اليمن بين عصر جديد أو اختطاف ثورت
بقلم تركي فيصل الرشيد
فيما يخص الحلول المتاحة أمام اليمن وفرصه المواتية فبكل أسف الفرص الداخلية قليلة جدا أما الفرص الخارجية فهي إمكانية قبول اليمن عضوا كامل العضوية في مجلس التعاون الخليجي وهو أمر يحتاج إلى رغبة وإرادة حقيقية لتنفيذه
كتبتُ مقالا العام قبل الماضي (2009) حوى خطاباً موجهاً الى الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بعنوان “خوفا على اليمن”، وكان فحواه أن اليمن يواجه مأزقاً رهيباً يستدعي الوقوف في وجه المتربصين به، ليس بالاستقواء بالقوات المسلحة وإعمال جهاز الأمن السري والعلني ولكن بالاستجابة لمطالب الشعب، وبكل أسف لم يستمع الرئيس لنصح الناصحين، بل هناك من النظام من راح يذكي روحا اخرى حولت اليمن الى بيئة حاضنة لما يسمى القاعدة التي وجدت في اليمن بيئةً مثاليةً ليس من حيث التضاريس الجبلية الشبيهة بافغانستان فقط وانما من حيث المناخ الايديولوجي الملائم أيضا.
ولقد ارتأى كثير من المحللين أن نظام صالح الذي يدعمه الجيش كان ميالا الى تفضيل المحسوبية القبلية على القمع الصريح والمباشر حتى يستمر في الحكم واعتمد على دفع الاموال لاشخاص لحل المشاكل، بل ذهب كثير منهم إلى أن النظام هو أول من آوى القاعدة وترك لهم الجنوب ليواجهوا الحركة الشعبية به واسكات صوتها، وتعامل النظام مع مشكلة الجنوبيين والحوثيين في الشمال بحلول امنية زادت المشكلة تفاقما وكثير من هذه المعلومات ليس بجديد بل سربتها وثائق ويكيليكس.
إذن الرئيس عبد الله صالح كان يملك قدرة كبيرة على المناورة لكسب الوقت، ويصفه البعض بأنه ثعلب في المراوغة، ويتمتع بأعصاب قوية تؤهله للتحلي بأعلى درجات الصبر، وهذا ما يفسر توليه الحكم في بلد فقير تحكمه العادات القبلية ويعتبر غابة سلاح لأكثر من 33 عاما، واجه خلالها حروباً انفصالية ومؤامرات لقلب نظام الحكم ومحاولات اغتيال نجا منها جميعاً ما عدا الأخيرة حيث تعرض لمحاولة اغتيال في القصر الرئاسي بصنعاء والتي على إثرها حطت بمطار قاعدة الرياض الجوية ثلاث طائرات، كان الرئيس اليمني على متن إحداها.
وفي السياق ذاته تناقلت وسائل الإعلام أنباءً من مكتب اللواء الركن علي صالح الأحمر مدير مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة بانه تمت تصفيته على يد نجل الرئيس اليمني أحمد علي عبدالله صالح. وأشار المصدر إلى أن تصفية المسؤول في مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية جاءت بناء على تهمة تشير إلى تورطه في عملية القصف او التفجير التي استهدفت القصر الرئاسي لمحاولة اغتيال الرئيس صالح، حيث إن الهجوم جرى بعد ان قصفت القوات الموالية للرئيس مقر حامد الأحمر.
إن أحداث العنف التي جرت تمثل التصعيد الأخير في حملة صالح للتمسك بالسلطة بعد أن أخل بوعده بتوقيع اتفاق للتنحي بوساطة من جيرانه في مجلس التعاون الخليجي الذين كانوا يحاولون تفادي الفوضى في بلد يعتبر دولة فاشلة. آل الأحمر أصروا على أنه لا علاقة لهم بالهجوم، وهم يحاولون تفادي الانجرار إلى حرب أهلية يرون صالح مصرا على إشعالها كي يظل في السلطة، فكانت التفاصيل المعروفة للجميع.
عليه يجب أن نتكلم ونناقش ما بعد عهد صالح، خاصة ان هناك ضغوطا خارجية كبيرة من أجل انتقال سلمي وسريع للسلطة مرتئية ان ما حدث لصالح مثل مخرجا وحلا للازمة كما ان هناك ضغوط المقاومة والثوار الذين شعروا بنشوة الانتصار واجمعوا على انهم لن يسمحوا بعودة صالح للحكم مرة اخرى.
وبالتأمل في الوضع السياسي لليمن خلال السنوات الاخيرة نجد انه كان هناك ثلاثة خلفاء محتملين يسعون للوصول إلى القصر الرئاسي وإلى سدة الحكم، هم العميد الركن أحمد علي، النجل الأكبر للرئيس علي عبد الله صالح، والعميد الركن يحيى محمد عبد الله صالح، نجل الشقيق الأكبر للرئيس علي صالح، والشيخ حميد عبد الله الأحمر، نجل المرحوم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر.
الأول يتولى حالياً منصب قائد الحرس الجمهوري والقوات الخاصة ويقال بأنه القائد الفعلي للشرطة العسكرية، يعمل بصمت وبعيدا عن الأضواء، فيما يتولى الثاني منصب قائد الأمن المركزي ويرأس العديد من منظمات المجتمع المدني وله حضور إعلامي كبير، بينما الثالث عضو في مجلس النواب ومتفرغ لاستثمار أمواله وأموال العائلة وأصبح يدير ثالث اكبر مجموعة تجارية في اليمن، ولديه شركة اتصالات للهاتف المحمول وبنك إسلامي واستثمارات نفطية.
جهود هؤلاء الشبان الثلاثة الذين ـ بالكاد ـ تجاوزت أعمارهم العقد الرابع تتركز في السعي الحثيث نحو القصر الرئاسي وبجهود فردية، غير أنهم في نظر العديد من المراقبين لا يملكون إجماعاً لدى الأسرة الحاكمة كما لدى الجماهير على أي منهم لتولي السلطة في حال أصبح مقعد الرئاسة شاغراً بشكل مفاجئ، على الرغم من المؤهلات الشخصية المتفاوتة بينهم من القيادية والمادية والحضور السياسي وما إلى ذلك.
نقطة أخرى هامة جدة وتسهم في إدراك فعلي للوضع في اليمن، فالتضاريس المنتشرة في اليمن وتفرق السكان بين قرى عدة، والتي هي بطبيعتها منعزلة بصورة كبيرة أديا إلى مزيد من الإضعاف للحكومة المركزية وقلل من قدرتها على السيطرة على عدد من أفراد تلك المنطقة أو تقديم الخدمات الأساسية لسكان هذه المناطق ومن ثم أوجد هذا الوضع حالة من التذمر في صفوف سكان تلك المناطق تجاه الحكومة فكان الملخص سلطة ضعيفة لا تملك زمام الأمور ووضع اقتصادي مزري.
أيضا وحسب الإحصائيات يصل عدد سكان اليمن إلى 21 مليون نسمة، ويبلغ النمو السكاني 3 بالمائة سنويا، واستمرار هذا الوضع يعني أن عدد السكان سوف يصل إلى نحو 50 مليون نسمة في العام 2033 حسب الدراسات المحلية في اليمن والدولية .
وفي اليمن تستوطن الملاريا التي يعاني منها 60 بالمائة، حسب تصريح وزير الصحة اليمني في العام 2005 أمام جلسة للبرلمان، كما تعاني البلاد من شح في المياه، إذ تقول الحكومة انه من أصل 21 مصدرا جوفيا للمياه يعاني الميزان المائي سلبا في 19 منها، وأن مياه المطر تكفي لبلاد لا يتجاوز عدد سكانها المليونين وليس 21 مليونا. يضاف إلى ذلك تراجع إنتاج النفط بشكل دراماتيكي ليصل إلى 300 ألف برميل في اليوم.
والعاصمة اليمنية صنعاء تفتقر إلى المياه وقد جفت حدائقها، ولا تستطيع معظم الأسر تحمل تكاليف نقل المياه من أماكن أُخرى، ومن ثم يقوم هؤلاء بإرسال نسائهم وأطفالهم ليصطفوا أمام صنابير المياه في المساجد. ويشير العديد من المتخصصين إلى أن العاصمة اليمنية صنعاء سوف تصبح العاصمة الأولى التي تنفد منها المياه الجوفية.
من جهة أخرى حذر تقرير أمريكي من أزمة خطيرة يواجهها اليمن تنذر بتحوله الى دولة فاشلة ويمكن ان تجعله أفغانستان التالية، وبكل أسف ما يجري أمامنا هو محاولة من الحكومة اليمنية وبعض الدول الإقليمية والعالمية لحل الأزمة في اليمن باستخدام أدوات أمنية وعسكرية غير مدركين ان الحرب والقمع الأمني لن يحلا أزمة اليمن.
ما هي الحلول المتاحة أمام اليمن وما هي فرصه؟ بكل أسف الفرص الداخلية قليلة جدا، أما الفرص الخارجية هي إمكانية قبول اليمن عضوا كامل العضوية في مجلس التعاون الخليجي ليتحول الى مسمى مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية.
انضمام اليمن إلى مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية يتطلب من دول الخليج القيام بضخ أموال طائلة والقيام بمشاريع وبرامج استثمارية في البني التحتية الأساسية، من طرق ومواصلات وشبكات مياه وصرف صحي ومستشفيات وتعليم وإسكان وكهرباء، فضلا عن مشاريع الاستثمارات الصناعية والتعدين والزراعة والسياحة. لكن في المقابل فانضمام اليمن إلى المنظومة الخليجية بشكل كامل وقيام مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية، سيعني تولد او تجمع قوة إستراتيجية بشرية بحدود 60 مليون نسمة.
ولكن هل الجهود الخارجية مستعدة ذهنيا وفعليا لذلك ام ان هناك محاولة لإعادة ترتيب الأوضاع كما كانت من قبل والتوازن بين أبناء عبد الله صالح وأبناء عبدالله بالأحمر؟ إذا كان الأمر كذلك فهذه الجهود بالتأكيد تتناسى ان الشعب اليمني قد قام بالمظاهرات وقدم دماء أبنائه للتخلص من الثنائي صالح وآل الأحمر واعتماد الدولة المدنية الحديثة التي بات يطوق اليها ويسترخص الدماء في سبيلها.
الخلاصة
إن الاحتجاجات مستمرة في بعض الدول الإسلامية والعربية، وعلى قادة هذه الدول أن يكونوا واقعيين، والشباب العربي الذي سعى وكافح لن يقبل بإعادة تلبيس الطواقي بمعنى المحافظة على الوضع القائم واستبدال الأشخاص فقط.
العالم العربي يتطلع الى نظام مشابه للنظام التركي وقد صرح الرئيس التركي عبد الله غول بأن على قادة الدول العربية المسلمة أن يدركوا انه لا مكان للأنظمة الاستبدادية في العالم الإسلامي خلال لقائه في اسطنبول مع وفد من ممثلي شباب ثورة 25 يناير المصرية، او نظامٍ مشابه لتجربة اسبانيا في المملكة الدستورية وهو في ذلك يملك سلاحا فتاكا امام الطغاة وهو سلاح التواصل الجماهيري في ما بينهم والتنسيق الجماهيري الواسع مع تقهقر القوى العالمية وبروز قوى إقليمية ديمقراطية مؤثرة.
ختاما
إن التعامل مع اليمن لا يمكن أن يكون من منظور أمنى فقط، ولكن يجب ان يكون من خلال إستراتيجية متعددة الأبعاد ترتكز على عدد من المحاور، يأتي على رأسها التوصل إلى صيغة مناسبة للمشاركة في السلطة، ويمكن أن تأخذ أشكالاً مختلفة مثل إجراء انتخابات برلمانية وفقًا لشروط تقبلها قوى المعارضة ودعم اللامركزية (سلطة اتخاذ القرارات وتوفير الموارد) بما يسهم في تعزيز سلطة المحليات والمحافظات وقدرتها على إيجاد حلول للأزمات الداخلية.

Leave a Reply