ماذا بعد ربيع الثورات العربية؟
تركي فيصل الرشيد
الأمن الوطني لا يتحقق باستخدام العصا الغليظة والإهانة وتجييش المواطنين باسم الولاء والانتماء والتحريض على دعاة الإصلاح وإنما بصون الحقوق وتحقيق العدالة وسيادة الشعب
يُبرز المشهد مع ما تعكف عليه مراكز البحث والدراسات في الولايات المتحدة والدول الأوروبية من دراسةٍ وتحليلٍ للثورات العربية التي يطلق عليها ربيع العالم العربي المعاصر مدى الاهتمام الغربي بأسباب هذه الثورات وكيفية انتشارها ونجاحها في كل من تونس ومصر وإمكانيتها في ليبيا والبحرين وسوريا واليمن ومن ثم بقية العالم العربي.
وهو اهتمام ولا شك يتعلق بالمصالح الكبرى لهذه الدول في العالم العربي، إذ لم يقتصر الامر على ذلك، بل يعمل المحللون في جامعة هارفارد أوقاتاً إضافية محاولين تحليل التأثير الاقتصادي والديني والسياسي لهذه الثورات وأثرها على التغيير الاجتماعي ودمج تلك النتائج مع خبراتهم لمعرفة آفاق العالم العربي ومدى تأثير هذه الثورات على تدفق البترول وضرورة حماية ذلك بأي ثمن مجادلين بأن إنتاج البترول سيتم وبأسرع وقت عن طريق الحكام أو عن طريق الثوار، ثم خوفهم من انتشار الإسلام السياسي والذي أثبتت الاحداث أن المظاهرات حدت من انتشار الأصولية بحسب رأي بعض المحللين.
وحقيقةً يُصعب إنكار أن المراكز البحثية والاستخباراتية فوجئت بالثورات الشعبية بعدما كانت تقدم الى المسؤولين تقارير تؤكد على استقرار الأوضاع في مصر وتونس, كما كانت القاعدة العامة عدم الاهتمام برأي العامة والمعارضة، إذ لا يهم ما يعتقده هؤلاء طالما أن التعامل مع حكام شموليين.
ومع الأسف لا ينفك حكام العالم العربي عن الدوران في فلك الدائرة الضيقة ونظرية المؤامرة والانغماس في اختيار أشنع الألفاظ والصفات لوصف المعارضة والمعارضين، مطبّقين مقولة وزير الدعاية في حكومة هتلر جوزيف بول غوبلز “اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”، ومن أشهر هذه الصفات الدائمة الالصاق بالمعارضة: مؤامرة كبيرة وراءها أعداء مجهولون، غير أمينين وأيادٍ عابثة، مريضة، حاقدة، عميلة، تجار مخدرات وأصحاب سوابق، جرذان، مقمّلون، عناصر تحركهم القاعدة، فاسدون، مجموعة من الأفراد الضالين تنشر الشر في الأرض ، يريدون تغيير أرضكم و دينكم .
يطلقون هذه الصفات ويتغافلون عن حقيقة أن أهم أسباب قيام هذه الثورات هو المطالبة بالديمقراطية والشروع في خطوات إصلاحية عبر إصلاح سياسي يعالج مشاكلهم الاجتماعية. هؤلاء المطالبون بالاصلاح لا يحملون ضغينةً لحكامهم ولكنهم يعانون مشكلات لا تسمح لهم بالتمتع بحقهم في الحياة كالنمو الهائل في عدد السكان والنزوح من الأرياف الى المدن لإيجاد فرص عمل ومستوى حياة أفضل لم تتهيأ لهم في مناطقهم فأصبحوا قوى معطلة وغيرها عشرات من المشاكل، وقد مكَّنهم وجودهم في المدن الكبرى من الاطلاع عن قرب على حجم فساد المسؤولين وعدم التوزيع العادل للثروة، كما وفرت لهم التكنولوجيا وبرامج التواصل الاجتماعي والهواتف الخلوية المعرفة والتواصل الآمن والسريع.
وصادف ذلك أن جل ممثلي النظم العربية دأبوا على إنكار وجود معارضة لديهم، متناسين أنهم لو كانوا أنبياء فسيوجد من يعارضهم، وكانوا يردّون حين يُسألون عن المعارضة في بلدانهم بأنه ليست لدينا معارضة، ومنطقهم أن المواطنين لا يبدون أي تذمر حيالهم. وفي المقابل فضلت مراكز القرار في العالم الاستقرار والهدوء على شرط الحرية والازدهار.
ولكن مع مبدأ أن المصالح الإستراتيجية والأخلاقية للولايات المتحدة والغرب لا تتغير أبداً وانما الذي يتغير هو الإستراتيجية السياسية, فقد أصبح من الأهمية بمكان أخذ الرأي العام العربي بالحسبان ووجود تنسيق او حتى اتصال مع المعارضة بعكس ما كان في الماضي عندما كان التعامل مقصوراً على حاكم مطلق الصلاحيات، ولخوف الغرب من أن وجود فراغ سياسي سوف يسده المتطرفون الإسلاميون، لذا تظل لعبة شراء الوقت على أمل تفتيت المعارضة أو انقشاع عاصفة الشعوب وظهور عوامل وظروف جديدة تساعد على الاستمرار في الحكم مستمرة.
مع التحليل السابق وباختصار شديد، نحن في عصر التغيير العربي، ولن تنفع مع الشعب سوى لغة الحوار والاستجابة للمطالب الجماهيرية إما التكتيكات التي يستعملها بعض الحكام فتكتيكات فاشلة مسبقاً، فبعض الحكام يحرص على إعطاء بعض الإصلاحات للجماهير وحشد أنصاره في أحد الميادين ويقوم بإلقاء خطاب فيهم، في محاولة واضحة للتغطية على انتفاضة المعارضة للظهور بصورة تأييد القطاعات الواسعة من الجماهير له، وفي المقابل وعلى طريقة التمرة والجمرة تقوم الأجهزة الأمنية بقتل العديد من المتظاهرين واعتقال المئات منهم، والحاصل أنه قد تتمكن هذه الأجهزة من قمع انتفاضة الشعب لفترة، إلا أن الجماهير العربية في مختلف ساحاتها كسرت حاجز الخوف، فلا معنى عند شبابها لحياة الذل والإذلال، فاختاروا الموت على حياة القمع والخوف والترهيب.
إن قمع الشعوب المتظاهرة بوحشية كان متاحاً للقيادات في الماضي إبان الحرب الباردة وغياب الثورة التكنولوجية مثلما حدث مع الرئيس حافظ الأسد عندما قمع الأصوليين السنّة في سوريا عام 1982، حيث تم نحو قتل 20 ألف في مدينة حماة. أما الآن فيجب ان يفهم الحكام ان الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي هو العلاج الأنجع لإفشال هذه المؤامرات وعدم تطبيقه هو الطريق الأسرع للفتنة وكما اعترف الرئيس الاسد فان البقاء بدون إصلاح هو أمر مدمر للبلد.
المطالبة بالإصلاح والسعي لتحقيقه حق وواجب، لأن استمرار النهج الحالي بما يمثله من فساد واستبداد يلحق أفدح الضرر بالوطن والمواطن ويعرض سلامة الدولة للخطر، فالأمن الوطني لا يتحقق باستخدام العصا الغليظة والإهانة وتجييش المواطنين باسم الولاء والانتماء والتحريض على دعاة الإصلاح، وإنما بصون الحقوق وتحقيق العدالة وسيادة الشعب.
الخلاصة
يجب على الولايات المتحدة والغرب دعم الحريات في العالم العربي؛ ليس لأنه أمر أخلاقي فقط بل لان النمو التجاري والاقتصادي يتم بوتيرة أسرع وأفضل في الشعوب التي لا يحكمها حكام شموليون، ففي الغالب القادة المستبدون يخلطون ويساوون بين أنفسهم والدولة، ويعزز هذا الوهم قرناء السوء بالايعاز اليهم بأنهم سوف يبقون حكاما مدى الحياة.
الحكام العرب – مع تصاعد الثورات العربية التي كسرت حاجز الركود الشعبي الذي هو أخطر من حاجز الخوف – أمامهم خيار هو الأسلم والأفضل لحاضر البلاد ومستقبلها إلا أنه الأصعب على غالبية أهل النظام ومصالح بعض المنتفعين, ويقوم هذا الخيار على تعاطٍ عقلاني مع الواقع القائم واتجاهات تطوره، بالسير قدماً نحو الإصلاح الديمقراطي الحقيقي الشامل والانفتاح على المجتمع وقواه الحية، بما يعيد صياغة الشرعية السياسية على أسس جديدة هي الحرية فوراً لجميع معتقلي الرأي، وإلغاء حالة الطوارئ والمحاكم الاستثنائية في البلاد، وإقامة دولة القانون الديمقراطية الدستورية.
الخاتمة
يرى ماركس أن أي طبقة أو فئة أو حكومة تفقد دورها عندما تعجز عن فهم الواقع. إذن لم يفهم الذين سقطوا الواقع فعجزوا عن الاحتفاظ بكراسيهم. فهل يفهم من بقي من حكامنا في كرسيه الواقع، فينجو بجلده وموقعه، أم يتوهم أنه يستطيع ملاعبة تاريخ ماكر ينتظر حملته؟
مهما تكن التطورات السياسية فمن الضروري ان نفهم ان المنطقة كلها تعمل الآن بحسب قواعد سياسية جديدة غاية الجدة. يقتضي هذا الوضع اتخاذ قرارات وصوغ تفكير استراتيجي يستبق الأحداث.
عنصر الوقت ليس في صالح الحكام, والشعوب لا تريد وعوداً بالإصلاح، وإنما تنفيذ فوري، لقد انتظرت طويلاً بحيث طفح الكيل من شدة الانتظار، ولم تعد شعارات محاربة الأعداء والتصدي للمؤامرات تطيل من حبال صبرها وتحملها كل أنواع البطش والقمع والفساد فهل تعلم الحكام العرب الدرس؟

Leave a Reply