نحو قرارات أكثر فاعلية

Posted

in

by

نحو قرارات أكثر فاعلية

 تركي فيصل الرشيد

 

الشعوب العربية حسمت أمرها مع مطلب الحرية والديمقراطية والمشاركة الشعبية وتقرير مصيرها، خاصة أن كثيراً من الأنظمة العربية اختزلت النظام السياسي في أشخاص أو هيئات موالية لأنظمتها كالحزب الوطني في مصر

 لم يتوقع أحد أن بإمكان الشباب العربي من كل الاطياف والذي كان دوماً محل شك وتندر وعبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي لقيام بثورة شعبية بهذا الحجم، ذهب ضحيتها حتى لحظة كتابة هذه السطور آلاف القتلى والجرحى، أطلق عليها الكثيرون الثورة العربية الديموقراطية، إذ انطلقت خلالها الجموع من جميع القرى والمدن في مسيرات شعبية كانت مطالبها إصلاح النظام السياسي، ومنه تطور الأمر للمطالبة بإسقاط النظام بعد المجازر التي ارتكبتها الأنظمة الحاكمة ضد المتظاهرين.

 الكثير من القوى السياسية العربية والعالمية أصابها الذهول وغير مصدقة لما جرى، أحد كبار الإدارة الامريكية صرح سابقاً لصحيفة النيويورك تايمز “أن لدينا عدداً لا يحصى من السيناريوهات والاحتمالات ولكن لا يوجد لدينا أي احتمال لسقوط مبارك بثورة شعبية” وها هو سقط.

 لقد قامت حكومات عربية بضخ الاموال طمعاً في أن تكسب او تقلل من رياح الغضب التي تعصف او على الأقل تزعزع مفاصلها. طريقة قديمة باستخدام الأموال لشراء سكوت وخضوع وإذعان الشعوب لكنها غير واعية بأن الجيل الجديد من الثورة يحاصرهم من كل مكان، ولم يعد يقبل ذلك بل يراه يهينه أكثر مما يرضيه، وجميعنا رأى كيف أن شرعية حسني مبارك سقطت بعد فترة وجيزة من اعلانها عن رفع الاجور للموظفين، وكان في مخيلته ان ارضاء الغرب هو دعامته الاساسية لتثبيت دعائم حكمه وقد اثبتت تلك الوسيلة فشلها.

 اعترف رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون بأن الانتفاضات الشعبية في الشرق الأوسط أظهرت أن الغرب كان على خطأ حين دعم أنظمة ديكتاتورية وغير ديمقراطية، وألمحت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في تصريحات إلى أن الإدارة الأميركية لن تعارض وصول جماعة الإخوان المسلمين المصرية للسلطة في البلاد ما دامت تنبذ العنف وتلتزم بالديمقراطية وحقوق كل أبناء المجتمع، وهي تصريحات تبرز طريقة تعامل الغرب مع الاحداث وحجم النفاق الذي يبديه في سبيل الحفاط على مصالحه.

 الحقيقة العارية هي أن الأحداث التي تجتاح العالم العربي قادها شباب وشابات عرب فقط، وأنه لا أحد يعرف كيف ستنتهي، لكن الأمر الوحيد الواعد فيما يسمى الربيع العربي هو أن الثورات قامت بقيادة ذاتية محلية متعددة الرؤوس ما قوّى من فرص نجاحها، لأنها صُنعت وصُبغت بطابع وصبغة محلية يدعمها مزيج من عنفوان الشباب وتسخير التكنولوجيا. ولا يجوز للغرب أن يدعي انه ينتهج سياسة التدخل لنشر الليبرالية، فيما يكون هدفه الأساسي بيع أسلحته دون مراعاة لأي اعتبارات للانسانية او الديمقراطية التي يزعمون دعمها.

 سبق ان قلت للرئيس شيراك عند زيارته الرسمية للمملكة “أتمنى لك التوفيق سيادة الرئيس في عقد صفقات تجارية وليس صفقات سلاح”، وبالطبع لم يعجبه ما قلت، لانه يعلم أن التدخل في شؤون الغير قليلا يكون أمراً حكيماً، أما التدخل بوجهين فهو نفاق بحت.

 عموما وكما أثبتت لنا الاحداث الجارية فالدول الغربية وامريكا تدعم حليفها الديكتاتور حتى نقطة معينة فقط. ثم تضطر لإزاحته، لتدعو الى انتقال منظم للسلطة، معلنة عن أملها في ان ينعم الشعب بالديموقراطية، وهي في ذلك تحاول بأسرع ما يمكن إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، وهذا بالضبط ما تحاول إحداثه الآن في مصر.

 إن القوى الخارجية التي تتحكم بآلية الانتقال أو التغيير لا تريد ديموقراطية حقيقية، فهي تخشى من قيام الديموقراطية في المنطقة، لأنها يمكن أن تجلب الاستقلال لها. وعلى كلٍّ فالاحداث الاخيرة جاءت على غير ترتيب ومفاجئة للجميع ومتلاحقة بسرعة قللت معها من شأن أي تدابير خارجية مسبقة او ترتيبات وبما يستحيل معه الجزم بما ستؤول اليه الامور في المرحلة المقبلة.

 في خضم هذه الاحداث قامت المملكة تزامنا مع عودة خادم الحرمين الشريفين من رحلته العلاجية باعلان مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية ثم اتبعتها بقرار الترسيم الخاص بالعمالة المؤقتة ولا شك انها اصلاحات تصب في صالح المواطن، خاصة وقد تعرضت هذه القرارات الى أزمتين من اهم الازمات التي تعانيها المملكة، أولاها أزمة الإسكان والثانية مشكلة البطالة. وفي سبيل تفعيل خطوات هذا الاصلاح نحتاج الى تقييمها ومدى كفايتها في ضوء عرض موجز:

أولاً في مجال الإسكان معلوم أن اجمالي ما ساهم به صندوق التنمية العقاري منذ تأسيسه بناء 751 ألف وحدة سكنية، كما ان دعم صندوق التنمية العقاري بـ 40 مليار ريال – التي تم اعتمادها – سوف تساهم ببناء حوالي 80 ألف وحدة سكنية فقط (500 ألف لكل قرض) فيما تحتاج المملكة الى بناء 163,750 وحدة سكنية في السنة، إذ عندما نتفحص وندقق في المتطلبات والتحديات حسب النتائج الفعلية فسوف نجد – بحسب التقارير المتحفظة – أن المملكة تحتاج إلى 3,360 مليون وحدة سكنية جديدة حتى عام 2020, بتمويل متوقع 1,3 ترليون ريال، اذ ان السعوديين الذين يملكون سكناً تتراوح نسبتهم بين 22 و50% حسب المصادر.

 ماذا يعني كل ما سبق؟ مما سبق أعلاه يجب أن نعي أن سياسة الإسكان بحاجة إلى وضعها على الطريق الصحيح، ولن يتم ذلك إلا بتغير جذري في التفكير والتطبيق, وسبق ان طرحت عدة مقترحات لعلي أوجزها في ان مشكلة الاسكان تحتاج الى قرار حكومي صريح يتعلق بقانونية الفوائد وطريقة احتساب نسب الفوائد واقرار الرهن العقاري وحصر دور الحكومة في تطوير الاراضي الخام وبيعها على المواطنين بسعر التكلفة (الذي يجب الا يتجاوز 100 ريال للمتر لبناء البنية التحتية الاساسية), مع منح البنوك التجارية مبلغاً لا يقل عن 20 ملياراً للتمويل العقاري بفوائد مخفضة, علما ان الكثير من الدول الفقيرة تقدم هذه البرامج والنتيجة أن غالبية سكانهم يملكون مساكن.

 وخلاصة القول في هذه القضية إننا بحاجة إلى حلول سريعة ويمكن للقطاع الخاص أن يقدم اجود السلع والخدمات ولكنه بحاجة الى وضوح القوانين والاراضي الخام والرقابة الحكومية والإعلامية الدائمة.

 وفيما يخص امر البطالة فاعتقد انها تحتاج الى قرار حكومي شجاع وحاسم, يتفق مع المعاهدات الدولية التي التزمنا بها, وهناك العديد من المقترحات التي أرى أنه من المفيد تسليط الضوء عليها، منها ضرورة إلغاء نظام الكفيل بحيث يكون التعاقد مباشرة بين الحكومة والعامل الاجنبي, مع توحيد العقود للجميع ووضع حد ادنى للراتب للجميع وسهولة طرد العامل السعودي الذي يثبت تقصيره.

 وبالنظر الى الامر فالمملكة تحتاج حتى عام 2015 إلى ما يقدر بـ4.2 ملايين وظيفة للسعوديين، وبما أن التوظيف يقع على كاهل القطاع الخاص تحديداً، فإن هذا الأمر يتطلب إجراءات عاجلة ومدروسة لاحتواء المشكلة. ويجب ان ندرك ان القطاع الاهم لاستيعاب العمالة هو قطاع الخدمات، فهو الموظف الرئيسي للعمالة ولا يحتاج الى الكثير من التدريب والخبرة ولكن يجب ان نحدد مواعيد العمل، فلا نستطيع ان تقتح الاسواق من الصباح الى ساعات متأخرة من الليل ونتوقع ان يرضى شبابنا برواتبه الزهيدة.

 إذاً تحتاج مشكلة البطالة إلى قرارات لخلق وتوفير وظائف حقيقية للمواطنين في نطاق المشاريع الحيوية التي تنشئها الدولة، على أن تكون هذه العمالة فاعلة وذات خبرة وتأهيل، وإلا ستزيد البطالة بشكل يخفى عن المسئولين.

 أخيراً

 من المؤكد أن الشعوب العربية قد حسمت أمرها عاطفياً ونفسياً وذهنيّاً مع مطلب الحرية والديموقراطية والمشاركة الشعبية وتقرير مصيرها، خاصة ان كثيراً من الانظمة العربية اختزالت النظام السياسي في أشخاص أو هيئات موالية لأنظمتها، ومثال على ذلك الحزب الوطني في مصر فيه أكثر من ثلاثة ملايين عضو، ونتج عن ذلك توجه واضح للتوريث حتى في الأنظمة الجمهورية.

لقد عجزت هذه الدول عن استيعاب التنوعات القائمة في بلدانها، أو استيعاب مجمل التحولات الاجتماعية فيها على الرغم من قيامها ببعض برامج ومشاريع التنمية المحدودة فالاصلاحات الاقتصادية هامة جدا الا انها وحدها لا تكفي.

القيادات العربية أمام خيارين إما القبول بالإصلاح الحقيقي عبر دستور تعاقدي يتم بموافقة الشعب عليه عن طريق الاستفتاء او موافقة مجلس نواب منتخب يتمتع بكامل الصلاحيات يسمح بالتداول السلمي للسلطة، وإلا بكل أسف فإن البديل هو مواجهات دموية سوف تؤدي في النهاية الى إسقاط نظام وتشكيل آخر كما الحال في ليبيا.

 ختاما

 أمام الحكام العرب فرصة تاريخية بالاستجابة للمطالب المشروعة لشعوبهم، وإرساء أسس المواطنة الحقيقية، التي تتمثل في المساواة بين أبناء الوطن الواحد في الحقوق والواجبات، ومنح المواطن حرية الرأي والفكر، وحرية اختيار من يحكمه وكيفية الحكم الذي يناسبه، وذلك وفقا للاجماع الوطني الشامل واحقاق العدالة الاجتماعية والبدء في التخطيط الواعي لإحداث التنمية المستقلة الشاملة واستعادة حرية الوطن والكرامة الوطنية والمكاشفة والمحاسبة.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *