الكونفدرالية الخليجية… هل ترى النور قريبا؟

Posted

in

by

الكونفدرالية الخليجية… هل ترى النور قريبا؟

بقلم : د. تركي فيصل الرشيد

 

 

ليس في صالح القوى العالمية أن يتحقق التكامل بين دول المجلس وكم فشلت تجارب وحدوية عربية سابقة تحت وطأة الضغوطات الخارجية وسعيها إلى عدم اندماج أعضاء مجلس التعاون الخليجي في بوتقة واحدة وجاء الصمت الشعبي الخليجي حول المشروع الكونفدرالي وضعف اهتمامهم به عاملاً مكملاً في تعطيل هذا المشروع خلال الثلاثين سنة الماضية

لا جدال أن عالم اليوم تحكمه التكتلات القوية, فلا مكان للدول الصغيرة على خريطة صناعة القرار في العالم، بل على العكس دائما ما تدفع الدول الصغيرة ضريبة مصالح هذه التكتلات. من هنا يتحتم على الأنظمة الخليجية النظر في ضرورة تجميع صفوفها وأن تدرك أن توحدها هو ما سيجعل منها رقماً صعباً في المنطقة والعالم، خاصة ان مع ما تحتكم عليه من مقومات وإمكانات تمكّنها من إنجاح هذه الوحدة والتكتل كالدين واللغة والناحية الاقتصادية والموقع الجغرافي.

وفي هذا النطاق يلحظ المتابع نشاطات مكثفة وواسعة النطاق يُجريها مجلس التعاون الخليجي في محاولة لتشكيل كونفدرالية خليجية متماسكة توحد جيوش دول المجلس ومؤسساته الأمنية إثر ازدياد الترابط بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية إلا أن هذا الترابط يواجه الكثير من العقبات.

ولكن قبل الحديث عن هذه الأهمية وضرورتها وكذلك المعوقات لابد من إلقاء الضوء على معنى الكونفدرالية لغير الملمين بها أو من يظن أن فيها انتهاكا للسيادة أو ما شابه، واختصارا يمكن القول إن الكونفدرالية هي اتحاد تعاهدي أو استقلالي، عبر إبرام اتفاقيات بين عدة دول لتنظيم بعض الأهداف المشتركة بينها، كالدفاع وتنسيق الشؤون الاقتصادية والثقافية وإقامة هيئة مشتركة تتولى تنسيق هذه الأهداف، كما تحتفظ كل دولة من هذه الدول بشخصيتها القانونية وسيادتها الخارجية والداخلية، ولكل منها رئيسها الخاص بها، ويتم بموجب هذا الاتحاد تكوين مجلس مركزي يقوم بالتنسيق بين الدول الأعضاء لتوثيق العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

الكونفدرالية إذن تحترم مبدأ السيادة الدولية لأعضائها وهي في نظر القانون الدولي تتشكل عبر اتفاقية لا تعدل إلا بموافقة كل أعضائها. ولا يوجد أي اتحاد كونفدرالي بين الدول حالياً، علما أن هناك كونفدراليات تاريخية مثل ألمانيا التي تشكلت بعد الإمبراطورية المقدسة قبل توحيدها 1806 و1848، وكونفدرالية الراين 1806-1813 والتي لم يكن لها رئيس للدولة ولا حكومة، كذلك مملكة أراغون 1137-1716، والولايات المتحدة الأمريكية قبل معاهدات الكونفدرالية 1781-1789، صربيا والجبل الأسود ما بين 1982-2006، وكونفدرالية السنغال غامبيا ما بين 1982-1989، وكانت سويسرا كونفدرالية ما بين 1291 و1848 لتتحول إلى فدرالية رغم الإبقاء رسميا على اسمها “الكونفدرالية السويسرية”.

إذن بعد هذا الاستعراض لمعنى وأمثلة الكونفدرالية يجدر القول انها قد تشكل الملاذ الأقوى لحماية وتحصين دول الخليج ضد الأطماع الخارجية، فضلا عن ان التكتل في وحدة واحدة سيسهم في التنمية الشاملة لكل بلدان الخليج العربي، وسيعمل على تنشيط الأسواق الخليجية، ويُمكّن من إيجاد الحلول الاقتصادية لكثير من المشكلات التي تتعرض لها الدول وستستفيد منها كل الشعوب الخليجية من دون استثناء.

إن عالم اليوم لا يعترف سوى بالقوة بكل أنواعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتي تمثلها تحالفات واتحادات بين الدول كالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي فإن تشكيل وحدة خليجية سيعزز مكانة الدول الخليجية عالمياً ويجعل منها صوتاً مسموعاً للجميع في أنحاء العالم.

ولقد دعا البعض إلى ضرورة تطبيق المادة الرابعة من النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي، والتي تنص على الوصول للتكامل بين دول مجلس التعاون في شتى المجالات الاقتصادية والخارجية والبيئية والجمركية، تلبية لطموحات وتطلعات الشعوب الخليجية في اقتصاد موحد وسياسات نفطية واحدة، وتوحيد الجهد الأمني لتعزيز الأمن والاستقرار، وسياسة خارجية واحدة معبّرة عن الشعوب الخليجية، وإيجاد وثيقة سفر واحدة لكل أبناء الخليج وأن ترفع القيود المفروضة بين الدول، وان يتم تفعيل السوق الخليجي المشترك وإقامة مشروعات اقتصادية تخدم المنطقة بأسرها وتكون أكثر شمولية من تجسيدها في البعدين الأمني والعسكري فقط، وتخطي مسألة الحساسيات الضيقة وتقديم التنازلات المطلوبة للحصول الفوائد الجمة لهذا التكامل، فوجود الدول الخليجية كدويلات ضعيفة يجعلها غير قادرة على مواجهة التحديات ولا يجعلها فاعلة في النظام العالمي.

ولعل هناك عددا من العوامل ساهمت بل كان لها أعظم الأثر في عدم تحقق هذا الحلم حتى الآن، يقف على رأسها بكل أسف الفجوة الكبيرة بين أقوالنا وأفعالنا والتي سماها الله عز وجل في كتابه “مقتاً”، بل جعله أكبر المقت وأشدّ البغض، قال تعالى: “كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ”.

كما لا ننسى ما واجهته مسيرة مجلس التعاون الخليجية من معوقات وعقبات داخلية وخارجية، والأمثلة كثيرة كالاختلافات في الشؤون الخارجية الخليجية كقضية فلسطين والسودان واليمن ولبنان، والتناقض بين متطلبات الاندماج والتعاون وضرورات السيادة الوطنية، فالاندماج يتطلب تنازلات وتضحيات من الدول المعنية كشرط أساسي من أجل نجاحه وتقدمه، مثل مناصب وزارات الدفاع, الداخلية, الأمن, الخارجية، المالية ووزارة البترول.

كما يمثل التشابه الاقتصادي بين الاقتصاديات الخليجية والبطء في تنفيذ عملية التكامل الاقتصادي الخليجي تحدياً لعملية التكامل والإصلاح والاندماج الاقتصادي والانفتاح على العالم الخارجي والاندماج النقدي الخليجي، ويضاف إلى ذلك النزاعات الحدودية بين دول الخليج العربي مثل ما بين البحرين وقطر حول جزر حوار والمنطقة الحدودية الواقعة بين السعودية وقطر، وهذه كلها عوامل كان له الأثر الكبير في تعطيل عملية الكونفدرالية الخليجية وتحتاج الى حلول فورية من اجل السير قدما في هذا الطريق.

والحق والذي يجب علمه ووضعه في الحسبان أنه ليس في صالح الدول الكبرى والقوى العالمية ان يتحقق هذا التكامل، لذا رأى الكثيرون كيف فشلت التجارب الوحدوية السابقة في العالم العربي تحت وطأة الضغوطات الخارجية من قبل القوى العالمية والإقليمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإسرائيل، وسعي هذه القوى إلى عدم اندماج الأطراف الستة بمنظومة أعضاء مجلس التعاون الخليجي في بوتقة واحدة، وجاء الصمت الشعبي الخليجي من المثقفين والأكاديميين والنقابات والجمعيات السياسية والبرلمانات وعامة الناس حول المشروع الكونفدرالي وضعف اهتمامهم به وعدم إحساسهم بأهميته عاملاً مكملاً في تعطيل هذا المشروع خلال الثلاثين سنة الماضية.

أن التحول إلى المواطنة بحقوقها وواجباتها يجب أن يكون من أولويات التفكير المستقبلي في الخليج، فلم تعد غالبية مجتمعات دول الخليج قبلية أو طائفية، بل أصبحت مجتمعات متشابكة تطالب بالعدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون، وهو مطلب لا شك منصف ويدعم ولاء المواطنين لأرضهم وقادتهم.

الخلاصة

العالم الغربي ينظر إلى المنطقة بحجم احتياطي النفط وأمن الممرات المائية الهامة لتدفق التجارة العالمية، والغرب يمني النفس وبل البعض يصلي ألا يحدث مكروه لكي لا يدفع الثمن الاقتصادي غالياً، والذي يمكن أن ينتج من الزيادات الضخمة والسريعة في أسعار النفط عالميا، علماً انه يتقاضى ضرائب تدر على الخزينة أكثر من ما تدر الدول المنتجة، لذا فالواقع يفرض علينا بناء ومد الجسور في العلاقة الداخلية للدول الخليجية وهذا أمر له أهمية قصوى، شريطة ألا يقتصر التعاون والتكامل على المستوى الأمني فقط فالحل الأمني وحده ثبت أنه حل مؤقت ومكلف أيضاً، والاكيد أننا نحتاج الى تكامل شامل يضمن حلولا شاملة لكل مشكلات دول المجلس وحمايتها أمنياً وجغرافياً وسياسياً واقتصادياً.

خاتما

الدول الخليجية الصغيرة في حاجة لهذا الاتحاد، بسبب المخاطر التي أصبحت تتهدد المنطقة ما جعل مستقبلها على المحك وفي خطرٍ كبير، ولم يبق لها حالياً إلا أمران اثنان إما أن توافق على الكونفدرالية الخليجية وفي ذلك قوة لها وإما أن تستعد لمواجهة ما ينذر بالقضاء عليها لا قدر الله.

من جانبي أرى ان الوحدة الخليجية يمكن أن ترى النور إذا تم انتهاج الأسلوب التدريجي على جميع المحاور وتغليب المصلحة العامة والبعد عن استدعاء الانقسام المذهبي والقومي.

كما أن التحول إلى المواطنة بحقوقها وواجباتها يجب أن يكون من أولويات التفكير المستقبلي في الخليج، فلم تعد غالبية مجتمعات دول الخليج قبلية أو طائفية، بل أصبحت مجتمعات متشابكة تطالب بالعدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون، وهو مطلب لا شك منصف ويدعم ولاء المواطنين لأرضهم وقادتهم.

كاتب سعودي

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *