الاستثمار الزراعي الخارجي ضرورة… ولكن!

Posted

in

by

الاستثمار الزراعي الخارجي ضرورة… ولكن!

 

بقلم د تركي فيصل الرشيد

 

الاستثمار الزراعي في الخارج مكمل للأمن الغذائي لكن مثل تلك الاستثمارات يجب أن تخضع أولاً للتخريج القانوني حتى لا تصبح العاطفة أو الربح السريع هما المتحكم والدافع نحو الولوج في ذلك الخيار دون مراعاة المصلحة العامة

 

نحن مقبلون على أزمة غذائية عالمية تزداد يوماً بعد آخر وسيطال ضررها الجميع، خاصةً مع قفز أسعار الغذاء إلى مستويات قياسية أوائل العام الحالي وهو ما يعرقل الجهود المبذولة لزيادة الإنتاج المحلي وتحسين الخدمات المقدمة للمزارعين، وهذا ما دعا أحد المرشحين لرئاسة منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) إلى القول إن على العالم أن يتحرك إذا أراد أن يدعم الأمن الغذائي العالمي لمكافحة الجوع الذي يؤثر على 13 بالمئة من سكان الكوكب.

وليس من سبيل المبالغة القول بأن الأزمة الغذائية التي اندلعت منذ العام 2007-2008 كان سببها عقوداً من انخفاض الاستثمار في الزراعة، ما يوجب علينا – إن أردنا حلاً جذرياً – التوسع في إنتاج الغذاء من خلال الشراكة العامة والخاصة مع البيوت التجارية المحلية والعالمية وغيرها من الشركات، الذي سيساعد على تخفيف المخاطر المستقبلية على هذا الصعيد.

ولقد أدت الأزمات والاضطرابات التي تحياها دول عربية عدة إلى اشتداد المعاناة من نقص السلع الغذائية الأساسية فضلاً عما كانت تشهده بالأساس من نقص، كما تتعرض الموارد الطبيعية للأسف على الرغم من شحها إلى الاستغلال غير الاقتصادي وغير الرشيد في بعض الحالات في كثير من دولنا العربية إضافة إلى الكثير من المعوقات لعل أهمها هو ندرة موارد المياه والفقر الشديد فيها.

ورغم كل ذلك فالأمن الغذائي – ومع كل ما ذكرته من أزمة تجتاحه وارتفاع أسعار- لم يأت عليه الأسوأ بعد، ويمكن القول إنه يمر الآن بما يشبه هدوءاً نسبياً بين عاصفتين، الأولى منهما حدثت عام 2007 – 2008، حين شهدت أسعار الغذاء العالمية أكبر زيادة لها منذ 30 عاماً واجتاحت أعمال الشغب المتعلقة بالغذاء عشرات الدول، أما العاصفة التالية فمن المرجح أن تحدث في غضون بضع سنوات.

كان ارتفاع الأسعار عام 2007 – 2008 ناتجا عن اختلال هيكلي في سلسلة الغذاء العالمية وليس فقط تقلبات مؤقتة كسوء الأحوال الجوية أو أخطاء حكومية، وحقيقةً لم يتم القضاء على هذه الاختلالات، إذ لا يزال الطلب على الغذاء في ارتفاع بسبب تغير الرغبات الغذائية وارتفاع الدخول في الأسواق الناشئة.

في خضم ذلك وفيما يخص المملكة فلن أَمَلّ من القول بأننا بحاجة إلى إستراتيجية زراعية سعودية واضحة، وأن الإستراتيجية الحالية يلفها الغموض وتتعدد أوجه تفسيرها ويصعب الجزم بأيٍّ من تلك الوجوه واعتباره تفسيراً كافياً على الصعيدين الداخلي والخارجي، فلكل من مواقفها وسياساتها تفسيرات عديدة، إما لأنها مطاطة أو تبدو متناقضة أو متلونة بألوان البيئة السياسية القائمة، ومن هنا تتداخل التفسيرات والتأويلات وتتعدد النظرات لتزيد الغموض غموضاً وتجعل تصرفاتنا أغرب من الخيال أحياناً.

عندما بدأت الأزمة الغذائية وأصبحت الإمدادات الغذائية في خطر هبَّ أصحاب القرار في دولنا العربية لعمل كل ما هو مطلوب لطمأنة مواطنيهم بإجراءات تهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي، إلا انه مع الفشل الذي يحيط بمعظم الاستراتيجيات التي تبنتها الوزارات في دولنا العربية فالعذر جاهز بإلقاء التهمة على القطاع الخاص ورجال الأعمال.

هذا الحديث يحيلنا إلى استعراض الإستراتيجية الزراعية لدينا في المملكة داخليا وخارجيا في محاولة لتسليط الضوء عليها وبيان إمكانية وضعها على الطريق الصحيح فيما أرى.

لقد وقّعت وزارة الزراعة في 9 صفر 1421 اتفاقية مع معهد الملك عبد الله للبحوث والدراسات الاستشارية بجامعة الملك سعود هدفت إلى إعداد خطة مستقبلية للزراعة في المملكة، وأُعلن في حينها أن خبراء المعهد سيقومون بإعداد هذه الدراسة الهامة التي ستشمل أوجه السياسات والدراسات والنشاطات التي ستقود القطاع الزراعي إلى المستقبل بخطى واثقة ومدروسة، الدراسة كانت ستقوم بتحديث السياسات الزراعية للمملكة، وتقييم الوضع الراهن للتسويق الزراعي وإعداد الخطط المتكاملة لتطوير التسويق الزراعي على المستوى الوطني وتقييم الوضع الراهن للتصنيع الزراعي ودراسة الصناعات الغذائية التي يمكن إقامتها بالمملكة إضافة إلى أمور أخرى تهم القطاع الزراعي.

كل ما سبق جميل بل هائل، إلا أن النتيجة إلى تاريخه على أرض الواقع لا شيء، بل لم يتم الإفصاح عن الإستراتيجية إلى تاريخه، علما أن دولة فقيرة افريقية تعيش على الإعانات الدولية طبقت إستراتيجية زراعية حولتها خلال سنوات قليلة من دولة تطلب الغذاء إلى دولة مصدرة للغذاء بدون استنزاف ثرواتها الطبيعية.

أما عن إستراتيجيتنا الزراعية في الخارج فقد تم تشكيل فريق وزاري ضمن مبادرة الملك عبد الله للاستثمار الزراعي السعودي في الخارج يشمل رئيس الفريق وزير التجارة والصناعة ومدير جامعة الملك سعود مستشاراً ومعهد الملك عبد الله للبحوث والدراسات الاستشارية هو المستشار الفني لاتفاقية تقديم الخدمات الاستشارية لمبادرة الملك عبد الله للاستثمار الزراعي السعودي في الخارج. وإضافة إلى هذا الفريق قرر مجلس الوزراء تأسيس الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني، وذلك لاستكمال منظومة الأمن الغذائي الوطني، ودعم نمو الشركات الزراعية وخدمة الاقتصاد الوطني من خلال تأمين إمدادات المواد الغذائية الأساسية.

وتم تأسيس الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني شركة مساهمة سعودية قابضة برأسمال قدره ثلاثة آلاف مليون ريال مملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، لتكون الشركة ذراعا تمويلية للمستثمرين السعوديين في الخارج، ويمكن أن تشاركهم في المشاريع إلا أنها لن تشغلها بل تترك ذلك للقطاع الخاص، لأن الدولة لا تتدخل في الأمور الاستثمارية – حسب تصريح إحدى أعضاء الفريق – كآلية وذراع استثماري للحكومة تهدف إلى الاستثمار في المجال الزراعي والإنتاج الحيواني عن طريق تأسيس عدد من الشركات الإنتاجية وفق دراسات جدوى اقتصادية وفنية مجدية في عدد من الدول ذات الميزة النسبية بمشاركة القطاع الخاص السعودي ورجال الأعمال ممن لديهم الخبرة في هذا القطاع والذين أبدوا رغبتهم في مشاركة هذه الشركة في مشاريعها القادمة في الخارج.

جاءت الدعوة إلى القطاع الخاص السعودي إلى مشاركة الشركة في المشاريع المزمع إقامتها في الدول المستضيفة لاستثماراتها لإنجاحها عطفاً على ما يتمتع به القطاع الخاص السعودي من خبرة ثرية وتجربة ناجحة في هذا القطاع، وله تمثيل مباشر في مجلس إدارة الشركة بثلاثة أعضاء من واقع سبعة أعضاء، وذلك لإثراء الاجتماعات بالآراء السديدة والعملية حسب تصريح وزير المالية الذي أكد أهمية أن تكون هذه الشركة حكومية لغرض الاستفادة من الاتفاقيات الثنائية والاتفاقيات متعددة الأطراف المبرمة بين المملكة وعدد من الحكومات، وذلك لتذليل الصعوبات التي تواجه الاستثمارات ولتتمتع الشركة ومشاريعها بالامتيازات والإعفاءات من القيود الاستثمارية والرسوم الجمركية والضرائب وقيود الاستيراد والتصدير وقيود الاستقدام للكفاءات والعمالة الأجنبية، لتقوم الشركة بإبرام الاتفاقيات مع الدول المضيفة لاستثماراتها ذات الميزة.

كما تتمتع الشركة بالدعم المالي الحكومي بصفة مباشرة أو من خلال الهيئات والشركات والمؤسسات المالية التي تساهم بها المملكة في الخارج، وذلك لتمويل احتياجاتها التشغيلية والرأسمالية والبنى التحتية كبناء قنوات الري والصرف ومحطات ضخ المياه الرئيسية والفرعية، وإمدادات الطاقة الكهربائية، والمرافق العامة والخدمات المساندة اللازمة لتحقيق أغراضها بما فيها الطرق وعبارات النقل البحري والسكك الحديدية والموانئ.

وأكد وزير الزراعة أن المملكة حريصة من خلال مبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني في الخارج على الاستفادة من الأراضي الزراعية في الدول المستثمر فيها بطريقة عادلة وشفافة وأن المملكة لا تستهدف تحقيق الأمن الغذائي لها فقط، وإنما المساهمة في تحقيق تنمية زراعية في الدول المستضيفة وفي تحقيق الأمن الغذائي العالمي.

وبالفعل قام الفريق بتحديد عدة دول وعدة شروط ثم قام بزيارة هذه الدول للتباحث وأُخذت الصور وأُقيمت الاحتفالات، ثم النتيجة لا شيء سوى التغني بنجاح مستثمر في إثيوبيا حقق النجاح وسوف يكون بوابة الغذاء إلى المملكة متغافلين أن إثيوبيا دولة فقيرة جدا تعيش على الإعانات الدولية وأن مستقبل هذه الاستثمارات مربوط بمصالح القائمين الآن على السلطة وسوف يتم إلغاء هذه الامتيازات إذا حدث انتقال للسلطة غير سلمي إلى القيادة القادمة.

إن قضية الأمن الغذائي في المملكة مشكلة جوهرية بل إنها تأخذ أهمية قصوى في ظل الظروف السياسية الحالية، وتزايد السكان المطرد يتطلب تنمية زراعية متطورة ومدروسة، والاستثمار الزراعي والحيواني في الخارج يعتبر مكملا للأمن الغذائي، لكن مع كون الباب مفتوحاً على جميع الاحتمالات الايجابية والسلبية فإن مثل تلك الاستثمارات يجب أن تخضع أولاً للتخريج القانوني حتى لا تصبح العاطفة أو الربح السريع هما المتحكم والدافع نحو الولوج في ذلك الخيار الذي لا شك بأنه واعد، على ألا نربط مصيرنا به بصورة كلية، بل يجب التعامل معه كأحد الخيارات العديدة التي تحقق المصلحة.

الخلاصة

يجب أن تعتمد سياستنا الزراعية على التنمية الزراعية القابلة للاستمرار والتي تعني إدارة قاعدة الموارد الطبيعية وصيانتها وتوجيه التكنولوجيا والمؤسسات بما يضمن تحقيق واستمرار إشباع الحاجات البشرية للأجيال الحاضرة والمقبلة مع صيانة موارد الأرض والمياه والموارد الوراثية النباتية والحيوانية وعدم التسبب في تدهور البيئة إضافة لكونها ملائمة فنياً وصالحة اقتصاديا ومقبولة اجتماعيا، منتبهين إلى أن معظم الصناعات التي ضربها الركود في العالم الغني تعمل بـ 60 – 70 في المائة من قدرتها، إلا أن الزراعة تعمل بكامل طاقتها، بمعنى أن محصول الحبوب العام الماضي كان الأكبر على الإطلاق، وأن هناك القليل من الأراضي غير المزروعة الجاهزة لإعدادها للزراعة، وإذا حدثت صدمة عرض أو طلب أخرى لن يخفف نظام التجارة الزراعية الضربة.

الخاتمة

يجب تفعيل الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية وإيجاد إطار تشريعي لاستثمار رؤوس الأموال العربية وتوظيفها في الدول العربية وذلك لإيجاد مناخ أكثر مناسبة للاستثمار ولجذب الأموال العربية، فبكل أسف الاتفاقية بقيت دون تطبيق مع أن أكثر الدول العربية صادقت عليها كما بقيت محكمة الاستثمار دون عمل ولم تعقد جلسات أو ورش عمل لتفعيلها.

*كاتب متخصص في إستراتيجية التنمية الزراعية

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *