التجربة التركية والمواطن العربي.. إعجاب وأمنيات
بقلم تركي فيصل الرشيد
تركيا أوردغان تحولت خلال السنوات الماضية من دولة عميلة تأتمر بأمر الولايات المتحدة إلى دولة شريكة تتخذ قراراتها بحسب مصالحها وساعدها في ذلك اعتمادها على مصادر قوتها واحترامها إرادة شعبها
الدولة التي تحمل طموحات عالمية أو على الأقل إقليمية يلزمها عمل تخطيط استراتيجي يستند إلى رؤية طويلة المدى، يتم تحليلها بشكل ديناميكي متكرر على الأرضية التاريخية والجغرافية والثقافية المرتبطة بالواقع مع تبني أشكال القوة الحقيقية بالتخطيط العقلاني والاستراتيجي والتركيز على المعطيات الثابتة من الجغرافيا والتاريخ والكثافة السكانية إضافة إلى المعطيات المتغيرة من الاقتصاد والمعرفة والقدرة العسكرية.
كما أن الأمة الناجحة تختار طريقها حسب إمكانيتها مستعملةً التكتيك المناسب لتحقيق أهداف الإستراتيجية، شريطة أن تكون الأمة كلها على اطلاع على تلك الإستراتيجية لتعمل على تحقيقها، مع ربط الجامعات ومراكز الفكر بالقوى التنفيذية للمساهمة في التشكيل النظري والتحليلي.
هذه المقدمة التحليلية وجدتها هامة عندما أردت التحدث عن التجربة التركية والتي أرتبط شخصياً بها قديمها وحاضرها، فاسمي مشتق من اسمها ووالدي رحمه الله كان فخوراً بنفسه وكان يردد دائما أنه عندما كان صغيرا تم اختياره من قبل السلطان العثماني ضمن مجموعة صغيرة من شباب حائل للذهاب الى اسطنبول للدراسة هناك ولكن والدته رحمها الله رفضت ذهابه فلم يذهب.
وحقيقة أجدني أقف مشدوها أمام هذا التطور الهائل خاصة وانني أحد المتابعين للوضع التركي وتحركه ومراقباً لانتخاباتها منذ الثمانينات.
ولعل الجميع يذكر أنه بعد انتهاء الحرب الباردة فقدت تركيا دورها، وكان أفضل وصف لتلك الحالة ما قاله رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور ريتشارد لوغار من ولاية إنديانا عن حزب الناتو عندما انتهت الحرب الباردة “إما أن يتغير أو أن ينتهي”، وبالفعل بدت تركيا تائهة لا تعرف من هي وماذا تريد، إذ أصيبت بانفصام الشخصية والوعي التاريخي، وهو أحد الأسباب الهامة لعدم الكفاءة في النظرية الإستراتيجية والذهنية.
ولكن بعد انقضاء قرن من الزمن سعى خلاله مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال اتاتورك إلى تغيير الهوية التركية باتجاه الغرب وإنشاء دولة علمانية، الآن تحولت تركيا بقيادة اوردغان نحو الشرق الأوسط متطلعةُ للعب دورها الحقيق بها، لاسيما أن حجمها الاقتصادي والعسكري من شأنه أن يعزز هذا الدور في الإقليم.
لقد أتيحت لي الفرصة لزيارة تركيا في أواسط الثمانينات والتسعينات لمراقبة ومتابعة تركيا، كما أتيحت لي الفرصة لزيارة تركيا خلال الانتخابات الماضية لمراقبة ومتابعة الانتخابات حيث كان من المؤكد أن تتم إعادة انتخاب أردوغان لولاية ثالثة، وتوقع الجميع أنه سيحصل على 43 في المائة من الأصوات على الأقل.
وواكب ذلك صدور نتائج استطلاع الرأي العالمي الذي يجريه مركز الدراسات الأمريكي Pew قبيل موعد الانتخابات التشريعية ليعزز التوقعات بسيطرة الحزب الحاكم على الأغلبية التركية لدورة ثالثة، وأظهرت النتائج أن نسبة الزيادة في الرضا الشعبي من الواقع التركي زادت خلال العام 2011 عما كانت عليه في عام 2002 بـ12 ضعفا، ففي الوقت الذي كانت نسبة الرضا العام في تركيا في 2002 تقدر بـ 4 % أصبحت في 2011 تقدر بـ 48 %، أما في الجانب الاقتصادي التركي فقد تزايدت نسبة الراضين عن الأوضاع الاقتصادية في البلاد عما كانت عليه في 2002 التي قُدرت في تلك السنة بـ 14 % لتصل في عام 2011 إلى 49 %، ما يُظهر تزايد نسبة قبول الشعب للحكومة بشكل عام وبصورة ملحوظة.
وتناول هذا الاستطلاع نظرة الشارع التركي للسياسة الخارجية التي تنتهجها حكومة أردوغان، إذ يظهر الاستطلاع أن نسبة 62 % من الشعب التركي يؤيد هذه السياسة ويبدي ثقته في رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.
ولقد وُصفت الانتخابات البرلمانية الأخيرة بالتاريخية نظراً لأنها جددت للمرة الثالثة الثقة بحزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب اردوغان، الذي يعد أول رئيس وزراء في تاريخ تركيا ينجح في ثلاث دورات انتخابية متتالية بحصوله على 50 في المائة، وإن خسر حزبه نحو 15 مقعداً، وجاء حزب الشعب الجمهوري المعارض بـ 30.5 في المائة، أما حزب الحركة الباشيلي الوطني فقد حصل على 13 في المائة في الانتخابات العامة، ما حرم حزب العدالة الأغلبية الدستورية المطلوبة لتمرير برنامجه وحده دون الالتفات إلى شركاء آخرين.
ومما لا شك فيه ان الفوز الكاسح لحزب العدالة والتنمية مرده نجاحاته المذهلة في الاقتصاد التركي، وليس نابعاً من الجدل المستديم حول الهوية الإسلامية مقابل الهوية العلمانية لتركيا، او الاتجاه غربا او شرقا في الاهتمامات الاقليمية، فقد كان منبعه أن حزب العدالة والتنمية استثمر كثيرا في البنية التحتية التي أدت الى النمو الاقتصادي وثقة الشعب التركي به.
لقد قابلتُ خلال زيارتي الاخيرة الكثير من جميع الأحزاب وأخبرني الكثير منهم انه سوف يصوت ضد اوردغان، ولم استغرب ذلك ولكنني ذهلت عندما علمت منهم أنهم يتمنون أن يفوز أوردغان ولكنهم لا يريدون له أن يحقق فوز ساحقا لكي لا يميل الى الخمول ويخسر شجاعته المعهودة ويدخل الغرور الى رأسه، فمطلوب منه المجهود الكبير لتحقيق الوعود التي تعهد بها ومنها تحويل الدولة الى نظام رئاسي وأن تكون تركيا في عام 2023 ضمن أكبر عشرة اقتصاديات في العالم.
نال رجب طيب أوردغان رئيس حزب العدالة والتنمية أعلى نسبة أصوات في الانتخابات في تاريخ الجمهورية التركية، وهو الآن سيد كل من حوله، حيث لا تعادل مكانة أي سياسي عصري في تركيا المكانة التي يحظى بها، ويعتبره الكثير اليوم مؤسساً لتركيا الجديدة كبلد أكثر ديمقراطية ويعيش بسلام مع هويته الإسلامية على رأس حزب العدالة والتنمية الإسلامي الجديد.
إن ما تم تحقيقة في تركيا هو أمر مذهل، وكان التحول الاجتماعي لتركيا مذهلاً كذلك، ويمثل نجاح حزب العدالة والتنمية ظهور مؤسسة جديدة قائمة على طبقة وسطى محافظة اجتماعياً ومطبقة للشعائر الدينية، وهي في الوقت ذاته نشطة وذات نزعة نحو تأسيس المشاريع في وسط الأناضول، حيث إن أفراد هذه الطبقة يطالبون الآن بحصتهم من السلطة التي كانت محتكرة من جانب نخبة الكماليين العلمانية، ومن الواضح أن اردوغان يريد تمكين الرئاسة، ربما على الطريقة الفرنسية، ولكن إمكانية ذلك تظل موضع تساؤل مفتوح، وحتى ضمن صفوف حزبه، فإنهم لا يريدون أن يرونه كزعيم وحيد في تركيا، والسؤال الآن هو ما إذا كان بإمكانه لجم ما يعترف به حتى مؤيديه، أي الغرائز التسلطية، حتى يستطيع تكوين توافق وراء دستور أكثر ديمقراطية وعقد اجتماعي لتركيا القرن الحادي والعشرين.
في اعتقادي، باستطاعة أردوغان أن يكون مهندس توافق وطني جديد ضمن إدارة ديمقراطية في صلبها المجتمع المدني وتعمل تحت سيادة القانون.
أخيرا
تركيا أوردغان تحولت خلال السنوات الماضية من دولة عميلة تأتمر بأمر الولايات المتحدة إلى دولة شريكة تتخذ قراراتها بحسب مصالحها، وساعدها على ذلك الاعتماد على مصادر قوتها واحترامها إرادة شعبها مع ضعف قوى الولايات المتحدة الذي أظهرته استطلاعات الرأي الأمريكية.
وفي خطابه الأخير بعد النجاح الانتخابي أكد اردوغان على نية بلاده لعب دور أكبر في الشؤون الخارجية، خاصة في الشرق الأوسط. وبزوغ النجم التركي سوف يؤثر كثيرا على منطقتنا وسوف يغير الكثير، ولعلنا نفهم التوجه من خلال الرسالة التي تم إرسالها الى الرئيس الأسد حيث أكد رئيس الوزراء التركي أردوغان رؤية تركيا للحل في سورية وأنه دون إصلاحات حقيقية ودون انتخابات ديمقراطية وحكومة منتخبة ومساءلة ومحاكمة رموز الفساد وعودة المهجرين والمعارضين ومشاركتهم في الحياة السياسية السورية، ودون احترام لكافة المكونات القومية والمذهبية فإن أي إصلاحات يقوم بها الرئيس ستكون حبراً على ورق ولمجرد استنزاف الوقت، وأبلغ الأسد بأن وقت الدبلوماسية ينفد والخيارات المتاحة ضئيلة وأن فكرة دمشق بسياسة الأرض المحروقة فإنها ستواجه خيارات صعبة لا تتوقعها.
التجربة التركية تستحق التأمل، وإن كان لكل بلد خصوصيتها إلا أن القواعد العامة للتقدم والديمقراطية تظل واحدة، وكثير من القادة العرب أمامهم فرصة تاريخية لقيادة بلدانهم إلى تحقيق مجدها، وهم يعلمون أن الاشخاص زائلون وتبقى البلدان ويبقى التاريخ شاهدا على الجميع.
ختاما
ها هو العالم العربي بين عشية وضحاها أصبح مُداراً بحراكٍ لم يعرفه منذ عقود عدة، كما أنّ شبكة الإنترنت وخدمات أجهزة آيفون الخلوية المتاحة للجميع توفر اليوم للناس العاديين معلومات كانت مقصورة على أصحاب القرار وأجهزة الاستخبارات فقط، والمواطن العربي وإن كان ينظر بإعجاب الى التجربة التركية إلا أن الحسرة تملأ قلبه وهو يرى التحول الكبير لدول مثل ماليزيا تركيا وغيرها من بلدان لا تمتلك معشار القوة العربية وإلى حال العرب وإصرارهم على احتلال ذيل الترتيب.
التجربة التركية تستحق التأمل، وإن كان لكل بلد خصوصيتها إلا أن القواعد العامة للتقدم والديمقراطية تظل واحدة، وكثير من القادة العرب أمامهم فرصة تاريخية لقيادة بلدانهم إلى تحقيق مجدها، وهم يعلمون أن الاشخاص زائلون وتبقى البلدان ويبقى التاريخ شاهدا على الجميع.

Leave a Reply