البحرين في عين العاصفة
نركي فيصل الرشيد
تملك دول الخليج المال والمال سلاح مؤثر ولا شك ولكن هذا السلاح يبدو بلا قيمة إذا جاء متأخراً وجرى استخدامه في المكان والزمان غير المناسبين ولن يتم تجاوز الأزمة إلا إذا قدمت الحكومات تنازلات حقيقية لشعوبهم تأخذ من سلطاتهم لصالح شعوبهم
يكاد المشهد في البحرين ينذر بعواقب وخيمة، خاصة ان امتداد الاضطرابات لم يكن وليد اللحظة، فالبحرين منذ استقلالها عن بريطانيا العام 1971م تشهد توترات متنامية بين النخبة السنية الحاكمة والأغلبية الشيعية الأقل حظوة والتي ترى أنها مهمَّشة وخاضعة لقوانين مجحفة، وهو ما أسفر في مناسبات عدة عن قلاقل مدنية كانت تحتاج إلى تدبر ومعالجات جذرية.
وبالعودة إلى الوراء قليلا وتحديداً العام 1999 عندما أصبح الشيخ حمد آل خليفة أميراً للبلاد خفَّ الصراع نسبياً، إذ بدأ عهده بإصلاحات ديمقراطية متحفظة، إلا أنه في العام 2002 أعلن نفسه ملكا، مُتْبِعاً ذلك بانتخابات اعتبرت منعطفا في تاريخ البحرين حيث قاطعتها المعارضة بسبب تعيين أعضاء الديوان الأعلى من البرلمان أو مجلس الشورى من قبل الملك.
وجميعنا يذكر كيف تم عقد انتخابات المجلس الدستوري خلال العام 1972 وبدء تطبيق الدستور من قبل الجمعية الوطنية، وهي هيئة استشارية تشريعية، تتكون من 44 عضواً، (14 هم أعضاء مجلس الوزراء، و30 ينتخبهم الذكور). ثم تم حل الجمعية بعد ثلاث سنوات تحت ذريعة إعاقتها عمل الحكومة، ليتم إجراء استفتاء حول الإصلاح السياسي.
إن للبحرينيين مطالب عادلة وهم يؤيدون بأغلبية ساحقة المقترحات التي بموجبها تصبح البحرين ملكية دستورية بمجلس نواب منتخب وقضاء مستقل، وقد سبق وأعلنت البحرين في العام 2002 أنها ملكية دستورية وستسمح للمرأة بالترشح للوزارات كجزء من الإصلاحات ثم في مايو من نفس العام تم إجراء انتخابات محلية لأول مرة منذ 30 عاما تقريبا.
الا انه في العام 2005 خرج الآلاف من المتظاهرين يطالبون ببرلمان منتخب بالكامل بعد ما عُرف بفضيحة البندر. ولمن لا يعلم ففضيحة البندر ترجع إلى تقرير الدكتور صلاح البندر (سوداني الأصل – بريطاني الجنسية) كان يعمل في مجلس رئاسة الوزراء البحريني سابقاً، وأخرج تقريره السري من ذلك المجلس إثر خلافات مع رجال الحكم في البحرين. وسمي التقرير في البحرين بـ “بندر جيت” أي الفضيحة الكبرى لرجال الحكم هناك. وتحدث التقرير عن إقصاء لطائفة الشيعة بالبحرين حيث رمى المشروع إلى إشعال نار الفتنة بين السنة والشيعة وتهميش الشيعة في كافة الأمور، سواء العملية أو العلمية، وجعل الطائفة الشيعية أقل نصيباً في مجالات التوظيف والنفوذ بالدولة.
ثم تطورت الأحداث خلال الانتخابات العامة في 2006 و2010 – وكنت شاهد عيان عليها إذ انتدبت لمراقبتها – حيث فازت المعارضة الشيعية في 2006 بـ 40٪ من الأصوات في الانتخابات العامة، وعُيَّن جواد بن سالم العريض، وهو شيعي، نائباً لرئيس الوزراء. وبذلت الحكومة جهداً كبيراً لكي يخسر أعضاء جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)، علماً أن أحدهم فاز في دائرته ولكنه خسر عن طريق المراكز المفتوحة، لكي تكون النتيجة بين الأصولية السنية والشيعية – وهم اقل ضرراً على الحكومة من برنامج جمعية وعد – وسار الأمر على النهج نفسه في انتخابات 2010 إضافة إلى ما جرى من اعتقال 20 من زعماء المعارضة الشيعية، واتهامهم بالتآمر للإطاحة بالنظام الملكي عن طريق تشجيع الاحتجاجات العنيفة والتخريب.
لقد خرج آلاف المحتجين وأغلبهم من الشيعة إلى شوارع البحرين هذا الأسبوع مستلهمين الانتفاضتين المصرية والتونسية للمطالبة بأن تكون لهم كلمة في المملكة، وأكد رئيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي المهندس إبراهيم شريف أنهم سيقومون بكل ما هو ضروري لتغيير هذا البلد إلى بلد ديمقراطي، حتى لو تطلّب هذا خسارة البعض منهم حياته، رغبة في ديمقراطية حقيقية وفعالة ودستورية وتشكيل هيئة وطنية من الطائفتين السنية والشيعية على غرار هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينيات. كما دعا المحتجون إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وتوفير المزيد من فرص العمل والسكن، وتنحية رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، الذي يتولى هذا المنصب منذ نحو 40 عاماً.
من جانبه تعهد ملك البحرين بإجراء حوار وطني مع كافة الأطراف في البلاد، لامتصاص الغضب الشعبي المتأجج ونزع فتيل الأزمة المستعرة في البلاد، كما صرح ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد بان لا شيء سيستثنيه الحوار وتزامن التصريح مع الافراج عن عدد من المعتقلين، وخارجيا أدان الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مكالمة هاتفية أجراها مع الملك حمد العنف الدائر في البحرين وحثه على توخي ضبط النفس في التعامل مع الاحتجاجات التي تشهدها البلاد ومحاسبة أولئك الذين تثبت مسؤوليتهم عن أعمال العنف. وقال أوباما إن على البحرين احترام الحقوق الأساسية لكافة سكانها، والقيام بإصلاحات ذات معنى. ونفس المعنى تلقته السلطات البحرينية من دول غربية وقد تواتر هذا مع ما بثته وكالة اسوشيتد برس من أن جنود الجيش أطلقوا القذائف المضادة للطائرات فوق رؤوس المتظاهرين. وقال احد شهود العيان لتلفزيون الجزيرة إن الجيش فتح النار على المتظاهرين دون سابق إنذار، والتي بررها وزير الخارجية البحريني بالقول “بعد أحداث ثورة 14 فبراير في البحرين إن عملية الإخلاء القسرية التي نفذتها قوات الأمن البحرينية في دوار اللؤلؤة كانت ضرورية لتجنيب البلاد الاقتراب من حافة جحيم طائفي”. فيما رفض احد رموز المعارضة السنية ذلك موضحاً أنه كان عليهم أولاً رش المياه بدل استخدام الرصاص المطاطي وأسلحة ممنوعة أخرى، حيث كان هناك نساء وأطفال أرعبهم الهجوم.
وفي اعتقادي فالوضع الحالي ينذر بمواجهة طويلة وإن كان احتمال تغيير النظام غير مرجح وقد توفر الدول الخليجية الدعم اللوجيستي والعسكري إذا اقتضى الأمر. إلا أنه من غير المرجح أن تتحرك دول الخليج أو إحداها بسرعة بانتظار رؤية الآلية التي ستتعامل بها البحرين – والتي اعتادت مواجهة اضطرابات على نطاق صغير – مع الاحتجاجات الأخيرة.
الثورات الآن تشبه المرض الوبائي الذي ينتشر كالنار في الهشيم ولا يعرف حدوداً، وهو ما حدا بكثير ممن المحللين إلى تغيير نظرياتهم مدركين انه لا نظام الآن يتمتع بالحصانة ولن يستطيع أحد أن يوقف عجلة الحرية والديمقراطية التي انطلقت فجأة وبأسرع مما من الممكن تصوره. وسيكون هناك ضغط كبير من أجل الإصلاح والمزيد من الشفافية والمحاسبة خاصة أن المطالب الآن تتركز على الإصلاح أكثر من المطالبة بتغيير النظام.
أخيرا
يجادل البعض بأن الفقر والبطالة المفجر الوحيد للاضطرابات الحالية، وهذا الكلام يكاد يخلو من الصحة، وجل الشواهد تثبت عكسه، وليبيا مثالنا الصارخ على ذلك كدولة نفطية يسهل عليها رشوة شعبها، وهؤلاء يتناسون حاجة الشعوب الى الشعور بعزتها ومشاركتها الفعلية في بلدانها عبر إصلاحات ديمقراطية حقيقية، دون استئثار من مجموعة صغيرة بالسلطة والوظائف الهامة.
إن الكاميرات الصغيرة الموجودة في الهواتف الخلوية باتت السلاح الأقوى في وجه البنادق والقنابل المسيلة للدموع التي تستخدم خلال التظاهرات في الشرق الأوسط. والصور التي التقطت بكاميرات الهواتف الخلوية من الاحتجاجات التي تشهدها البحرين وليبيا وقبلهما مصر وتونس كانت أداة حيوية لتوثيق رد فعل الحكومات على الاضطراب الذي شاب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ولفت انتباه الخارج، وهو ما يسبب ضغطا على الحكومات الغربية والأمريكية وهو بمثابة السيف على رقاب الأنظمة القديمة التي تمكنت عبر التلاعب بالتكنولوجيات القديمة من إخماد أصوات الشعب.
الشعوب العربية بدأت تتحرر من عقدة الخوف وتنزل إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير، تغيير الأنظمة وتغيير السياسات التي أوصلت إلى حالة القهر والظلم التي تعيش في ظلها الشعوب العربية حالياً، والمخاض العربي عسير والأنظمة العربية الديكتاتورية تقاوم بشراسة من اجل البقاء أمام هذه الثورات الشعبية حتى إن اضطرت لإبادة شعبها كما الحال في ليبيا، إلا أن الثورات الشعبية ستنتصر في نهاية المطاف، مثلما انتصرت نظيرتها في تونس ومصر، وقبلهما إيران وجورجيا والفلبين وأوكرانيا والدول الاشتراكية الأوروبية، فعمر أنظمة الظلم والديكتاتورية والاستبداد يظل قصيراً مهما طال، والنهاية حتمية دون أي شك.
صحيح أن تونس ليست مصر بالضبط مثلما هي الجزائر ليست اليمن، والبحرين ليست إيران. ولكنْ هناك قاسم مشترك بين كل هذه الدول وهو الحكم المطلق الذي ينغلق علينا. في عالم لم يعد ممكنا إخفاء أي شيء فيه، عالم فيه الجميع بمن فيهم الزعماء العرب يسقطون في الشبكة.
نعم دول الخليج تملك المال – والمال سلاح مؤثر ولا يوجد ادني شك في ذلك – ولكن هذا السلاح يبدو بلا قيمة حقيقية إذا جاء متأخراً، وجرى استخدامه في المكان والزمان غير المناسبين، ولن يتم تجاوز الأزمة إلا إذا قدمت الحكومات تنازلات حقيقية لشعوبهم تأخذ من سلطاتهم لصالح شعوبهم.
ختاما
يجب البحث عن حل جذري وليس فقط الدعوة إلى الحوار, فمنطقتنا تمر بمرحلة “أفول” الجيل القديم من القادة والزعماء في العالم العربي وولادة جيل جديد شاب يُتوقع أن يحل مكانهم، ويكون أكثر قدرة على فهم أدوات العصر ولغتها والتعامل معها حسب صحيفة التايمز.
والملك حمد بن خليفة أمام فرصة تاريخية أناشده ألا يضيعها منه، بالتوجه نحو مملكة دستورية يكون برلمانها أو مجلس الشورى فيها بالانتخاب وحكومة منتخبة يسائلها البرلمان ومشاركة شعبية حقيقية قائمة على التعددية وقتها ستكون الحكومة والشعب يدا واحدة على طريق الاستقرار والبناء، وسيكون ملك البحرين هو أول من أرسى قواعد هذا النظام الديمقراطي الحر في المنطقة.
ليس بالعنف يمكن أن يواجه الحكام العرب موجة الاحتجاجات العارمة ضدهم بل المطلوب هو اتخاذ خطوات عملية وعدم الاكتفاء بالتصريحات خاصة أن ملك البحرين وحكام الخليج يتمتعون بميزة أنهم مترابطون ترابطا كبيرا مع شريحة واسعة من شعوبهم وعليه أتمنى أن يكونوا أكثر كفاءة وقدرة على التغيير الذي لا بد منه .

Leave a Reply