ملامح العقد القادم
بقلم تركي فيصل الرشيد
مع كون ربيع الثورات العربية بدأ خالصا إلا أن أنانية أنظمة استبدادية واستعدادها للتضحية بوحدة الوطن وبدماء الشعب من أجل بقائها في السلطة ووحشيتها في استعمال القمع يفتح الباب واسعا أمام تدخل قوى أجنبية بشكل علني أو ضمني كما هو حاصل الآن في ليبيا واليمن
تشكل السنوات العشر المقبلة وفقاً للمعطيات العالمية والإقليمية والمحلية التي بين أيدينا في الغالب هي مرحلة انتقالية واسعة النطاق على جميع المستويات خاصة في عالمنا العربي الذي يشهد حالة من الحراك غير المسبوق ينتقل من بلد لآخر بما يوحي بتأثيرات وتغيرات واسعة على المدى القريب.
ولا شك ان المتأمل للموقف عالميا يتبين له أن الولايات المتحدة ليست هي نفسها بالأمس، فهي الآن تغرق ماليا وتتهاوى استراتيجيا مع تصاعد قوى اخرى كالصين والاتحاد الأوربي وعودة روسيا, فصارت أقرب في حالتها إلى موقف الإمبراطورية البريطانية في بداية القرن الماضي، وقد ركز بعض الخبراء على حاجة الولايات المتحدة للحفاظ على موازين القوى او كما يصفونها نقطة التوازن الحرجة في محاولتها للبقاء كقطب أوحد للعالم .
أما إسرائيل والتي تمثل أهمية كبرى للولايات المتحدة والعالم الغربي منذ الحرب الباردة، والفوائد التي عادت عليهم من ورائها كبيرة, فالملاحظ اليوم أن هذه المصالح انخفضت في حين ارتفعت التكاليف بما يؤشر الى إعادة تقويم هذه العلاقة وبما قد يُفقد إسرائيل الكثير من امتيازاتها الحالية، ولا ننسي في هذا السياق تحديداً الاشارة الى ان كثيرا من الانظمة العربية قد استعملت بكفاءة عالية خلال القرن الماضي حالة الحرب مع اسرائيل كتبرير لمصادرة الحريات وتقديس الحاكم أو القائد.
عموما على المستوى العربي فالمتوقع سياسيا تزايد حدة المواجهات بين كثير من الأنظمة الحاكمة وبين شعوبها في العالمين العربي والإسلامي، والخشية كل الخشية أن يصبح الإرهاب وانعدام الأمن الشخصي في الحياة العامة أمراً يجب تعلم التعايش معه، بينما على المستوى الاقتصادي فسننتقل من فترة الأزمات المالية التي تهيمن على العالم إلى أزمة نقص العمالة الماهرة.
ومع هذه الازمات السياسية والاقتصادية يتبلور سؤال محوري أمام كل قائد وهو كيفية أن يكون قائدا واعيا في مواجهة هذا العقد المليء بتحديات غير عادية، ومقدراً ان القرارات المتخذة ستكون لها عواقب وآثار كبيرة خلال العقود المقبلة من القرن الحالي مع ملاحظة أن الأرضية الأخلاقية لمثل التبريرات المرتبطة بحالة الصراع مع اسرائيل وعلاقتها بمصادرة الحريات وتأليه الحاكم قد انتهت وزالت بفشل تلك الأنظمة في تحقيق أي انجاز حقيقي في الصراع مع إسرائيل، وعليه فالأولوية كانت دائماً لسلامة وبقاء النظام وليس الخوض في صراع قد يضع النظام أمام خيارات لا يريدها، ومع ذلك بقيت تلك الأنظمة على إصرارها في التعامل مع حقوق الشعب في الحرية والديمقراطية باعتبارها ترفاً لا داعي له، كون الأولوية هي لمتطلبات الصراع النظري لتلك الأنظمة مع إسرائيل، وفي هذا الصدد تقف سوريا كمثال صارخ على ما نقول.
إن العالم العربي في عصر ما قبل الثورات الشعبية مختلفٌ عنه في عصر ما بعد الثورات، يتنامى احساسه بالقهر والظلم الاجتماعي والفقر، كما أن الأوضاع الحالية بسبب الإنترنت ووسائلها كالفيس بوك والتويتر واليوتوب وفرت لشباب الثورات الشعبية العربية الانتقال من الفعل الفردي إلى عصر الفعل الجماعي والإرادة الجماعية، وأسس كل ذلك لحالة ذهنية جماعية مشتركة، كما ساهمت الثورات الشعبية أو ما يطلق عليه الربيع العربي في تحسين صورة الشعوب العربية لدى الرأي العام الداخلي والمتوقع انعكاسه ايجابيا على صورتها الخارجية.
يدعم ذلك بشائر ما يتحقق بمصر وتونس من السير على الطريق الصحيح لبناء مجتمع مدني لا يطمح إلى بناء حاكم ديكتاتور نظيف وما يبرز من عودة القاهرة من جديد كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط. وإذا ما نجحت مصر في إعادة فرض نفسها كما فعلت تركيا فإن لديها من الأوراق ما يجعلها تستطيع تغيير موازين القوى في المنطقة. ويشير كثير من المحللين الى ان من مصلحة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن تكون هناك حكومة في القاهرة تلتزم بالمعاهدات مع إسرائيل لكن لا تكون كنزا استراتيجيا لإسرائيل .
أما تونس فابتدأت ثورتها وانتصرت عربية خالصة من دون أي تدخل أجنبي. لكن فيما يتعلق بشرعية التمثيل فقد أدى عدم وجود قيادة للثورة التونسية من جهة والانخراط المتأخر للأحزاب السياسية في الثورة من جهة أخرى، إلى عدم وجود ممثل وحيد يفاوض باسمها ويرسم ملامح الإصلاح السياسي، فتعددت الأطراف التي تتكلم باسم الشعب وتدعي تمثيله كما اختلفت رؤياها بشكل كبير.
وفي نهاية المطاف ومع كون الربيع العربي بدأ خالصا الا ان أنانية أنظمة استبدادية واستعدادها للتضحية بوحدة الوطن وبدماء الشعب من أجل بقائها في السلطة ووحشيتها في استعمال أدوات القمع يفتح الباب واسعا أمام تدخل قوى أجنبية بشكل علني أو ضمني كما هو حاصل الآن في ليبيا واليمن وقد نراه في سورية والسودان. وهذا بدوره قد ينقل ثورة العرب من كونها قضية عربية خالصة إلى موضوع دولي بتدخل أجنبي سافر أو مستتر، سواء تحت غطاء الشرعية الدولية أو من خارجها. وهذا قد يفتح شهية القوى الدولية للعب دور محوري في قضايا الوطن العربي وفي إدارة شؤونه والتحكم بمستقبله وثرواته.
عموما الذي اعتقده ان الانظمة العربية التي تجابه شعبها في هذه اللحظة في ليبيا او اليمن او سوريا قد حُكم عليها بالفناء، وشعوبها لن تتوقف إلى أن تأخذ حريتها برغم من المصاعب الكبيرة التي سوف تواجهها للحصول على حقوقها من قبل فئة دموية منتفعة تسعى للحفاظ على امتيازاتها ولن يزيدها طغيانها واسرافها في القمع الا تردياً وخبالاً، وخوفي الاساسي هنا يتمحور حول الشعوب التي تكثر فيها القبائل ولا يوجد للمجتمع المدني دور يذكر فيها مثل اليمن تحديدا.
الخلاصة
الديمقراطية العربية ستكون لها سمتان، السمة الأولي هي دور أكبر للشريعة الإسلامية، والسمة الثانية هي أن الديمقراطية ستشهد مرحلة تحول ليبرالية وثقافية تسمح بتمثيل كل التيارات وخاصة المرأة والأقليات.
وعلى رغم ما ذكره تقرير الصندوق الدولي المنشور في ابريل 2011 من أن “هناك أوجه عدم يقين متعددة بشأن مستقبل منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى”، فإن لدى المنطقة كثيرا من مواطن القوة التي يمكن أن يُبنى عليها، فهنالك شباب ديناميكي يمثل قطاعا عريضا من السكان وهنالك موارد طبيعية ضخمة وسوق إقليمي كبير وموقع جغرافي متميز وقدرة على النفاذ إلى الأسواق الرئيسية.
خاتما
نحن نعيش الآن فترةً غاية في الإثارة، والفرصة متاحة للجميع للمساعدة والمشاركة في التأثير على مجرى حياتنا ومستقبلنا للقرن القادم والفضل يعود الى ثورة تقنية الاتصالات. وكل هذه المقومات من الموارد البشرية اضافة الى الكفاءة في استعمال الموارد الطبيعية كل هذا مضروب في الإرادة هي جزء من معادلة القوة فهل نستطيع أن نكوّن إرادة جماعية للنهوض بالأمة؟! أرجو من الله.

Leave a Reply