الجسر السعودي المصري

Posted

in

by

الجسر السعودي المصري

بقلم تركي فيصل الرشيد

ربط الخليج بمصر عبر هذا الجسر سيكون ربطا لقارتين وليس دولتين، وسيضاعف الفرص الاستثمارية وحركة رءوس الأموال واستغلال الثروات العربية وقد يقضي نهائيا على الأهمية الإستراتيجية لميناء إيلات الإسرائيلي

 

هناك مشروعات على المستوى العربي تكون بالغة الأهمية، ولا أبالغ إذا قلت مشاريع إستراتيجية من شأنها تغيير الكثير على أرض الواقع إذا تم تنفيذها.

 من هذه المشاريع مشروع الجسر السعودي المصري الذي حال تشييده سيربط بين رأس حميد في منطقة تبوك شمال السعودية ومنتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر عبر جزيرة تيران، محققاً الربط البرى المباشر لأول مرة فى العصر الحديث من بلاد العرب على المحيط الاطلنطى حتى الخليج العربى مرورا بدول شمال افريقيا ووصولا إلى بلاد الشام.

 ويُرجعنا الحديث في هذا الأمر إلى ما تم إعلانه قبل سنوات عدة، إذ نُشر خبر صغير في طرف الصفحة الأولى من صحيفة الأهرام المصرية ذكر أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز سيضع حجر الأساس لجسر بري سعودي مصري، دون أن يضم الخبر معه الرئيس مبارك، وبالطبع لم يتم الاحتفاء بالخبر بشكل رئيسي عن إنشاء هذا الجسر الذي سيربط بين مصر والسعودية بطول 50 كيلومترا وبعرض 100 متر ويشمل جانبين كل جانب 44 مترا وفى المنتصف 3 خطوط سكك حديدية بعرض 12 مترا، وحُدد وقتها توقيت الانتهاء من إنشائه بـ 3 سنوات.

 والغريب أن يتم الصمت بعد ذلك عن مثل هذا المشروع على رغم ما لهذا الجسر من أهمية إستراتيجية بالغة، إذ سيسهل الكثير من العقبات أمام المسافرين، فضلاً عن زيادة الحركة التجارية بين البلدين، كما سيحقق إنشاء هذا الجسر الاتصال البري بين القطاعين الشرقي والغربي للعالم العربي، ولعل الأهم هو أن هذا الجسر سيشجع الخليجيين والسعوديين خاصة على إقامة صناعات مختلفة في مصر وتكون بوضع مشابه للبحرين.

 وللمشروع عموما جدوى اقتصادية كبيرة، سواء لمصر أو السعودية، خاصة أن الجسر سيختصر المسافة بين البلدين إلى 23 كلم يستغرق عبورها نحو 20 دقيقة فقط، وسيخدم ملايين المصريين والعرب والأفارقة الذين يتوجهون للسعودية بغرض الحج أو العمرة أو العاملين بمنطقة الخليج، كما أن دراسات الجدوى التى أجريت للمشروع بواسطة العديد من المكاتب الاستشارية منها 6 مكاتب استشارية دولية أكدت انه يمكن استرداد تكلفة المشروع خلال من 8 إلى 10 سنوات على الأكثر، خاصة أنه يمكن نقل البترول السعودى عبر مواسير تمتد مع هذا الجسر، فضلا عن اختصار الوقت والجهد فيمكن للمسافر من القاهرة أن يصل إلى المدينة المنورة أو العكس فى وقت يقترب من 11 ساعة.

 كان من المفترض في حينها أن يتم تمويل المشروع عبر تحالف من مستثمرين تقوده كل من شركة الخرافي الكويتية وسعودي أوجيه وبن لادن بمشاركة شركات مصرية أبرزها المقاولون العرب، وسيكون الجسر من الجسور القابلة للقفل والفتح ومزوداً بمحركات لرفع جزء من الجسر وإيقاف حركة المرور فيه لفتح الخليج للملاحة لدقائق، وكانت صحيفة الأهرام المصرية في تاريخ 6-5-2007 قد أشارت إلى أن الملك عبد الله بن عبد العزيز سيضع حجر الأساس للجسر خلال زيارته للمنطقة الشمالية وقد أوكلت أعمال الإنشاءات إلى كونسورسيوم يضم شركات سعودية ومصرية ودولية، بتكلفة إجمالية تصل إلى 3 مليارات دولار.

 تجربة الجسر السعودي المصري تشبه إلى حد كبير تجربة جسر الملك فهد الذي بدأ العمل فيه سنة 1982م بتكلفة بلغت نحو 3 مليار ريال سعودي رابطاً السعودية بالبحرين، إلا أن الجسر السعودي المصري سيبدو مختلفاً بعض الشيء كونه يربط قارتين ببعضهما البعض، ويتوقع أن يختصر الجسر المسافات والزمن ويفسح المجال لكثير من الاتفاقيات والتعاون التجاري بين البلدين، إلى جانب وقفه نزيف الدم على طريق الحج البري بين مصر والسعودية، إضافة إلى تأمينه راحة أكبر لعشرات الآلاف من الحجاج والمعتمرين، خاصة في اختصار الوقت الذي تستغرقه الرحلة حاليا، كما يتوقع أن يسهم الجسر في الحد من استخدام العبارات وهو ما سيقلل من المخاطر التي يتعرض لها العمالة المصرية أو السياح المتنقلون بين البلدين.

 ورغم الأهمية الكبيرة لهذا المشروع إلا أنه واجه الكثير من العراقيل والصعوبات وعدم الاهتمام من المسئولين ما أدى إلى عدم تنفيذه، وعلى رأسها الإعلان رسميا من الرئيس السابق حسني مبارك عن رفض هذا المشروع، فتم وأد هذا المشروع قبل أن يولد، حيث صرح الرئيس السابق حسني مبارك بأن ما أثير عن قرب وضع حجر الأساس لمشروع جسر بري لربط مصر بالسعودية مجرد إشاعة، وأنه لن يسمح به لكونه يهدد أمن مصر، إذ من شأن الجسر الإضرار بالسياحة والهدوء والأمن في مدينة شرم الشيخ، ونوه إلى أن اختراق الجسر لمدينة شرم الشيخ معناه إلحاق الضرر بالعديد من الفنادق والمنشآت السياحية وإفساد الحياة الهادئة والآمنة هناك، وهو ما سيدفع السياح إلى الهروب منها.

 ولكن الخوف على شرم الشيخ كونها منطقة سياحية قد لا يكون السبب الوحيد ولعله المعلن فقط للرفض المصري لإقامة الجسر، فربما يرجع السبب أيضا لمرور الجسر بمنطقة تعد المنفذ الوحيد لإسرائيل على البحر الأحمر، أو ربما يكون هناك دور في الرفض لبعض شركات الملاحة الدولية التي يضر الجسر بمصالحها، إذ يرى مراقبون أن الغموض يكتنف الموضوع، خاصة بعد التجاهل الإعلامي والصمت الرسمي على تصريحات الرئيس السابق، سواء كان الأمر إشاعة أم حقيقة ، كما أن الصحف لم تنشر حتى الخبر، علما ان اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية تنص على وجوب وضع قوة للمراقبة تسيطر عليها قوات المراقبة المتعددة الجنسيات؛ للتأكد من امتثال مصر وإسرائيل للأحكام الأمنية الواردة في اتفاقية السلام بينهم والمتعلقة بفتح خليج تيران، كما صرحت مصادر إسرائيلية بأن نتائج إقامة الجسر ستكون مخيفة على أمن إسرائيل، إضافة إلى التقليل من الأهمية الاقتصادية لميناء إيلات الإسرائيلي على خليج العقبة في نقل النفط، وأشارت إلى أن شبكة الأنابيب النفطية التي ستقام تحت الجسر الجديد ستكون بديلا متميزا للعديد من الدول، وبهذا فالجسر سيحول شرم الشيخ إلى نقطة اتصال بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وسوف تقلل من أهمية دور ميناء إيلات، الذي يفصل جغرافياً بين المشرق والمغرب العربي منذ إنشاء إسرائيل عام 1948.

 الخلاصة

 إن ربط الخليج بمصر عبر هذا الجسر سوف يربط قارتين وليس فقط دولتين وسيضاعف الفرص الاستثمارية وحركة رءوس الأموال واستغلال الثروات، حيث أكد تقرير الثروات العالمي السنوي الـ15 الصادر عن «ميريل لينش» لإدارة الثروات العالمية أن منطقة الشرق الأوسط شهدت واحدة من أعلى معدلات النمو بعد أفريقيا، وارتفع عدد أثرياء المنطقة بنسبة 10.4 في المائة إلى 440 ألف ثري، كما ارتفعت ثرواتهم الإجمالية بنسبة 12.5 في المائة لتصل إلى 1.7 تريليون دولار.

 ختاما

 الاستثمار في بناء البنية التحتية ضرورة شريطة أن يكون يدار بقيادة نظيفة تخضع الى الرقابة الحقيقية والصارمة المتميزة بالشفافية لبناء التواصل الخليجي، ولكن يجب ان يعي الشعب والحكومة وجوب الاعتماد على مقوماتها فقط وتطوير مواردها ومراكز قوتها ولا تتوقع العون من القوى العالمية، فكثير من قيادات تلك القوى ترغب بمصر أن تكون ضعيفة فقيرة تقودها حكومة فاسدة لا تساعد على الاستثمار في تأمين غذائها.

 وعندما تكون مصر قوية فسوف تندفع الشعوب والقيادات لمساعدتها فلا نستعجل الخطوات, الأفراد والمجتمع والدول تحاول في بعض الأحيان أن تتجاوز مراحل النمو والتطور وتحاول أخذ الطرق السريعة بالقفز على الحواجز باستعمال عصا طويلة وغالبا ما تكون النتيجة مدمرة أو مكلفة وفي أبسط الحالات خاسرة.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *