آمال الشعوب والاصطدام بمصالح القوى النافذة
بقلم تركي فيصل الرشيد
سر الأزمة الوطنية و أصل المعاناة في تلك الدول الثائرة هو أدوات ورموز نافذة.. تلك الأدوات التي تمارس لعبة ملكيون وحكام أكثر من الملك والحاكم بل تزايد على الجميع في قمع الحريات باسم الحفاظ على النظام
ما يحدث في سوريا وليبيا واليمن يدمي القلوب ويفتت الأكباد، والسؤال: هل هو ذنب هذه الشعوب التي اشتاقت إلى حريتها وأن تعيش مرفوعة الرأس وأن هذا الوطن وطنها فقررت أن تسترده أم ذنب حكامها الذين أعماهم سلطانهم عن رؤية دورهم الحقيقي في توفير ذلك لمواطنيهم؟
منذ بدأت الهزة في عدد من الدول العربية المختلفة والتي اندلعت أحداثها بتونس في 18 ديسمبر 2010 تضامنًا مع الشاب محمد البوعزيزي الذي أضرم النار في جسده في 17 ديسمبر 2010 تعبيرًا عن غضبه على بطالته ومصادرة العربة التي يبيع عليها ومن ثم قيام شرطية بصفعه أمام الملأ وقالت له “ارحل” إلا وأصبحت تلك الكلمة شعار الثورة لرحيل الرئيس وبداية مخاض الربيع العربي.
وأغلب الظن أن موجة الربيع العربي لا تزال في بدايتها، إذ لم يتوقع أحد اندلاع هذه المواجهات الواسعة ومن المتوقع أن تستمر المفاجآت في المستقبل أيضا.
لقد قام حكام تلك البلاد المقهورة باستعمال جميع الأساليب القانونية والقذرة والدموية لمواجهة بلدانهم ومواطنيهم وتحجيم ثورتهم بعد اندلاعها أو حرف مسارها، وربما حققت بعض الإنجازات في هذا الجانب، وفي بعض الحالات استطاعت تحويل الثورات إلى حروب أهلية، ومع ذلك تشعر هذه القوى بأن الزخم الثوري لا يزال أقوى من كافة تلك الوسائل.
والمتأمل لحالات هؤلاء الحكام يدرك أن الحوار لا يُطرح في البداية بل عندما يتضح أن الثورة جادة في إسقاط النظام، الأمر الذي يؤكد أن من يطرحه ليس جادا في التخلي عن سلطاته وصلاحياته، وأنه يسعى لتحجيم التغييرات السياسية إلى الحد الأدنى الذي يضمن له السيطرة المطلقة مع شيء من التعديلات الشكلية التي قد توهم البعض بحدوث الإصلاح.
لقد انتهى عصر استقرار تلك الأنظمة ذات الحكم المطلق، والتي قادتها أنظمة ثلاثة كانت العامود الفقري لاستقرار الشرق الأوسط العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين هي مصر السادات ومبارك، سورية الأسد (الأب والابن) بمساعدة حزب البعث، وعراق صدام حسين الذي سقط بعد الاجتياح الأمريكي في 2003، بالإضافة إلى نظام القذافي الذي بقي في الحكم ثلاثة عقود ونظام علي صالح في اليمن وإن لم يكن لهما تأثير كبير على العالم العربي.
بعض قادة الدول العربية تحاول أن تصمد أمام التغيرات مثل ملك الأردن الذي يصدر البيانات المتعاقبة للإصلاح والمقترحات في مستوى الإصلاح السياسي وأن بإمكان القوى الفاعلة في المجتمع الحصول على البرلمان والحكومة بشرط التوافق على آليات إدارة وحكم عصرية وعادلة، وذلك يعني أن مؤسسة القصر تبدو مستعدة للتخلي عن بعض الصلاحيات مثل تشكيل الحكومة واختيارها ومستعدة لتفعيل مبدأ برلمان حر ضمن نظام برلماني حقيقي وعملية سياسية مستقرة إذا توافق المعنيون على مبادئ جديدة لإدارة الدولة.
ولكن الواقع يثبت العكس فقد قدم وزير العدل الأردني حسين مجلي استقالته يأساً من غياب سياسات الإصلاح الديمقراطي، والحال مشابهة مع وزير الدولة لشؤون الإعلام الأردني طاهر العدوان الذي استقال احتجاجا على قوانين مقترحة قال إنها تقيد حرية التعبير وتعتبر انتكاسة لخطة الإصلاح الحكومية، وقال العدوان إنه كان يجري العمل على صياغة قوانين تحمي الديمقراطية، لكنه فوجئ بإعداد مشروعات قوانين جديدة تقيد حرية التعبير وتخفض سقف حرية الصحافة، كما أشار إلى أنه من الواضح أن القوى التي تقاوم الإصلاح وتدعم الفساد لها صوت عال وقدرة على إحباط أي جهد وطني حقيقي للإصلاح.
ولكن مع ما تقوم به هذه القوى النافذة لإحباط أي تغيير يفقدها مكاسبها يدرك الجميع أن القوى الشابة التي حركت الثورات في تلك البلدان العربية أصبحت رقما صعبا في المعادلة السياسية، واستطاعت فرض واقع جديد لم تستطعه القوى السياسية المعارضة التقليدية، فلديها الشباب والفتوة والنقاء السياسي، ولم تلوثها أساليب اللعب السياسي والالتفاف والمراوغة، هذه القوى طرحت مطالبها واضحة وصريحة في كافة البلدان التي اجتاحتها الثورات “الشعب يريد إسقاط النظام”، دون مجاملة أو مسايرة لأحد.
شباب من جيل الانترنت مل الفساد الرهيب للسلطة بطغيانها، بالبطالة المستشرية، يسعى للتمتع بمعايير الحرية الشخصية والرفاهة الاقتصادي والتحرر من القوى التقليدية التي قمعتها الأنظمة ذات الحكم المطلق، ليشكل صورة جديدة لا تبدو مماثلة لما شهده العالم العربي خلال القرن الماضي من حركات إيديولوجية من الليبرالية، الاشتراكية، الشيوعية، الوحدة العربية والإسلام المتطرف، ولكن ما زال مبكرا التخرص بماذا ستكون عليه هذه الصورة وماذا سيؤول إليه شكل النظام الجديد، فالصورة ما زالت حتى الآن غامضة.
لقد كان وضع النظام العالمي واضحاً في الماضي الذي كانت فيه للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على حد سواء مناطق نفوذ ومسؤولية، وبالتالي كان بوسعهما أن يتصديا للهزات المحلية والإقليمية، أما الآن فلا يوجد مثل هذا النظام العالمي، ولا توجد مسؤولية لأي قوة عظمى، والولايات المتحدة تعاني من الضعف الاقتصادي، ما أجبرها على التنازل عن دورها كقوة، أما على المستوى الإقليمي فلا تبرز في المنطقة حاليا إلا إيران وتركيا وهما القوتان الإقليميتان المؤثرتان في اللعبة السياسية.
بكل أسف تعاني دولنا العربية لعدم امتلاكها برنامج إصلاحي حقيقي، وعندما يُعلن عن إطلاق أي إصلاح يتم طرح السؤال التشكيكي بنوايا وخطط الإصلاح وضعف الأدوات التي يتم اختيارها لإنجازه, فسر الأزمة الوطنية وأصل المعاناة في عالمنا العربي هو أدوات ورموز نافذة, تلك الأدوات التي تمارس لعبة ملكيون وحكام أكثر من الملك والحاكم، بل تزايد على الجميع في قمع الحريات باسم الحفاظ على النظام.
وهذه الصورة تشتد بروزا في حالة المغرب الشقيق، إذ توقع البعض من الملك محمد السادس القيام بإصلاح جذري، ولكن تبين أن هناك تصورا محدودا للديمقراطية، عبر القيام بتغييرات تجميلية تعزز بشكل فعلي قبضته على عملية صنع القرار. ففي الوقت الذي قرر فيه القيام بخطوة لتحرير النظام السياسي، فقد فعل ذلك كتنازل سياسي دون قبوله بمبدأ مشاركة المجتمع المغربي في نقاش الإصلاح الدستوري.
ملك المغرب احتفظ بأهم الصلاحيات وكل خيوط اتخاذ القرار والتأثير فيه، واحتفظ بسيطرته على الأمن والجيش والدين بشكل يجعل الدستور المشروع لا يرقى لمستوى ديمقراطي. وبذلك جاءت مبادرة الإصلاح الدستوري ميتة حسب كلام المعارضة من أساسها، لأنها لم ترافق بأي مبادرات وازنة تؤكد نية التغيير الحقيقي لدى النظام، ما أدى إلى انضمام الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في المغرب إلى عدد من الحركات المعارضة لمشروع التعديلات الدستورية التي أعلن عنها الملك محمد السادس، فهل هذا مطابق لما جاء في خطاب الملك للأمة من أن هذا المشروع سوف “يوطد دعائم نظام ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية”؟
أخيرا
أصدر الأزهر الشريف وثيقة تحدد علاقة الدين بالدولة، وليت الدول العربية تستطيع تحقيق ما نادت به هذه الوثيقة من دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب، بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، وبما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية في قضايا الأحوال الشخصية، إضافة إلى تحقيق مبادئ الشورى الإسلامية بما تضمنه من تعددية ومن تداول سلمي للسلطة والالتزام بمنظومة الحريات الأساسية والاحترام التام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار، وضرورة اجتناب التكفير والتخوين واستغلال الدين واستخدامه لبعث الفرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين والفتنة الطائفية وتأكيد الالتزام بالمواثيق والقرارات الدولية والتمسك بالمنجزات الحضارية في العلاقات الإنسانية.
في اعتقادي أن هذه المبادئ التي احتوتها الوثيقة كفيلة حال تطبيقها بوأد كل مظاهر التمرد الحاصل في كثير من بلداننا العربية حاليا.
الخاتمة
كثير من دولنا العربية في حاجة ماسة إلى تفادي الجمود السياسي عبر إشراك مواطنيها في القرار والسلطة، وليس اتخاذهم أعداء والزج برجالاتها المخلصين للوطن في السجون.

Leave a Reply