هل أضرت بالناس أم نفعتهم؟ ومن أجل أن ترسخ مثل تلك المبادئ وتشع بنورها فإن من الضروري أن تسير المحاكمة بشكل شفاف ونظيف وتأتي أحكامها عادلة وناجزة.

هنيئا للشعب المصري فقد ولج التاريخ بجدارة وسوف تتأثر به كثيرا بقية الشعوب العربية.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *