الجامعة العربية.. الحلم الضائع!

Posted

in

by

الجامعة العربية.. الحلم الضائع!

بقلم تركي فيصل الرشيد

في نظري قرار تعيين العربي لن يحرك الجامعة العربية بقدر ما يئد دوراً سياسياً وروحاً جديدة في الخارجية المصرية كما أنه يطرح تساؤلا عن تمسك مصري لا معنى له بمنصب يخص العرب جميعا ويبدو للأكثرية شكليا

استوقفني كثيراً تعيين وزير الخارجية المصري الدكتور نبيل العربي أميناً عاماً للجامعة العربية بإجماع عربي بدلاً من الدكتور الفقي, ليكون سابع أمين عام في تاريخ الجامعة منذ تأسيسها عام 1945، والسؤال المطروح حاليا هل اختيار العربي كان مفاجأةً أم طبيعياً؟ وماذا وراءه خاصةً وقد وصلت المبالغات بالبعض إلى الحديث عن دور أمريكي – إسرائيلي في إقصائه عن منصبه كوزير للخارجية المصرية؟ ثم هل بالفعل يستطيع الدكتور العربي – بما له من كاريزما وبما حظي به من إعجاب واسع بعد مواقفه الأخيرة خلال الفترة البسيطة التي تولى فيها منصب الخارجية المصرية – إحداث تغيير جوهري في أداء الجامعة أم أن الأمر سيظل كما يردد البعض من أن أصحاب القرار والمصالح يحضِّرون للقرارات بعد أن يتم إعدادها في الخارج وكل ما هو مطلوب من الجامعة تمريرها والتوقيع عليها؟

الدكتور نبيل العربي كان أحد المرشحين لتولي أمانة الجامعة بعد نهاية عهد الأمين الأسبق عصمت عبد المجيد, وقد اعتاد في السنوات الأخيرة توجيه انتقادات علنية للسياسة الخارجية المصرية قائلاً إنها سياسات عفا عليها الزمن، مؤكداً أن مصر لها وزن كبير ودور تاريخي مهم يتجاوز محيطها العربي والأفريقي، كما انه كان أحد المعارضين للنظام السابق فيما يخص الحصار المفروض على قطاع غزة والذي يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحرم حصار المدنيين حتى في أوقات الحروب، ولكنه في الوقت ذاته كان دائم التأكيد على ضرورة التزام مصر بالمعاهدات الإقليمية والدولية ولا ننسى كونه احد المشاركين في مفاوضات كامب ديفيد. والمتأمل في هذه التوجهات يجدها تتسق مع كون الدكتور العربي عمل قاضيًا في محكمة العدل الدولية وكان عضوًا بلجنة الأمم المتحدة للقانون الدولي، وعضواً في محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي.

ولعل تعيين العربي يُذكرنا بموقف مشابه قبل عشر سنوات عندما تم تعيين السيد عمرو موسى أمينا عاما للجامعة العربية تزامنا مع ما كان يمثله من تحدٍ في حينه لمشروع توريث الحكم في مصر، فتم ترشيحه لأمانة الجامعة العربية لكي يتحقق هدفان الأول هو إزاحة موسى من المنافسة على الرئاسة والثاني هو احتفاظ دولة مصر بمنصب رئاسة الجامعة ولا يتم تدوير منصب الأمين العام بين الدول العربية.

وحقيقةً على الرغم مما تمثله الجامعة العربية من عمل مؤسسي للدول العربية إلا أنها بكل أسف أصابها ما أصاب الكثير من الدول العربية نفسها من عدم العمل بنظم مؤسسية بل تدار من قبل أفراد وعلى أسس فردية، ولذلك فخلال العقود الماضية أصيبت الجامعة العربية بشلل مطبق ولم تتخذ الجامعة غالبا سوى القرارات التي تخدم مصالح النخب السياسية والرأسمالية حتى ولو كانت تمثل تهديداً للهوية الوطنية والأمثلة كثيرة، وقد اتسمت قرارات الجامعة العربية بالكثير من الأقوال والقليل من الأفعال، وضاعت مصداقيتها لدى الشعوب العربية ولم يعد أحد يأبه لا لاجتماعاتها ولا لقراراتها وإن كان البعض يجادل أو على الأقل يتمنى أن يُحدث الأمين العام الجديد تغييرا في هياكل العمل في الجامعة العربية وتنشيطاً للدماء في العديد من الهيئات واللجان المجمدة، وأن يقود عملية تغيير ضخمة في الجامعة لتحويلها إلى مؤسسة عربية فعالة.

لقد تعهد الدكتور نبيل العربي فور اختياره أمينا عاما للجامعة العربية بالعمل على تعزيز العمل العربي المشترك وتحقيق طموحات الشعوب العربية، وأن يكون القرار في الجامعة مستقلا لخدمة الشعوب العربية ومعبرا عن مصالحها لا عن مصالح وآراء زعماء أو نظم. ولكن هل يستطيع ذلك فعلا والعالم العربي يمر بحالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي إضافة إلى الكثير من التحديات الداخلية والتحديات الإقليمية والعالمية إضافة الى كون الأمين الجديد هو بدرجة الأولى موظف لدى جميع الدول عربية؟ أعتقد أن الجميغ او على الأقل الأغلب يتوقع ويعلم الإجابة.

الخلاصة

لقد استطاع نبيل العربي في أقل من ثلاثة أشهر أن يغير كثيراً من وجه السياسة المصرية الخارجية بل جعل كثيرا من المصريين والعرب يأسفون على سنوات ضاعت مع غير المؤسوف عليه أحمد أبو الغيط، وما أراه أن قرارا مصريا بالموافقة على تقديم العربي لمنصب أمين الجامعة العربية هو خسارة فادحة للخارجية المصرية وللقضية الفلسطينية، كما أراه أمراً دُبّر على عجل ويثير ريبةً في النفس خاصة مع إيماني وجزمي بأنه لن يستطيع أو يملك من أمره شيئا داخل الجامعة العربية، والامر لا يحتاج دليلا بل يكفي الرجوع بالنظر الى الوراء يوم استبشر كثيرون بقدوم عمرو موسى في ظروف كهذه الى الجامعة ومن يومها حتى لحظتنا هذه ليذكر لي احد إنجازا واحدا لموسى أو للجامعة ككل.

وبذلك في نظري فقرار تعيين العربي لن يحرك الجامعة العربية بقدر ما يئد دوراً سياسياً وروحاً جديدة في الخارجية المصرية كانت ستضر كثيرا بمصالح أطراف إقليمية وعالمية.

ختاما

لا أدري سببا وجيها لتمسك مصر بمنصب أمين الجامعة العربية حتى بات المصريون أنفسهم يتندرون على الجامعة بكونها معاشات وزراء خارجية مصر وليست كما يراد لهم ترقية أو أداء دور سياسي أوسع، ولعل الأجدى في هذه الحال تدوير المنصب، ولو قيل ان في التدوير تهميشاً لمصر فإني أتساءل وهل هذا المنصب الذي يبدو في نظر الكثيرين شكليا هو ما يرفع من قدرها – وقدرها ان تكون كبيرة – أو يمنع تهميشها؟

 إنني اجزم أن الشعب العربي قد خسر أيضا في هذه الفترة الحاسمة فرصة تدوير منصب الأمين العام للجامعة العربية بالتناوب بين الدول العربية، واعتماد ضوابط تمنع الدولة التي لا تدفع المبالغ المستحقة عليها من التصويت، وتعيين الكثير من أصحاب المناصب العليا والمتوسطة من جميع الدول العربية على أن يكون كذلك بالتناوب بين الدول العربية ولا يكون حكرا على الجنسية المصرية لأن دخل الجامعة العربية ببساطة يأتي من دول الخليج.

 وعلى الكثيرين من الزعماء العرب أن يقفوا وقفة صادقة مع أنفسهم ومع شعوبهم، يجب أن يعبروا دائرة الأنا إلى روح الأمة الجمعية وأولويات الشعوب العربية وحقها في أن تحتل مكانها على خريطة العالم. وهنالك فرصة في هذه الحقبة إلى دخول التاريخ كقادة للأمة بنقلها من حال التشرزم والضعف إلى حال القوة الريادة خاصة أن هذه الأمة قدرها أن تكون أفضل حالا من ذلك بما تملكه من مقومات عدا الإرادة.

 

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *