الزراعة بمصر.. إغراءات ومعوقات

Posted

in

by

الزراعة بمصر.. إغراءات ومعوقات 

تركي بن فيصل الرشيد

 

تتميز جمهورية مصر العربية بوفرة الأراضي الزراعية الخصبة وتتوفر بها مياه الري ( نهر النيل وروافده ومياه الأمطار والمياه الجوفية ). كما وتتميز بتنوع المناخ وبذلك فهناك تنوع في الغطاء النباتي وكذلك توفر الظروف المناخية لنمو طبيعي لغطاء نباتي متعدد ويسمح أيضاً بزراعة أنواع مختلفة من المحاصيل الزراعية ( الحقلية والبستانية ).

على الرغم من توفر البيئة الصالحة لزراعة مختلف المحاصيل إلا أن الاعتماد على الزراعة اليدوية وتعثر المشاريع الزراعية الحكومية والأهلية خلق سلبيات كثيرة منها.

ضعف العناية بالمحصول وبالعمليات الزراعية من تحضير الأرض والتسميد.

عدم استخدام الرشاشات المحورية واستغلال المياه الجوفية بحيث يمكن ري المحصول في حالة شح الأمطار أو تذبذبها. وعند المقارنة بين الزراعة اليدوية والري الحديث من ناحية العائد النقدي، في الولايات المتحدة نجد 16% من جميع المحاصيل التي تم حصادها زرعت في أرض مروية بأجهزة ري فقط وهذه المساحة المروية تدر دخلا يعادل نصف دخل جميع المحاصيل المباعة في أمريكا.

• عدم استخدام الميكنة الكاملة في الزراعة والتسميد ورش المبيدات والحصاد والتقشير والنظافة والتدريج والتعبئة. عدم وجود خطة لتحسين البذور وعدم إدخال أصناف حسنة.

ثم أن هناك أيضاً توقعات متشائمة: وقد كشف تقرير أصدرته وزارة الزراعة الأمريكية أن مصر قد تواجه مأزقاً في استيراد القمح عام 2016، عندما تتوقف السعودية عن زراعة القمح نهائياً وتعتمد بشكل كامل على استيراد احتياجاتها.

وأوضح التقرير أن مصر باعتبارها ثاني أكبر مستوردي القمح في العالم، ستتأثر باستحواذ السعودية على جزء كبير من سوق القمح العالمية. وقد أفاد تقرير حكومي في مصر أن “الأمن المائي”  أصبح مهدداً للزيادة السكانية التي هي نتاج لبرامج الإصلاح البيئي والصحة الوقائية والتقدم الطبي والتي انخفضت معها أعداد الوفيات وزادت معها أعداد المواليد في نفس الوقت.

إن حصة مصر من مياه النيل 55.5 بليون متر مكعب إضافة إلى مشاريع المياه المنفذة والتي كلفت مصر 35 بليون جنيه خلال الأعوام الماضية لن تمنع حدوث ندرة لو ظلت الزيادة السكانية عند معدلاتها بحلول عام 2030.

مصر بحاجة إلى شركات عملاقة للاستغلال الأمثل للأرض الزراعية، فالأراضي الصالحة للزراعة تحتل مناطق شاسعة خاصة بعد أن تعهدت الدولة بإنشاء مناطق زراعية كبرى جديدة ولكنها للأسف لم يقبل عليها المواطن المصري ولم يتحمس لها المستثمر الخارجي ولم تتعهد الدولة نفسها بمشاريع عملاقة بها.

أحد أفضل الحلول للتغلب على تلك الصعوبات هو إنشاء شركة زراعية مساهمة كبرى متخصصة من صفوة المستثمرين السعوديين والمصريين. وسوف يتعثر ذلك حسب قانون التمليك الآن وهو أن الدولة تبيع الفدان بسعر 50 جنيهاً بشرط إثبات الجدية من المستثمر ويقوم المستثمر ببناء مشاريع عملاقة وتوظيف آلاف الأيدي العاملة ثم يأمل أن تقوم الدولة بتمليك الأرض بالسعر المتفق عليه أصلا.

فوجود استثمار كبير يعني خلق فرص عمل كثيرة مباشرة لقطاع كبير من الشعب المصري الذي تتكون أغلبيته من المزارعين إضافة للعدد الهائل من الخريجين الزراعيين المؤهلين وذوي الخبرة خصوصاً العائدين من السعودية.

تفعيل لدورة اقتصادية كاملة نظراً إلى زيادة الطلب على المستلزمات السلعية والخدمية والتي يؤدي تنشيط الطلب عليها إلى تحريك قطاعات راكدة أو إنشاء قطاعات جديدة.

إيجاد مصادر الدخول وارتفاع مستوى المعيشة يحيي المناطق السكانية المحيطة والقريبة من المشاريع ويشجع موردي الخدمات من التواجد بها. ويسهل ذلك من تمركز الخدمات الحكومية لتلك المناطق عوضاً عن الانتشار العشوائي.

التوطين بالمناطق الحدودية النائية يحد من مظاهر العنف والتطرف ويؤمن مصادر دخل لسكان تلك المناطق تغنيهم عن الانجذاب لمغريات ضارة وزائفة تدفع الدولة حاليا مبالغ طائلة لمحاربتها.

استقطاب قطاع كبير من البشر يخفف من الضغط السكاني على المدن الكبيرة ويساهم مساهمة كبيرة في تدعيم الاستقرار واستتباب الأمن. تغطية حاجة السوق المحلي والتصدير للأسواق العربية والأجنبية.

التخفيف من وطأة النكبات الاقتصادية.. فبوجود مشاريع زراعية عملاقة يكون من المستبعد وجود خناق واختناق وقتل كما حدث مؤخراً من أجل الحصول على رغيف خبز.

وتوفر الإمكانات الآلية يعني إنتاجاً غزيراً يغطي الحاجة المحلية ويوفر فائضاً للتصدير. الاكتفاء الذاتي والاستغناء عن الاستيراد مما يوفر ويخفف الضغط على النقد الأجنبي. الالتزام بالمواصفات العالمية وزيادة القدرة التنافسية وجلب العملات الصعبة.

مصر بحاجة إلى شركات عملاقة للاستغلال الأمثل للأرض الزراعية، فالأراضي الصالحة للزراعة تحتل مناطق شاسعة خاصة بعد أن تعهدت الدولة بإنشاء مناطق زراعية كبرى جديدة ولكنها للأسف لم يقبل عليها المواطن المصري ولم يتحمس لها المستثمر الخارجي ولم تتعهد الدولة نفسها بمشاريع عملاقة بها.

الخلاصـة:

مصر بحاجة إلى شركات عملاقة للاستغلال الأمثل للأرض الزراعية، فالأراضي الصالحة للزراعة تحتل مناطق شاسعة خاصة بعد أن تعهدت الدولة بإنشاء مناطق زراعية كبرى جديدة ولكنها للأسف لم يقبل عليها المواطن المصري ولم يتحمس لها المستثمر الخارجي ولم تتعهد الدولة نفسها بمشاريع عملاقة بها.

المساحة المستغلة حاليا ًتشكل نسبة ضئيلة بالمقارنة بالمساحة الكلية الصالحة للزراعة. وهناك فجوة غذائية وحاجة ماسة لمحصول القمح وهو محصول استراتيجي تستورد مصر منه كمية لا يستهان بها سنوياً مما يشكل عبئاً على مخزون مصر من العملات الصعبة.. هذا بالإضافة إلى أن الأمر لا يخلو أيضا من سوء النوعية المستوردة التي ذكر في مرات سابقة أنها غير صالحة للاستهلاك الآدمي.

استمرار البقاء في أسر الاستيراد.. ورداءة النوعية.. وعبء التكلفة.. والحاجة إلى الغير.. والضغط على مخزون الدولة من النقد الأجنبي كل ذلك لا يتفق مع وفرة المساحات الخصبة الصالحة للزراعة.. ضرورة الاستفادة من توفر الكفاءات والخبرات المصرية التي تظل في معظمها طاقات معطلة والتي بالضرورة تستوعبها مشاريع عملاقة كالتي نقترح تأسيسها.

مثل هذه الرؤى وهذه النية يجب أن تذلل لها كل عقبات الاستثمار وشروط الملكية وليس أن تلقى إلى اللجان ذات الممارسات المنفرة للمستثمر المحلي والدولي وقد قيل سابقاً إنه إذا أردت أن تقتل موضوعاً فاعهد به إلى لجنة. ومن الخطأ الشائع أن يكون معيار الجدية هو اللجان الزراعية.

ولعل ما حدث بأراضي الخريجين يعتبر إحدى مآسي تلك اللجان حيث منح الخريجون أراضي “بور” بسعر تشجيعي ثم بعد أن استصلحوها على نفقتهم طالبتهم اللجان بسعر جديد للأرض وكأنها باعتهم أرضاً مستصلحة.

النتيجة أن اللجان قتلت مشروع الخريجين وأخافت المستثمرين وأفشلت كل إغراءات الاستثمار الزراعي بمصر. فمن أجل بداية عاجلة ناجحة دعونا نتخط العقبات والله الموفق.

نشر في جريدة الوطن الاثنين الموافق 19 مايو 2008م العدد (2789)

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *