العقار.. الإيجار.. العمار.. حلول عاجلة لأزمة راهنة

Posted

in

by

العقار.. الإيجار.. العمار.. حلول عاجلة لأزمة راهنة

تركي بن فيصل الرشيد

الصورة تبدو قاتمة جداً ويزيد من قبحها وبشاعتها تلك النكبات التي تدور من حولنا وهي من صنع الإنسان الجائر الذي أساء إلى النعم فأحالها إلى نقم.. ماذا جنى هؤلاء البشر من استخدامهم للقمح في صنع “الوقود الحيوي” غير أنهم زادوا الجائع جوعاً.. والمتخم خوفاً.. والآمن روعاً. حتى طعام الناس أخذوه ليحولوه إلى قوة نووية لمصلحتهم وذكر أن 25 دولة ستعمها المجاعة. وماذا جنى الطغاة من حروب أشعلوها في كل مكان فعم الخراب ثم علت صيحات الإعمار، حيث يزيد الطلب على مواد البناء صنع بلادهم فتباع لنا بأعلى الأسعار وقيل إن حمى الأسعار ستستمر على مدى الـ 50 سنة المقبلة.

وغضبت الطبيعة وزمجرت فأحرقت مساحات شاسعة لهم فضاعت أيضاً ثروة من لوازم العمران.. ثم فاضت أنهارهم فغمرت المياه أراضيهم وهدمت أبنيتهم واهتزت الأرض في بقاع أخرى من العالم فخلفت كوارث قيل أنها تحتاج إلى ثلاث سنوات من الإعمار فأصبح متعذراً على من ابتلى أن يستغني عن مواد أولية كانت مباحة للتصدير فاحتجزوها في بلدانهم لضروريات الإعمار والتطوير.

هناك قسم كبير جداً من مواد البناء يذهب لبناء المنتجعات السياحية في الخليج. وفي بناء الشقق الاستثمارية الفاخرة على الحدود بين فرنسا وسويسرا ومع الأسف معظمها يتم بأموال سعودية، وقد سبق أن أشرت إلى ذلك في مقالتي “بائعي الأحلام” التي نشرت في “الاقتصادية”.

وأمام الشح العالمي يتضاعف الضرر علينا خاصة أن:

– معدل تكون الأسر الجديدة ينمو بوتيرة عالية بلغت 3.1 في المائة.

–  غالبية السكان من شريحة الشباب وصغار السن.

– سد النقص يتطلب بناء 150 ألف وحدة سكنية سنوياً.

– ارتفاع أسعار الأراضي نظراُ لقلتها بعد الاستحواذ الفردي المتكرر لمساحات شاسعة من الأراضي.

– زيادة حجم المشاريع مما يعني زيادة مضطردة في أعداد الوافدين ومزاحمتهم للمواطنين مما يرفع من قيمة الإيجارات ويشجع المستثمرين على بناء مساكن جديدة الذي بدوره يمارس ضغطا أكبر على أسعار مواد البناء وأسعار الأراضي.

وفي ظل كل تلك الظروف القاتمة من شدة الطلب.. واستعار الأسعار.. وشح المواد تفرض علي الساحة عدة حقائق: لا يمكن لشاب أن يبني مسكنه بنفسه وهو في بداية حياته الوظيفية. ولا يمكن لرجل عسكري متقاعد أن يؤمن لنفسه مأوى وهو الذي راتبه أثناء الخدمة أغلبه بدلات تنقضي عند التقاعد. لا يمكن لأي فئة أخرى في ظل الوضع الحاضر من تأمين مسكنها بمجهود فردي.

الحل بدأته الدولة الآن بإعدادها مشروع الرهن العقاري الذي أتمنى أن يتلقاه كل منا بلهفة وعقلانية في الوقت نفسه. الرهن العقاري قرض بضمان العقار لحين الوفاء بقيمة القرض.

حسناتــه:

  • توافر السيولة حافز قوي لزيادة الطلب علي الأراضي وبناء المساكن.
  • زيادة القوي الشرائية زيادة لفرص تملك العقار.
  • تفعيل لفكرة السكن بالتملك مما يعني أن الأقساط الشهرية تحمل طابع   الإيجار بينما هي  في الواقع سداد جزئي للقرض ينتهي في عدد معين من السنوات بالوفاء الكامل له وانتقال الملكية العقار إلى المقترض.
  • الرهن العقاري يقتضي أن يكون العقار موضوع الرهن في أحسن مستوياته وذلك في حد ذاته يمثل هدفا ستسعى لتحقيقه شركات التطوير العقاري مما يعني انتشار الأحياء السكنية الراقية.
  • العجز عن سداد القرض يخول المقرض حق التصرف في العقار دون الرجوع للمقترض.
  • يباع العقار بالسعر الذي يفي بحق المقرض دون تقييم العقار بالسعر الحقيقي له.
  • قد يكون العقار جزء من إرث ومع ذلك يباع دون أخذ موافقة المقترض في حالة عجزه عن سداد مبلغ القرض أو جزء منه.
  • في غياب أنظمة محددة لأسعار الأراضي والعقار تنشأ وتنشط قوى نفوس مريضة تتلاعب بقيمة العقار برفع قيمته قبل الرهن وخفضها بعده فيفقد مالك العقار “قدراته الائتمانية” ويفقد بالتالي عقاره. فبعد أن كان مالكاً يصبح مطالبا برد مبلغ القرض مطروحاً منه قيمة العقار  بالسعر الهابط. ومصائب أسواق رأس المال خير دليل على مثل تلك الممارسات.

عيوبــه:

ولكن لا يعقل ألا نرى في كل جديد سوى مساوئه وننسى بالمرة محاسنه. فالكاجو نبات تحتوي قشوره على زيت اليورشيول وهو الزيت نفسه المهيج الموجود في نبتة اللبَلاب السامة ولذلك هناك تحذير من قشور الكاجو ومع ذلك من منا لا يأكل الكاجو بتلذذ. ومن منا يعلم أن القشرة انتزعت بعناية دون أن يتسرب السم إلى الثمر ومن منا لا يعشق الأزهار رغم أنها محاطة بالأشواك ومن منا يتوقف عن الحركة لأنه هناك خطورة في الحركة. فمع وجود الخطورة وجدت قواعد السلامة ومن اتبعها سلم. ومن استخار واستشار وعمل بعلم حصل على الشهد وأمن اللسعة.

وربما رغب القارئ في لمحة سريعة عن أزمة الرهن العقاري:

  • تستخدم البنوك والمؤسسات المالية الأخرى أموال المودعين في عمليات استثمارية من ضمنها الرهن العقاري.
  • كانت البنوك تتوخي الدقة قبل منح القرض العقاري، حيث كانت تلك القروض لا تمنح إلا إلى الذين لديهم سجلات ائتمانية جيدة وأن تكون الممتلكات العقارية موضوع الرهن غير مغال فيها وأن يكون للمقترض دخل كاف لسداد أقساط القرض.
  • وتطورت المؤسسات المالية فأصبح بعضها يختص بإصدار القروض والبعض الآخر اختص في جمع الرساميل وتخصيصها لتمويل القروض.
  • قامت بعدها المؤسسات التي برعت في جمع الرساميل بشراء الرهون العقارية من تلك المؤسسات التي برعت في إصدارها.
  • في عام 1938 توصلت الإدارة الأمريكية والكونجرس إلى فكرة اعتبرت آنذاك فكرة “مثيرة للإعجاب” وهي أن يتم توسيع الملكية الإسكانية من خلال إشراك الحكومة. فتم إنشاء “الجمعية الفيدرالية للرهن العقاري الوطني فاني ماي”
  • Federal National Mortgage Corporation, usually called Fannie Mae

وذلك بغرض شراء الرهون من البنوك من المال العام. ومن ذلك “فاني ماي” من الاقتراض من الحكومة بتكلفة تقل عما تستطيعه الشركات الأجنبية.

  • في عام 1968 تم تخصيص “فاني ماي” وكان عليها جمع الأموال من أسواق القطاع الخاص وفي عام 1970 تم اعتماد شركة فريدي ماك” لتكون منافسا لها    Federal Home Loan Mortgage Corporation, known as Freddie Mac”
  • وجود مشتريين اثنين “فاني ماي” و “فريدي ماك” شجع المؤسسات المالية على إصدار الرهون والسماح للمعايير بالهبوط.
  • في عام 2002 قام بنك الاحتياطي الفيدرالي بعرض مقادير غير محددة من الأموال على البنوك بأسعار فائدة ميسرة، كان ذلك دعم مصطنع للرخاء الإسكاني نتج عنه إصدار رهون بنسبة 100 في المائة لمقترضين لا يتمتعون بقدرات ائتمانية.
  • قامت البنوك التي أصدرت تلك الرهون ببيع خداعي لهذه الرهون العقارية على “فاني ماي” و”فريدي ماك” آلتان بدورهما في عدة محافظ للرهون العقارية وتم بيعهما إلى الصناديق الاستثمارية وإلى الأفراد باعتبارهم استثمارات مميزة بأدنى حد من المخاطر.
  • ويتم تداول الاستثمار بضمان الرهن العقاري طبقاٌ لقدرة كل مستثمر على تمرير المخاطر للمستثمر التالي ويستمر إعطاء ربح على مال شخص من مال شخص آخر قبل أن يعجز المقترض عن السداد وأن يعجز العقار عن الوفاء وتحل الكارثة.

وكانت البنوك الكبرى في العالم قد اضطرت إلى شطب أكثر من 200 مليار دولار من قيمة أصولها نتيجة انخفاض قيمة الأوراق المالية المضمونة بقروض عقارية منذ صيف 2007 مما أدى إلى تراجع حجم السيولة النقدية المتاح لدى البنوك لإقراضها للمستهلكين.

ولكن الرهن العقاري وحده لا يكفي إلا إذا قامت حكومتنا الرشيدة بعمل صندوق للقروض العقارية بمبلغ لا يقل عن 20 مليار ريال موزعة على البنوك على أن تستخدم هذه الأموال في الرهون العقارية وألا تتجاوز الرسوم البنكية لإدارة هذا القرض 1 في المائة مع كامل مسؤوليتهم عن المحافظة على تلك الأموال.

الحل الآخر أن تتبنى جميع الوزارات عمل مخطط أراض في جميع المدن وأن توزع تلك الأراضي علي منسوبيها فتتحقق بذلك عدة فوائد منها:

1- أن الأراضي ستكون بنيتها التحتية كاملة التجهيز مما يسهل نقل ملكيتها للموظف وبالتالي رهنها عقارياً.

2- يمكن التعاقد مع إحدى شركات التطوير العقاري عن طريق مناقصة يفوز بها الأقدر أداءً.. والأقل تكلفة.. والأفضل تصميماً.

3-وجود مجموعة واحدة تابعة لعمل واحد في مكان واحد يسهل معه خدمات كثيرة متعددة مثل:

  • توفير مواصلة جماعية من وإلى مقر العمل مما يضمن انضباط الموظفين في حضورهم وانصرافهم ويخفف من ضغط المواصلات عامة في المدينة المعنية وفي الوقت نفسه يوفر من تكاليف المواصلات الشخصية.
  • إنشاء مجمع استهلاكي يوفر جميع المقاضي بأسعار زهيدة كما يسهل لربات البيوت شراء لوازمهن بأنفسهن بكل أمان.
  • إنشاء مركز صحي للتعامل مع الحالات اليومية العادية بدلاً من التكدس في المستشفيات الرئيسة.
  • تدريجياً يمكن إنشاء مدارس لمختلف الأعمار إلى مرحلة الثانوية بنين وبنات ولا يخفى من فوائد ذلك من تقليل الوقت والجهد في الذهاب والعودة إلى المدرسة ومن ثم تخفيف الزحام في الطرق الرئيسة.

الموظف يمضي في الخدمة على الأقل 20 عاماً.. وإذا كان وظل مستأجرا، التهم الإيجار الجزء الكبر من معاشه.

أما إذا منح فرصة التملك كان بدل الإيجار يدفع أقساطاً تمكنه بعد اكتمال سدادها من تملك العقار. انظر لعظم الفارق. الحل الأخير هو إفساح المجال وتذليل العقبات لشركات التطوير العقاري لكي تواجد وتؤدي دورها ذلك لأنها قادرة على تأمين مواد البناء من المصدر بتكلفة أقل.. وأنها قادرة علي استجلاب أحدث التقنيات والتصاميم ثم أنها قادرة على الإنجاز في الوقت المحدد وإنها قادرة على القيام بأعمال الصيانة بعد تسليم الوحدات السكنية لقاطنيها.

 

إنه أمر محتم أن يتم تدبير مأوى لكل مواطن مدنيا كان أو عسكريا.. فالمواطن دون دعم لا يمكنه تأمين مأواه. من الضروري تكوين صندوق الإقراض العقاري.. ويجب على كل وزارة توفير مخططات سكنية وتجهيزها بكامل الخدمات وبيعها لمنسوبيها بسعر التكلفة.

الخلاصـة:

إنه أمر محتم أن يتم تدبير مأوى لكل مواطن مدنيا كان أو عسكريا.. فالمواطن دون دعم لا يمكنه تأمين مأواه. من الضروري تكوين صندوق الإقراض العقاري.. ويجب على كل وزارة توفير مخططات سكنية وتجهيزها بكامل الخدمات وبيعها لمنسوبيها بسعر التكلفة. ولابد لنا من كلمة أخيرة في شأن البلديات ترجع إلى بطئهم المعهود في الإفراج عن الفسوحات التي يتعدى بعضها عاما ونصف العام. ذلك البطء لا يتناسب مع ضروريات المرحلة التي تقتضي ضرورة تزويد البلديات بالكوادر الفنية المؤهلة وإعادة النظر في طبيعة الإجراءات بغرض تحسينها وتطويرها. أقبلوا على الرهن العقاري.. وعجلوا بالعمران.. فإنما الدنيا خلقت لتعمر.

 

نشر في صحيفة الاقتصادية الثلاثاء الموافق 3 يونيو2008 العدد 5349

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *