خطاب أوباما الأخير… ما الجديد؟
بقلم تركي بن فيصل الرشيد
خطاب أوباما الذي ألقاه حول السياسة الأمريكية حيال التغيرات الجذرية في ربيع الثورات العربية يلخص السياسة الأمريكية حيالنا لذا يمكن وصفه بأنه مثل العطر جميل أن تشتم رائحته ولكن لا يمكن أن تشربه
لست أدري سببا مباشرا أو يعتمد على دليل يدعم حجة من خاب أملهم في خطاب أوباما الأخير وكأنهم كانوا يتوقعون غير ذلك، كما لا أدري إلى متى ستظل لغة الترحيب التي لا نفتأ نُطلقها عقب كل خطاب ثم الإحباط الذي يعقب الترحيب وكأننا لا نتعلم.
وحقيقةً لم أكن أنوي أن أُدلي بدلوي في هذا الشأن، خاصة أنني شخصياً مللت هذه الخطابات الإنشائية التي لا طائل من ورائها، إلا أن موقفاً قد يبدو بسيطا حدث للرئيس الأمريكي باراك أوباما حينما كان مغادراً سفارة بلاده لدى دبلن مستقلا سيارته الكاديلاك المضادة للقذائف والتي يمكنها صد الصواريخ والقنابل وحماية الرئيس من أي هجوم بالمتفجرات أو حتى بالأسلحة الكيميائية ووقوع المفاجأة غير المتوقعة للسيارة الفارهة المصفحة التي علقت بمطب أمام البوابة تتجاوزه السيارات كلها إلا سيارة الرئيس وإسراع الحرس الرئاسي بتطويق السيارة وحجب الرؤية عنها ليتسنى لأوباما مغادرة السيارة العالقة واستقلال سيارة أخرى. هنا مع توارد هذه الخاطرة في ذهني وجدت نفسي أخرج قلمي لأُكمل مقالات سابقة كان هدفها أن أؤكد أن أمريكا ليست الاستثناء والقوة الخارقة أو الدولة دون أخطاء وأنه لا خير على الإطلاق يمكن توقعه من أي رئيس أمريكي أو غربي تجاه عالمنا العربي ما لم نملك قوى ضغط لأخذ حقوقنا، رغم أن الكثيرين لديهم قناعة تامة لا تتبدل بالقوة الأسطورية لأمريكا وشعبها وقدرتها على جلب أو استرجاع حقوقنا.
ثم إن الولايات المتحدة نفسها لم تعد كالسابق وها هو صندوق النقد الدولي يعلن ان القوة الشرائية للصين سوف تتجاوز نظيرتها للولايات المتحدة في عام 2016 (Purchasing power parity)، وهي طريقة تستخدم على المدى الطويل لقياس التوازن بسعر الصرف بين عملتين وتحقيق المساواة بين العملات، وكثيراً ما تستخدم لمقارنة مستويات المعيشة من بلدين أو أكثر.
وبالعودة إلى خطاب أوباما عن رياح التغيير والذي ألقاه حول السياسة الأمريكية حيال التغيرات السياسية الجذرية في ربيع الثورات العربية، نجده خطاباً يمكن وصفه بأنه مثل العطر، جميل أن تشتم رائحته ولكن لا يمكن أن تشربه وهذا هو ملخص السياسة الأمريكية حيالنا.
أراد أوباما من خلال الخطاب تعديل وجهة السياسة الأمريكية لتلمس وتر الشعوب بدلاً من الأنظمة السلطوية الحليفة، ولعل الرئيس الأمريكي – ربما عن قناعة شخصية – وصل إلى تقييم بأن الصراع هو لب مأزق الولايات المتحدة في المنطقة ومفتاح البداية الجديدة، فتحدث عن دولة فلسطينية ذات سيادة منزوعة السلاح على حدود الرابع من يونيو 1967 في ظل مبادلات للأراضي باعتبار ذلك أساس المفاوضات بين الجانبين، وهو الموقف نفسه الذي عبر عنه من فوق منبر الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، ولكن هذا الكلام لم يحتمل أكثر من يومين ليتبدل.
ولعلنا نتذكر عندما صرح نتانياهو لصحيفة التايمز في بداية شهر مايو 2011 بأنه مستمتع بالربيع العربي، لأنه لن يفعل أي شيء وأن من الأسباب عقد اتفاق فتح وحماس، وأن مصر تحتاج عدة سنوات للعودة إلى التأثير على السياسة الخارجية، وسوريا فيها قلاقل فعلية، وعندما يعرض اوباما خطته يحاربها ويتفاوض عليها، والى ذلك الوقت عليه أن يجلس ويتمتع برائحة زهور الربيع الجميلة.
وهو بذلك يطبق نظرية والده، ووالد بنيامين نتنياهو شخص يستحق المعرفة هو بنزيون نتنياهو، مؤرخ ألف كتاباً عن السكرتير الأسبق لزئيف فجابوتنسكي، القائد الصهيوني المقاتل والذي تتلخص عقيدته تجاه العرب في «لا تفعل شيئا»، فعاجلا أو آجلا في رأيه سيملُّ العرب من القتال وستبرز قيادة معتدلة، ثم سيعمل العرب واليهود معا، وحتى يأتي ذلك اليوم السعيد فإن المسار الوحيد للتوصل إلى اتفاق في المستقبل هو الرفض التام لأي اتفاق الآن، وهو ما يطبقه نتنياهو.
وبالفعل أعلن بنيامين نتنياهو رفضه لفكرة الانسحاب إلى حدود عام 1967، كما جاء في خطاب الرئيس الأمريكي – وهو النص العربي الذي يتمسك به المفاوض العربي – ودعا نتنياهو في بيان صادر عن مكتبه بعد خطاب الرئيس الأمريكي إلى تأكيد التزامه “بالضمانات” التي سبق للرئيس الأمريكي جورج بوش أن قدمها عام 2004 إلى إسرائيل بهذا الصدد.
لم يتعرض رئيس أمريكي إلى إهانة منذ إهانة الرئيس السوفيتي خروشوف إلى الرئيس الأمريكي أيزنهاور عندما رفض الاعتذار في غرف الاجتماعات المقفلة عن اختراق طائرة التجسس يو 2 المجال السوفيتي، ففجر الرئيس السوفيتي الخلاف أمام العالم اجمع، ليأتي نتنياهو بالإهانة الثانية ويلقى محاضرة على الرئيس الأمريكي في المكتب البيضاوي وأمام شاشات التلفزيون لكي يشاهد العالم اجمع ذلك التوبيخ، وبعد ذلك بيومين فقط ذهب إلى مقر ايباك اللوبي الإسرائيلي لسحب أقواله، والتصريح حسب أقوال ثلاثة رؤساء وزراء إسرائيل وهم اسحق رابين وايهود باراك وايهود اولمرت.
لا يمكن إنكار أن نتنياهو قام بصفع الرئيس وإذلاله في المكتب البيضاوي. وهذه ليست المرة الأولى التي يتراجع فيها اوباما عن المطالبة بوضع حد لبناء المستوطنات، ما حدا بمفاوض السلام في الشرق الأوسط جورج ميتشل إلى الاستقالة.
ولكن ما الذي جعل نتينياهو يقوم بما قام به والرد الفوري وهو أكثر رئيس إسرائيلي يعرف السياسة الأمريكية، علما أن الدرس الأول لكل رئيس وزراء جديد هو انه توجد مواضيع يجب الصمت عنها، والدرس الثاني هو عن حجم الدعم الأميركي العسكري والسياسي الاقتصادي لدولة إسرائيل وأنه بدون أميركا لا وجود لإسرائيل.
البعض يعتبر ما حدث لم يكن سوى بدء حملة انتخابات إسرائيلية. فنتنياهو سوف يُسمع الناخبين كيف دافع عن إسرائيل أمام من يريد تحجيمها. وقد تهرب من انسحابات وتنازلات سابقة أيام ولايته الأولى أمام الرئيس كلينتون عندما فرضوا عليه اتفاق الخليل ثم اتفاق واي، فنتنياهو يتفاخر بأنه التف على اتفاقات أوسلو وضاءل الأضرار التي أحدثتها، وأنه نقل 2 في المائة فقط إلى الفلسطينيين. وكما ذكر في كتابه الشهير “موقع تحت الشمس” فلم يُغير نتنياهو شيئا من مواقفه الأساسية التي ما يزال متمسكاً بها. فهو يرى أن “الأردن هو الدولة الفلسطينية الحقيقية؛ وان دولة فلسطينية الضفة الغربية وغزة هي كارثة إستراتيجية وسكانية فظيعة؛ وأن النزاع لا يقبل الحل؛ وان الزمن يعمل في مصلحتنا في الحقيقة”، بل أن الصياغة لم تتغير.
وبكل أسف فأعضاء مجلسي النواب والشيوخ الأمريكي صفقوا بحرارة لنتنياهو وقوفا وقعودا، كانوا يصفقون للرجل الذي أهان الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض وأمام عدسات العالم، وقد يكون اوباما نفسه ليس قد تفهم فقط بل اقتنع بان أي مواجهة محتملة لرئيس أمريكي أمام إسرائيل فالرئيس فيها هو الخاسر الأول، وهنا نتذكر عندما اصطدم سابقه بوش بشارون حول مسألة توسيع المستوطنات كان بوش هو الخاسر، ولم يكرر ذلك أبدا حتى خروجه من البيت الأبيض.
الخلاصة
ليس جديداً أن الإدارة الأمريكية تتعامل بشكل انتقائي مع العديد من القضايا وتنتهج سياسة منافقة، ففيما يتعلق بأحداث المنطقة تركز الولايات المتحدة وتكثف جهودها وتعطي صورة غير واقعية عن الأحداث في بعض الدول، في حين تلتزم الصمت حيال الجرائم التي ترتكب في مناطق أخرى، وبكل أسف عندما تأتي الحقوق العربية نجد أن اللغة ضد مصالحنا واضحة وان الاعتبار الأول في كل ذلك هو للمصالح الإسرائيلية في المنطقة، وقد قال الرئيس الأمريكي “أنا واثق بأنه من الخطأ أن يسعى الفلسطينيون للحصول على اعتراف بدولتهم أمام الأمم المتحدة بدل الجلوس إلى طاولة الحوار مع الإسرائيليين”.
ختاماً
أتمنى أن يُزيل تصريح نتنياهو اللبس لدى الكثير من العرب والمسلمين، حيث أعاد مشكوراً كشف الوجه الحقيقي لأمريكا ومؤسساتها أمام العالم بأسره،
حيث تراجع اوباما عن مطالبته بدولة فلسطينية في إطار حدود عام 1967 بعد يومين فقط من تصريحاته وتأكيده ذلك. كما يجب أن ندرك أن السبيل الأوحد لنيل حقوقنا الثابتة في الحرية والكرامة والسلام العادل هو الاعتماد على ذاتنا وما نملك من طاقات خلاقة هائلة، وألا نحيد عن أهدافنا مهما كانت التضحيات.

Leave a Reply