مصر… التحديات وفرص ما بعد الثورة
بقلم تركي فيصل الرشيد
بكل أسف المشاكل الاقتصادية بمصر ليست عائدة فقط إلى انهيار السياحة وعودة العمال من ليبيا أو الانفلات الأمني بل أسبابها سياسات اقتصادية فاشلة خلال العقود الماضية وسعي أطراف عدة إلى استمرار الوضع على ما هو عليه
عندما يتعرض إنسان أو عائلته لكارثة فإنه يتوجب عليه أن يتدبر أمره وأن يحافظ على حياته وحياة أسرته بحمايتها من المخاطر بكافة أشكالها لمدة تقل أو تزيد وفقا لحجم الكارثة وكفاءة عملية الإنقاذ.
إن كان هذا الحال مع الأفراد والأسر فما بالنا عندما يتعلق الأمر بأوطان وشعوب؟ فما يحدث داخل وطننا العربي يجبر المرء على أن يتابع بقلق بالغ ما تجتاحه من أحداث أعتقد جازماً أنها ستغير كثيرا من واقع بلادنا العربية.
ولكنني مع تعاطفي مع القضايا العربية والأحداث الدائرة في عدد من أقطار وطننا العربي أجدني منجذباً وبشدة لمتابعة كل ما يحدث بمصر ويدور في كواليسها فلا شك أن لمصر مكانة مختلفة، خاصةً بين أفراد جيلي ممن عاصروا حلم القومية العربية وجذبتهم جذبة شديدة قبل أن تطرحهم أرضاً على واقع مرير لم يتوقعوه.
وما يثير القلق في نظري ما تبدو ملامحه من انحراف الثورة عن أهدافها، إذ بدأت تلوح في الأفق ملامح فقدان الثوار للثقة في الحكومة والمجلس العسكري، ولعل شعار الثورة أولاً أو مصر أولاً للمليونية المصرية يوم الجمعة الماضية يعبر عن اكتشاف الشعب المصري أن النظام يطبق إستراتيجية الإلهاء بالتركيز على نقاشات عديمة الفائدة مثل الإبقاء على التوقيت الصيفي أو إلغائه، القائمة النسبية أم الانتخابات الفردية، نقل تمثال رمسيس، نقل محطة قطار رمسيس، الانتخابات الرئاسية أولاً أم البرلمانية أم الدستور قبل الاثنتين.
إن أرض مصر مرت خلال العقود الماضية بكوارث ومحن عدة، لعل الحروب المتوالية خلال القرن الماضي أهونها شراً, حيث الدسائس والمكائد المحلية والإقليمية والعالمية التي تم وضعها أمام الشعب المصري في اعتقادي كانت أعظم شراً، بمؤامرات تلح في اتجاه وحيد عبر تجويع الشعب المصري ووضعه تحت ضغط مستمر لا يستطيع معه فكاكا، وكمثال على ذلك الحرص البادي من أطراف عدة على عدم اكتفاء مصر من القمح وعدم تحصيل غذائها والتحريض المستمر من جهات عدة حتى تسهل السيطرة على جموع الشعب، وهو ما اتضح جليا في عهد السادات ومبارك والتنفيذ الدقيق لهذه الحكمة بتوفير الغذاء بكميات محدودة لسهولة التحكم والسيطرة على الشارع المصري، فالغذاء هو إحدى الأدوات الفعالة لتطبيق إستراتيجية الإلهاء، وبلغ الأمر أشده في السنوات الأخيرة من حكم مبارك حيث تُوفّي مصريون في اقتتالهم على شراء الخبز.
وأذكر في هذا الصدد أنني قبل فترة ذهبت ضمن وفد رسمي يضم كبار المستثمرين الحقيقيين من السعودية للاستثمار الزراعي في مصر، وباءت محاولتنا بالفشل, كما فشل مشروع زراعة القمح في شمال السودان بتمويل ليبي خوفا ومحافظة على المصالح الأمريكية حسب تصريح يوسف والي في أواسط الثمانينيات.
من جانب آخر، تفيد التقارير الصادرة عن مصر في الوقت الراهن بأن الاقتصاد المصري يتدهور بوتيرة متسارعة، كما أن مخازن الغذاء بدأت بالنفاد سريعا، حيث لم يعد هناك مخزون كافٍ من الأرز والسمن والدقيق والذرة وغيرها من المنتجات الحيوية ورمضان على الأبواب، ورافق هذا تدني السياحة والاستثمارات واستشراء البطالة وشبه فشل في شطب الديون المستحقة لجهات خارجية عدة على رأسها الولايات المتحدة وفشل مماثل أو شبه فشل في الحصول على قروض أو إعانات ولم يخرج الأمر في كثير من الأحيان عن الوعود.
أما الإستراتيجية الأمريكية من الثورة المصرية فهي قائمة على أساس البدء في اتخاذ خطوات تجاه بناء دولة ومجتمع ومؤسسات ديمقراطية وإظهار دعمها وتوافقها مع الثورة قلبا وقالبا، حيث تحاول الولايات المتحدة من جهة دعم بناء الديمقراطية الناشئة فيها، ومن جهة أخرى المحافظة على نفوذها التقليدي هناك، إلا أن أهم ما يميز أهداف واشنطن هو احتواء هذه النظم الديمقراطية الوليدة وعدم السماح بتغيير كبير في السياسات والاكتفاء بتغيير بعض رموز نظم الحكم. وتتناسى أن الثورة فاجأت العالم، وكذلك أقوال وتصريحات أوباما وهيلاري كلينتون المؤيدة لحسني مبارك, وعدم دعمهما الثورة إلا بعد أن فقد مبارك السيطرة التامة.
بكل أسف المشاكل الاقتصادية بمصر ليست عائدة فقط إلى انهيار السياحة وعودة العمال من ليبيا أو الانفلات الأمني بل أسبابها سياسات اقتصادية فاشلة خلال العقود الماضية، وفأقم الأمر اعتقاد البعض أن الأمل الوحيد يمكن أن يأتي من الأسرة الدولية، حيث يتوهم البعض الحصول على مشروع مشابه لمشروع مارشال عاجل لترميم الاقتصاد المصري، ولعلي أتذكر أغنية أم كلثوم “قل للزمان ارجع يا زمان”.
يجب أن يدرك الجميع أن هناك عددا من المبادئ تقوم عليها الثورة المصرية بل ربيع الشعوب العربية أولها جموع من الشباب والطبقة الوسطى ممن يتعرض لخطاب حقوق الإنسان عبر الانترنت، ثانيا الفجوة الكبيرة والمتسعة بين الأنظمة وشعوبها، ثالثا الوضع الاقتصادي الخطير، رابعا انعدام الأمل في المنظور القريب، خامسا القدرة على التجنيد السهل للجماهير للمظاهرات في الميدان من خلال الشبكات الاجتماعية، أخيرا تشقق هيبة النظام والحكم.
ولا ننسى المشكلات الاقتصادية المنعكسة مباشرة على قطاعات مختلفة من المجتمع، إذ يوجد في العالم العربي 100 مليون شاب بين أعمار 15 حتى 29، كتلة هائلة، قسم كبير جدا منهم عاطلون عن العمل، وكثير بلغ سن الثلاثين، ولم يجد عملا ولم يتمكن من الزواج وأهم المعوقات هي السكن، فغالبا يسكنون مع أسرهم مع إحباط يتعاظم وعدم وجود أي بوادر للتفاؤل.
لقد تناسى النظام الحاكم أن شباب الحاضر يختلف عن شباب الماضي من حيث التطلعات والإمكانيات برغم أن غالبية المجتمع المصري والمجتمعات العربية كانت لا تجهل الأسباب المباشرة والفعلية لأوضاعها المتردّية ولكن كانت أفواهها مكممة, كان البعض يتلفّظ ببعض العناوين أو المواضيع, لأسباب عدة لعل أهمها وجود سلطات أمنية حاكمة ومسيطرة سيطرة مطلقة. شباب اليوم مطلع ومتفاعل مع ما يجري من حوله بسبب الإمكانيات الإعلامية وأجهزة الاتصال العالمية التي مكنته أن يكون مشاركاً وفعالاً, تلك الإمكانيات مكنته من مقارنة أحواله مع أحوال الأمم الأخرى وكيف تقدمت شعوب كثيرة خلال العقود الماضية وكيف تخلفت عن الركب شعوبنا بكل أسف.
شباب اليوم شباب يعرف ما يدور حوله في أنحاء العالم, كما يعرف البدائل الممكنة, يطالب بحقوقه ويملك الوعي السياسي والثقافي.
لا أريد أن تفقد الثورة المصرية أروع ما اكتسبته من أنها حطمت احتكار الدولة للسياسة كمؤسسة مشرِّعة وحافظة لنظام المواطنة، مالكة ومملوكة بالمشاركة بين جماعات الرأي المختلفة، حتى المتعارضة فيما بينها. فقد ولى زمن الزعامات لكي يحل محلها حكم المؤسسات التي تمثل شرائح الأمة, سوف يتم عقد الكثير من الاجتماعات في الشوارع والساحات والعالم الافتراضي بين الجماهير المغمورة لكي تشارك في طريقة حياتها، ويكون موظف القطاع العام أجيرا خادما لدى الأمة ينتهي دوره عند انتهاء مهمته.
أخيرا
البعض يريد لمصر أن يكون لها نظام مسيطر ممسك بجميع مفاصل الحياة، لكن هذا هو من قبيل الأحلام للبعض، فقد كشفت الثورة عن أن السلطة القائمة وقتها كانت مجرد مصلحة فئوية لشريحة صغيرة من المجتمع وهذا عكس الطبيعة لأبسط معاني المشاركة العادلة لمختلف فئات المجتمع.
ولذا يجب ألا يتوقع الشعب المصري أن القوى المحلية أو الإقليمية أو العالمية ترغب في أن تتحسن أوضاعه بل المرجو هو المحافظة على أن يكون الرأس فقط وبمسافة ضيقة فوق سطح الماء بحيث لا يغرق ولكن ليس بمسافة مريحة تعطيه حرية الحركة.
الخلاصة
الدولة التي تحمل طموحات يتحتم عليها عمل تخطيط استراتيجي يستند إلى رؤية طويلة المدى، ولعل شعار مصر أكبر دولة ديمقراطية في الشرق الأوسط الذي يمتاز بالبساطة والوضوح والقوة يحقق الرغبة في التغيير الحقيقى، حيث يحلم البعض بتحقيق أهداف نبيلة، تتمثل في مصر ديمقراطية أكثر رخاء وأكثر احتراما لحقوق الإنسان، وأكثر مساواة بين كل مواطنيها، ولن يتحقق ذلك بمساعدة الآخرين بل يتحقق بمساعدة المصريين أنفسهم أولا وأخيرا.

Leave a Reply