خطوات على طريق الإصلاح

Posted

in

by

خطوات على طريق الإصلاح

تركي فيصل الرشيد

 

يأمل الكثيرون خصوصا في ظل تواجد ملك له رؤية خادم الحرمين الثاقبة وعقليته المنفتحة على العالم أن تتوافق مع الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي أقرها إصلاحات سياسية تعزز الرقابة والمحاسبة والشفافية وتوسع دائرة المشاركة في عملية اتخاذ القرار

 

جاءت قرارات خادم الحرمين  الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وما قرره من إصلاحات اجتماعية واقتصادية – شاملةً صرف رواتب إضافية لموظفي الدولة من مدنيين وعسكريين وطلاب وباحثين عن العمل وإقامة مشاريع سكنية جديدة ومجمعات طبية وإنشاء هيئة لمكافحة الفساد ضمن عشرين قراراً – محل رضا طوائف واسعة داخل المجتمع السعودي.

 وقد جاء الحجم المالي لتلك القرارات الملكية مقدراً بنحو 350 مليار ريال, منها ما سيكلفه مشروع بناء 500 ألف وحدة سكنية وصرف راتبين لموظفي الدولة من مدنيين وعسكريين ومتقاعدين وطلاب جامعات إضافة إلى رفع السقف الأدنى لموظفي الدولة إلى 3000 ريال وصرف إعانات شهرية للعاطلين تقدر بنحو 2000 ريال شهريا، وغير ذلك من المبالغ التي نالت القطاعات الأخرى، وبذلك يبلغ إجمالي تكلفة هذه القرارات التي صدرت إضافة إلى ما أُعلن قبلها عقب عودة خادم الحرمين من رحلته العلاجية نحو 485 مليار ريال (135 + 350)، ما يوازي مصروفات تعادل 83 في المائة من حجم الميزانية العامة للدولة، سيتم توفيرها من الأصول الخارجية للسعودية المقدرة بنحو 444.5 مليار دولار إلى نهاية يناير2011.

 ومن المعروف أن الميزانية العامة للدولة وُضعت على أساس سعر النفط في حدود 58 دولاراً للبرميل بمتوسط إنتاج يومي 8.7 مليون برميل، مع الأخذ في الاعتبار ان متوسط سعر البترول منذ مطلع العام وحتى قبل أيام بحدود 93 دولارا، اضافة الى رفع المملكة حصتها السوقية خلال الفترة الماضية لسد فجوة الإمدادات النفطية العالمية التي أحدثتها الأزمة الليبية.

 ولكن بعيدا عن سلسلة المكافآت المالية والاصلاحات الاجتماعية يبرز بين حزمة القرارات – كأهمها – قرار خادم الحرمين بتفعيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي تم إنشاؤها في 1/2/1428 الموافق 19/2/2007 وهي تُعنى بتحقيق حماية النزاهة ومكافحة الفساد بشتى صوره ومظاهره وتحصين المجتمع السعودي ضد الفساد وقيام الأجهزة الحكومية المعنية بحماية النزاهة ومكافحة الفساد بممارسة اختصاصاتها وتطبيق الأنظمة المتعلقة بذلك وتقليص الإجراءات وتسهيلها والعمل بمبدأ المساءلة لكل مسؤول مهما كان موقعه وفقا للأنظمة والتي ترتبط بالملك مباشرة وتشمل متابعتها كافة القطاعات الحكومية دون استثناء، وان جميع الجهات الحكومية ملزمة بالتعاون مع الهيئة.

 إن أهم الأسباب التي تؤدي إلى انتشار الفساد واستفحاله تعود إلى عوامل سياسية من خلال تدخل الأفراد في سير أعمال أجهزة الدولة، ويظل الغموض وقصور الأنظمة هما أبرز أدوات التحريض على الفساد, وفي هذا يتفق الكثير من الخبراء على أن التنظيم هو نصف المعركة ضد الفساد. ولعلنا نذكر ما صرح به الأستاذ محمد بن عبد الله الشريف رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ويجب وضعه في الاعتبار من أن السبب الحقيقي لتعثر المشاريع الحكومية هو غياب الرقابة الفاعلة والذي سمح بتمرير التلاعب والعبث.

 وحتى لو وجدت الرقابة فإنها إذا لم تقترن بتطبيق عقوبات تردع وتضمن عدم التمادي والتكرار فإنها سوف تكون محدودة الفائدة، والملاحظ هو ضعف الرقابة التي تمارس على المشاريع أو عدم وجودها أصلا، كما هو الحال بالنسبة للرقابة المستقلة، وفي غياب الرقابة يتعذر الكشف عن المخالفات وتغيب حينئذ العقوبة ويُسيء من يعمل لأمانة العمل والواجب. وهذه هي حال الكثير من المشاريع الحكومية، فرغم ما يقال عما يحدث لم تُجر تحقيقات وتُوقّع عقوبات وتعلن أسماء يتعرف الناس من خلالها على العابثين ويرتدع بها غيرهم ويعرف كل متلاعب أنه مهدد بالانكشاف والعقوبة.

 وأرى من المفيد في هذا الصدد ولتفعيل دور هذه الهيئة الاشارة الى ما كتبه الصحافي البريطاني براين ويتاكر المختص بشؤون الشرق الاوسط في إحدى مقالاته حيث أشار الى أن الخلل في الشرق الأوسط يتأتّى من الجوّ الفاسد الذي لا يشجّع على التغيير أو الابتكار أو التجديد أو التفكير النقدي أو المساءلة أو حلّ المشاكل. لكنه لا يتوقّف عند هذا الحدّ، فهو يضيف إلى هذه اللائحة الإنكار المنهجي للحقوق الذي يؤثّر سلباً في حياة ملايين الأشخاص والتمييز القائم على الإثنية أو الدين أو الجنس أو الخلفية العائلية وعدم تكافؤ الفرص والبيروقراطيات المتشدّدة والتطبيق العشوائي للقانون وغياب الشفافية في الحكم.

 فالعصبية أو التضامن بين أعضاء العائلة أو القبيلة أو العشيرة، بما له من دور في توفير الأمن والحماية للأفراد، يؤدي في المقابل إلى ترسيخ الخضوع والتبعية للآخر والخنوع، فالهوس بالقرابة في العالم العربي في نظر ويتاكر يقوّض مبادئ حكم أصحاب الكفاءات وتكافؤ الفرص، وتعيق محاباة الأقارب التنمية الاقتصادية وتُضعف علاقة الدول العربية ببعض أجزاء العالم حيث هذه الممارسة شبه غائبة، مستنتجا أنه لا يمكن للعرب أن يدخلوا في حقبة جديدة من الحرية والمواطنة والحكم الرشيد فيما لا تزال ضرورات القرابة سواء كانت عائلية أو قبلية تسيطر على مجتمعهم، ومؤكدا أن هذا الواقع يشكّل التحدّي الأساسي الذي يواجهه العرب اليوم.

 وحقيقة أؤيد بشدة ما جاء في هذا التحليل وأرى ضرورة التخلص من كل هذه العوائق لتحقيق مزيد من التنمية، خصوصا مع ما حققته المملكة من قفزة واسعة في محاربة الفساد بحصولها على تصنيف متقدم في مؤشر “مدركات الفساد” لعام 2010 الذي صدر قبل أيام عن منظمة الشفافية الدولية، وهو المؤشر الأبرز عالمياً لقياس مستوى الفساد في القطاع الحكومي لـ178 دولة، إذ احتلت المملكة المرتبة الـ 50 متقدمة 13 مرتبة عن العام الماضي، حينما احتلت المرتبة الـ 63، وتساوت المملكة مع الأردن، فيما تفوقت على الكويت التي جاءت في المرتبة الـ 54، في حين جاءت البحرين في المرتبة الـ 48، وعمان في الـ41، وحققت قطر المرتبة الـ 19 عالمياً والأولى شرق أوسطياً، تلتها الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الـ 28 عالمياً والثانية على مستوى المنطقة.

 الخلاصة

 يتوقع كثيرون من أبناء هذا الوطن والمهمومين بتقدمه أن يكون لهذه القرارات الاقتصادية والاجتماعية التي أقرها خادم الحرمين أثر كبير على المجتمع في حال تنفيذها وتحويلها إلى ارض الواقع خاصة المشاريع الإسكانية. إلا أن الكثيرين يأملون خصوصا في ظل تواجد ملك له رؤية خادم الحرمين الثاقبة وعقليته المنفتحة على العالم أن تتوافق مع هذه الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية إصلاحات سياسية، حيث يرى الكثير من المثقفين والمفكرين السعوديين أن المطالب الخاصة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية هي حاجة ملحة، ومن جانبي اعتقد انها خطوة متوقعة من خادم الحرمين الشريفين وقادمة قريبا، ولعل البداية تكون من الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها الشهر المقبل والتي قد نفرد لها مقالا خاصا بها بإذن الله.

 الخاتمة

 حيّا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله ولاء السعوديين ووحدتهم الوطنية ومواجهة أعداء الدين، وحذر من المساس بأمن الوطن واستقراره, وختم حديثه بعبارات عفوية إنسانية قربته أكثر إلى قلوب مواطنيه الذين يتطلعون ليس فقط إلى منح مالية واقتصادية تحسن مستوى معيشتهم، وإنما إلى إصلاحات ومشاركة سياسية لتعزيز الرقابة والمحاسبة والشفافية وتوسيع دائرة المشاركة في عملية اتخاذ القرار.

 وأعتقد أن النظر في الدعوة إلى انتخاب أعضاء مجلس الشورى المعينين حالياً ومشاركة المواطنين من خلال مجالس منتخبة أمور مهمة لتنفيذ المعطاءات التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين، لكي يتحمل أبناء هذا الوطن مسؤوليتهم في محاربة الفساد السياسي والقضائي والإداري.

 

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *