بداية الإصلاح
مجالسنا البلدية في حاجة لصلاحيات أوسع وميزانيات كافية لتتمكن من أداء مهامها حسب النظام إضافة إلى منحها الاستقلالية المالية والإدارية وإعطاء البلديات صلاحية تحديد أولويات المشاريع والميزانيات التي تحتاجها مدنها
فيما يمثل إيذاناً بحقبة جديدة من الإصلاح في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يستعد السعوديون لخوض التجربة الثانية لاختيار ممثلين لهم هذا العام في 219 مجلسا بلديا على مستوى البلاد.
وقد تمت التجربة الأولى لانتخابات المجالس البلدية العام 2005 على 3 مراحل لاختيار نصف أعضاء المجلس البلدي (179) في الدورة الأولى التي تم تنظيمها لأول مرة منذ 40 عاما ولم يسمح وقتها للنساء بالإدلاء بأصواتهن أو الترشح لها، ومعلوم أن المجالس البلدية القائمة في السعودية تتكون من نصفين، نصف منتخب عبر اقتراع شعبي، والنصف الآخر من أعضاء المجلس يتولى وزير الشؤون البلدية والقروية تعيينه.
ولا شك فقد ظلت تجربة انتخابات المجالس البلدية في دورتها الأولى قبل أكثر من 5 سنوات محل جدال واختلاف شبه محسوم فيما يخص تمثيل المواطن ومشاركته في القرار والتأثير في تنظيم عمل المجلس ومتابعة ما يهم المواطنين في الشأن البلدي على الرغم من تحمس الكثيرين لهذه الخطوة المباركة عندما تم الإعلان عن بدء الانتخابات، حتى إن كاتب هذه السطور سلّم الملك عبد الله وباليد دراسة إنشاء هيئة عليا للانتخابات (تم نشرها في كتاب الطبعة الأولى), كما تم إنشاء موقع ومنتدى “انتخاب كوم” لرصد ومتابعة وتوثيق التجربة بكاملها.
ومن فرط الحماسة لهذا الاصلاح قام الكثير من المتطوعين بمراقبة الانتخابات وقد كنت ضمن المراقبين، واخترت مناطق ساخنة وهي منطقة النسيم في الرياض ومحافظة حفر الباطن. وهما من المناطق الساخنة لوجود الكثير من أفراد القبائل المتنوعة فيهما، وذلك إيمانا مني أن الأرض تفسد إنْ لم يدفع الناس بعضهم بعضا.
وحقيقة واجه تفعيل الانتخابات في المملكة الكثير من العقبات والتحديات، ولعلي هنا انقل تصريحا نُشر في صحيفة المدينة عام 2004 للأمير متعب بن عبد الله بن عبد العزيز نائب رئيس الحرس الوطني للشؤون العسكرية يبين حجم التعقيدات يقول: “والله العظيم ثلاثا إن سمو سيدي ولي العهد (الملك عبد الله حاليا) بالكلمة الواحدة قال لي: أين الجماعة…؟ نحن اهتممنا بالمجالس البلدية والانتخابات البلدية وحتى يومك هذا ما رأيتها ولا شيء صار…” ثم يقول الأمير متعب “كان (أي سمو ولي العهد آنذاك والملك حاليا) يتكلم بألم ويقول كيف…؟ نحن نفقد المصداقية بأشياء نحن نصدرها… لماذا…؟ يوجد من يحاول أن يترك هذا الموضوع… صحيح بعضهم مجتهد… ولكن ما أَحْسَنَ اجتهادَهُ” ثم يقول سمو الأمير متعب “يجب أن نبدأ بمحاسبة المنفذين إذا لم تكن عندهم صورة حقيقية عن إظهار أسباب التأخير ولماذا هذه الأشياء لم تنفذ حتى الآن”.
انتهى كلام الأمير متعب والذي يبين حجم المعارضة للبدء بعمل إصلاحات سياسية، وعلى الرغم من ذلك فقد اعتبر مسؤولون في المجالس البلدية في السعودية أن التجربة التي خاضتها السعودية فيما يتعلق بتأثيرها في دفع عجلة التنمية من خلال الرقابة التي تلحظها على الأمانات وغيرها من الجهات الخدمية أسهمت في رتق الهوة بين المواطنين وتلك الجهات الخدمية، من خلال حل بعض من المشكلات المجتمعية التي يطالب المواطنون الجهات الحكومية بوضع الحلول الجذرية لها.
وعموما من الأفضل النظر للأمام، ففيما يخص الانتخابات القادمة فستشهد الفترة الأولى من 22 أبريل إلى 19 مايو مرحلة تسجيل الناخبين، والفترة من 28 مايو إلى 2 يونيو تسجيل المرشحين، بعد ذلك تحدد فترات الحملات الانتخابية ثم الانتخابات التي ستنظم في 22 سبتمبر المقبل، حتى تشكيل المجالس في أكتوبر المقبل، مع ترجيح استبعاد مشاركة المرأة في الدورة الانتخابية الجديدة وفقا لمصادر عدة، كما أن ملامح النظام الجديد تتجه نحو الصوت الواحد بمعنى أن الناخب سيصوت لمرشح واحد من دائرته الانتخابية مع توقع الحد من دخول التكتلات الانتخابية التي يروج لها في فترة الانتخابات، إذ في الدورة الماضية كان للناخب أن ينتخب عددا من المرشحين يوازي حجم الأعضاء الذين يدخلون المجلس عبر صناديق الاقتراع.
الخلاصة
إنني أزعم مع التقلبات الخارجية التي تموج بها المنطقة وما تشهده من حركات لسنا بمنأى عنها ان السبيل الوحيد لتحصين البلاد والعباد من شر الفوضى والنهب والسلب ونشر الفساد هو التوسع بالمشاركة الشعبية. فمجالسنا البلدية تحتاج الى منحها صلاحيات أوسع وتوفير ميزانيات كافية لتتمكن من أداء المهام الموكلة إليها حسب النظام إضافة إلى منحها الاستقلالية المالية والإدارية، وإعطاء المجالس البلدية والبلديات صلاحية تحديد أولويات المشاريع، والميزانيات التي تحتاجها مدنها.
الخاتمة
يجب على دولنا العربية وخاصة الخليجية ان تستبق الأحداث وبسرعة بتحصين جبهتها الداخلية والتوسع بالمشاركة الشعبية والاستفادة من التاريخ لمعرفة خطوط أو ملامح المستقبل، فالمجتمعات القبلية غالبا لا تقوم بالمظاهرات والاعتصام، اذ يتطلب ذلك تعاونا وتكاتفا وهذه ميزة لا يجيدونها، ولكنهم غالبا يتحينون الفرص بالانقضاض على المدينة كغنيمة بالنهب والسلب.
والشعب العربي بأجمعه ينتظر من حكامه لحظة بزوغ فجر الدولة المدنية بدستور إسلامي يضمن له حياة كريمة وإنني أتمنى على المسؤولين في مملكتنا الغالية أن يكونوا عونا لخادم الحرمين الشريفين في دعوته للاصلاح وأن يعملوا جاهدين على إدارة التغيير.

Leave a Reply