العلاقات الأمريكية والشرق الأوسط الجديد
بقلم تركي بن فيصل الرشيد
هناك مقدمات تنبئ عن تغيرات جذرية في دول الشرق الأوسط بما تتضمنه من ميلاد ديمقراطيات جديدة في المنطقة وواشنطن في مواجهة هذا لا تستطيع المواجهة أو حتى تغيير رياح الديمقراطية التي بدأت تهب على العالم العربي
عند محاولة إلقاء نظرة تاريخية على المجتمعات العربية نجد وكأنه قُدّر لها أن تظل تحت السيطرة من قِبل قوى خارجية عدة منذ آماد بعيدة، من المغول ثم الإمبراطورية العثمانية التي حكمت لعدة قرون قبل أن يعلن العرب عام 1916 في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام تمردهم عليها، حيث وعدتهم بريطانيا بالاستقلال وإقامة دولة عربية موحدة تضم شبه الجزيرة العربية والشام بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى مقابل الانتفاض ضد الأتراك، وبالفعل استطاعت القوات العربية الثائرة أن تستولي في أقل من ثلاثة أشهر على جميع مدن الحجاز الكبرى باستثناء المدينة المنورة التي بقيت محاصَرة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وانتهت الحرب بانتصار الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا التي تنكرت لكل وعودها للعرب، وقامت هي وفرنسا بتقسيم الدول العربية فيما بينهما بموجب اتفاقية سايكس بيكو، وخصصت فلسطين لليهود ليقيموا عليها دولتهم.
وبعد انهيار الإمبراطوريات الأوربية حلت مكانها واشنطن وموسكو التي استمرت المنافسة بينهما حتى كان الانهيار الشيوعي وبقاء امريكا قطباً أوحد للعالم، ولكن مع غرق الولايات المتحدة في بحر من الديون والكساد الاقتصادي ودخول واشنطن في حربين خاسرتين مع فقدان ثقة المستثمرين فهناك احتمال يتنامي بألا تظل الولايات المتحدة على رأس الهرم وحدها، بل لم يبق من داعم للدولار الآن سوى استمرار الدول الخليجية في ربط تسعير وبيع البترول بالدولار، كما ساهم فشل إدارة أوباما بإظهار حقيقة قتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة في كارثة علاقات عامة واهتزاز النظرة الى العملاق الامريكي.
ومن نافلة القول أن المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة الامريكية تظل غالباً ثابتة بينما ما يتغير وفقا للظروف والمتطلبات هو السياسة التي تصل من خلالها إلى هذه الاستراتيجيات.
كما تعلم الولايات المتحدة الأمريكية أنها اليوم ليست كما كانت قبل سنوات حين كانت القوة المهيمنة الوحيدة على العالم عامة وفي منطقة الشرق الاوسط بخاصة، وقد أثّرت في ذلك عوامل أخرى غير ما سبق ذكره جسّدت هذا التغيير كالتطور الكبير في الاتصالات وبروز قوى مؤثرة ضد القوى الأمريكية مثل الصين وإيران وتركيا والسعي المصري ما بعد الثورة لاستقلالية القرار بإقامة علاقات مع إيران وحماس وإنْ كان من المبكر التأكيد على ذلك فالثورة في بدايتها ومخطئ من يتيقن جازما نجاحها وسيرها نحو أهدافها.
كل هذا يصبح مقدمات لظهور تغييرات جذرية في دول الشرق الأوسط بما تتضمنه من ميلاد ديمقراطيات جديدة في العالم العربي مع عدم إمكانية لجوء العالم العربي إلى حماية من دول خارجية، وواشنطن في مواجهة هذا لا تستطيع المواجهة وتغيير رياح الديمقراطية التي بدأت تهب على العالم العربي، ولكنها تحاول أن تشكل هذا التغير لكي يخدم مصالحها، وإن كان تغيرا متسارعا لم تتوقعه امريكا أو تعد له العدة، إذ تمت ثورتان سلميتان في تونس ومصر على حين غرة من حكامهما، فضلا عن تمرد ضد حكم القذافي في ليبيا وبشار في سوريا واستمرار التمرد في اليمن، ومناوشات في الجزائر والمغرب والبحرين وعمان والأردن.
إن الولايات المتحدة الآن كما تصور كتابات أغلب كتّابها تعيد النظر مرة أخرى في تعاملها مع الشرق الاوسط، فأمريكا أدركت تحت رئاسة جورج دبليو بوش وباراك أوباما أن دعمها غير المشروط للطغاة قد ولّد حركة متطرفة إرهابية معادية للولايات المتحدة، لذا أصبح دعم الولايات المتحدة لأكثر الأنظمة العربية مؤقتا وغير ثابت.
ولقد ذكرت منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي لأوضاع حقوق الإنسان في العالم لعام 2011 أن الاحتجاجات التي انتشرت في جميع العالم العربي للمطالبة بإنهاء القمع والفساد تسلط الأضواء على الرغبة العميقة لدى شعوبها في التحرر من الخوف والعوز وإعطاء صوت لمن لا صوت لهم.
ورأت المنظمة أن المطالب المتزايدة من أجل الحرية والعدالة في المنطقة وصعود وسائل الاتصال الاجتماعية قدما فرصة غير مسبوقة لتغيير حقوق الإنسان، بل اتهمت حكومات ليبيا والبحرين وسورية واليمن بضرب وتعذيب وقتل المتظاهرين السلميين للبقاء في السلطة.
الخلاصة
في اعتقادي انه قد تنجو بعض هذه الدول القمعية من التغيرات الكبرى مؤقتا، ولكن انتهاج اسلوب القمع والقوة المفرطة واشاعة الانقسام بين طوائف المجتمع والاعتماد على قوات خارجية لا أتوقع أن يحقق الاستقرار طويل الأجل للبلاد. ومختصر القول إن كثيرا من الأنظمة العربية هذه الأيام بحاجة ماسة إلى الكثير من الدبلوماسية والقليل جداً من الحلول الأمنية إذا أرادت أن تتجاوز أزماتها، وخلال السنوات القادمة ومهما كانت النتيجة في ليبيا وسوريا واليمن والبحرين فسوف تبدو هذه الأماكن مختلفة جدا.
كما تبدو خطوة المغرب بدعم من الاتحاد الأوربي خاصة ملك اسبانيا خوان كارلوس – الذي نقل اسبانيا من حكومة عسكرية مركزية إلى مملكة دستورية ديمقراطية – بمحاولة القيام بتجربة إصلاح حقيقي وقائي، حيث اقترح الملك التخلي عن الكثير من صلاحياته لرئيس وزراء منتخب خطوة على الطرق الصحيح، وإن تم تنفيذها فقد تنجو المغرب من مخاطر وتغيرات كبيرة تشهدها المنطقة العربية.
ختاماً
كانت الولايات المتحدة عام 1975 متحالفة بشكل وثيق مع أغلب الدول الكبرى في المنطقة كإيران ومصر وتركيا والتي نتبين اليوم أن العلاقات مضطربة مع كل واحدة منها والسبب كان تركيز الولايات المتحدة مع هذه الدول على علاقاتها مع الأنظمة المتحالفة مثل تلك العلاقة مع شاه إيران ونظام السادات وحسني مبارك في مصر والقيادات العسكرية التركية التي لم تتمكن من الصمود في وجه رياح التغيير التي تعصف بالمنطقة.
الآن تحاول واشنطن أن تقيم تحالفاتها مع الشعوب التي تطمح إلى ديمقراطية أكثر حيث تكون علاقاتها أكثر واقعية وأكثر استقرارا.
إن انتقال الدعم والتعاون من الزعماء والحكام في العالم العربي إلى الشعب ستكون رحلة صعبة ولكن ضرورية وحيوية لكي لا تنقلب الغالبية العظمى من سكان الشرق الأوسط كلياً ضد الولايات المتحدة ثم تُطرد من المنطقة، وسيكون ذلك بداية نهاية إسرائيل حسب تصريح مستشار الأمن القومي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي.

Leave a Reply