العالم العربي وبزوغ عهد جديد

Posted

in

by

 العالم العربي وبزوغ عهد جديد

تركي فيصل الرشيد

 

 

الثورتان التونسية والمصرية أحدثتا نقلة جذرية ونوعية في مواقع الخوف؛ لقد انتقل الخوف من “الشعب الخائف” إلى “الأنظمة الخائفة”.

عندما قامت الشرطية التونسية – من مدينة سيدي بو زيد التونسية – فادية حمدي بصفع بائع الخضراوات المتجول محمد البوعزيزي والبصق عليه في الـ 17 ديسمبر 2010، فأشعل النار في نفسه أمام مقر البلدية تعبيراً عن غضبه على بطالته ومصادرة عربته، ثم توفي في 4 يناير 2011 جراء الحروق البالغة، أدى ذلك إلى اندلاع شرارة المظاهرات وخروج آلاف التونسيين الرافضين لتفشي البطالة وعدم وجود عدالة اجتماعية وتفاقم الفساد داخل النظام الحاكم.

معلنة انطلاق ثورة النسيم التي غيرت المشهد السياسي في تونس، وفر معها رئيسٌ أحكم قبضته هو وأسرته على جميع مفاصل تونس لمدة قاربت الربع قرن.

وغنيا عن الذكر عبور هذه الشرارة الى خارج القطر التونسي لتجتاح الشعب المصري الذي غُيّب عن الوعي لثلاثة عقود ثم انطلق مناضلا في سبيل حريته محاولا في هذه اللحظات استعادة وطنه ودوره الرائد.

الثورتان التونسية والمصرية أحدثتا نقلة جذرية ونوعية في مواقع الخوف؛ لقد انتقل الخوف من “الشعب الخائف” إلى “الأنظمة الخائفة”. فقد كان النظام في تونس أو في مصر يعتمد على القاعدة بأن القوة تخلق الشرعية، إلا أنها أثبتت أنها لا تخلق إلا القهر والكراهية الشعبية للأنظمة المستبدة.

حينما تمكنت رياح التغيير من مصر أعلن الرئيس مبارك أنه لن يعيد ترشيح نفسه بعد انتهاء ولايته في سبتمبر واعداً بحزمة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية متناسياً ما قاله عام 1981 بعد توليه السلطة أن “هدفنا هو إنشاء مجتمع متساو وليس مجتمع امتيازات وطبقات متميزة، وقاعدتنا الأولى هي العدالة الاجتماعية من اجل تحقيق السلام والاستقرار في المجتمع”، ولكنه خلال الثلاثين عاما التي حكمها لم يكن رمزاً للعدالة بل للقمع والفساد اللذين أحاطا بمصر وكل الدول العربية. إن مبارك مع طول بقائه في الحكم صار أكثر غطرسة، وأخذ يفكر بنقل السلطة لابنه وإنشاء عائلة حاكمة، وتجاهل كل النصائح من اجل الإصلاح، وبشكل مثير للخجل لعب مع الغرب ورقة التهديد الإسلامي للاستمرار في الحكم.

كان الرئيس مبارك حسب شهادات مدراء مكتبه – التي بثتها الجزيرة – يتلقى يومياً بناء على أوامره ثلاث نشرات ثابتة، يخصص واحدة منها فقط لقضايا الشعب ولا يمكن أن تزيد كلمة عن صفحة واحدة.

لقد شهدت مصر مظاهرتين شارك فيهما الملايين، الاولى طالبت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعدم التنحي بعد هزيمة عام 1967، مؤكدة على الثقة به ووطنيته، والثانية نراها حالياً في معظم المدن المصرية تطالب الرئيس مبارك بالتنحي، وتسحب منه ومن حكمه الثقة. علما انه حسب صحيفة النيويورك تايمز فإن الجيش المصري يجب أن يفهم أن مصر ليست بحاجة مرة أخرى لرئيس قوي على غرار مبارك بل الى ديمقراطية حقيقية.

إن هناك داخل النظام انقساما بين رئيس يحاول الرحيل بطريقة يحافظ بها على كرامته وبين عناصر في نظامه مهتمين بالنجاة والبقاء.

وبالانتقال الى خارج القطرين وبالنظر الى وطننا العربي نجد الأردن يعاني مشاكل كثيرة بل لا حصر لها، ولعل أبرزها هيمنة الأجهزة الأمنية على جميع مفاصل الحياة اليومية للمواطن، وقد أقال ملك الأردن عبد الله الثاني خلال الايام الماضية حكومة سمير الرفاعي التي تواجه منذ فترة مطالبات شعبية بإقالتها.

أما اليمن فقد أعلن الرئيس علي عبد الله صالح أنه لا للتوريث، ونعم لتعديل الدستور وللاستجابة لمطالب الشارع، علما انه الذي يجلس على كرسي الحكم منذ ثلاثة وثلاثين عاما تقريبا، واستطاع أن يحقق لبلاده وشعبه أهم إنجازين في تاريخهما، وهما الوحدة الاندماجية مع الجنوب، واعتماد الديمقراطية والتعددية السياسية كنهج للنظام الوحدوي الجديد. ولكن من المؤسف أن هذين الانجازين تآكلا في الأعوام الأخيرة، بسبب انتشار الفساد في أوساط البطانة المحيطة بالرئيس، ولجوء النظام إلى الحلول الأمنية وقد حذرنا كثيرا وفي مقالات عدة من خطورة ذلك.

أما في الجزائر فقد أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أن السلطات الجزائرية سترفع قريبا جدا حالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ عام 1992، وفي سوريا لا يختلف الوضع كثيرا عن ذلك عبر عدد من الاصلاحات الاقتصادية. إذاً الشعوب العربية ولأول مرة تطالب بالعدل والحريات وقد عرفت أخيرا أن الشعب إذا طلب الحياة فلابد أن يستجيب القدر، وهذا بيت من قصيدة أبو القاسم الشابي الذي أصبح شعار ثورة الياسمين.

ولمعرفة ما يجري في العالم العربي اليوم يجب أن يكون لدينا فهم للأهمية التاريخية للأحداث التي سبقت ميلاد هذا العهد الجديد، ونتائجه هي بداية تغيير الحكام والأنظمة في تونس ومصر.

إن ما نشهده هو انهيار للأنظمة التي أنشئت في العالم العربي بعد الاستعمار البريطاني والفرنسي بداية القرن الماضي, ثم استمرت هذه الأنظمة بوجود الدعم المالي والسياسي للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال العقود الماضية حيث يقسم البعض المراحل التاريخية في العالم العربي إلى عدة مراحل:

المرحلة الأولى هي بداية تأسيس نظام الدولة العربية الحديثة على يد القوى الاستعمارية الأوروبية.

المرحلة الثانية وهي من بداية السبعينات إلى نهاية القرن الماضي، إذ تحولت أنظمة الدول العربية إلى مجموعة من الأمن والشرطة التي تعامل مواطنيها معاملة دونية ولا تحمل أي اعتبار إلى حقوق الإنسان تعتمد على الدعم الخارجي اللا محدود، للحفاظ على تلك الأنظمة القمعية، وليس لها أي سياسات بل تطبيق اتفاقيات، وحوًّلت السلطة السياسية المستبًّدة جهازي الأمن والإعلام إلى وسائل للتخويف والترهيب؛ فوزارة الداخلية التي وجدت في الأصل لحماية الأمن الداخلي أصبحت أداة تجسًّس للابتزاز والقهر والاعتداء على الحقوق والكرامة. وتحولت وزارتا الإعلام والثقافة من أداة للتثقيف ونشر المعرفة إلى أبواق كذب ونفاق وتزييف لكل الممارسات والأخطاء التي ترتكبها السلطة.

وعليه، فإلى حين وصول الدول العربية إلى مرحلة من الديمقراطية المعقولة لابدًّ من وضع ضوابط مجتمعية لمنع استعمال جهازي الأمن والإعلام من قبل البعض لأغراض تخدم مصالح ضيّقه أنانيّة على حساب الصًّالح العام ومصالح المجتمع المشروعة.

المرحلة الثالثة هي المرحلة التي نشاهدها الآن وهي الأكثر أهمية في تاريخ الأمة العربية, الملايين من العرب العاديين يطالبون بحقوقهم وتولي قيادة حالتهم الوطنية الخاصة بها والمصير والإصرار على تأكيد إنسانيتهم، فلم يسبق لشعب عربي أن قام بأسره أمام حاكمه مصراً على اختيار وتسمية حاكمه، والمطالبة بتشكيل نظام الحكم. لم يسبق أن كان لدى أي شعب عربي قاعدة سياسية عريضة وحركات اجتماعية ودينية لإرغام قادتهم على تغيير قيادتهم والمطالبة بإعادة ترتيب دور القوات المسلحة والشرطة.

وبعد أن تعوّد القادة العرب والنخب الحاكمة لعقود مضت على تنفيذ السياسات التي لا تلقي أي بال لشعوبهم الآن أصبحت عملية تقرير المصير في متناول الشعوب بداية من شعوب تونس ومصر والأردن واليمن والجزائر, وفي جميع أنحاء العالم العربي كله يدرك المواطنون العاديون أن عليهم الآن اغتنام هذه الفرصة لنيل حقوقهم الطبيعية وحماية الحرية والكرامة. وهي مهمة ضخمة بالتحول من سنوات الاستبداد إلى المشاركة السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان؛ ولو قارنا الشعوب العربي بالشعوب الأخرى فقد احتاج الأوروبيون إلى 500 سنة للانتقال من سنوات الظلام حتى قيام الثورة الفرنسية. واحتاج الشعب الأمريكي إلى 300 سنة للانتقال من العبودية إلى الحقوق المدنية وحقوق المرأة.

إن حق تقرير المصير هو عملية بطيئة تحتاج إلى وقت. والشعوب العربية فقط بدأت الآن في الانخراط في هذه التحرر بعد مرور حوالي القرن، علماً أن الأمر يتطلب بعض الوقت والطاقة لإعادة الشرعية إلى الحكم الوطني بأكمله وبناء نظام وهيكل السلطة التي تم احتكارها عسكريا أو من قبل مجموعات صغيرة من الحكام المستبدين.

أخيراً

العالم العربي يقف على أعتاب مرحلة تغيير كبيرة، سماتها انتفاضات شعبية ترفض كل أنواع القمع والتعسف ومصادرة الحريات وتزوير الانتخابات، وجميع الإصلاحات التي لا تلبي المطالب الشعبية سيكون مصيرها المزيد من السخط الشعبي المتأجج حالياً.

فالشعوب بدأت تصرخ في وجوه الطغاة والفاسدين ليرحلوا ولا شيء غير الرحيل. علما بأن في قلب الأزمات العربية اليوم يتجلى عجز الحكام عن الوفاء بوعود الإصلاح. فالإصلاح لم يتم تحقيقه من اجل عدم التأثير على النخب المستفيدة وخوفاً من الخطر الإسلامي، ولان الإصلاح صار عنواناً لمؤامرة من الغرب ضد العالم العربي.

إن محاولات الإصلاح في العالم العربي تصعد حيناً وتنهار أحياناً، فالإصلاح أعلن عنه الملك عبدالله عام 2005 ولا يزال حالياً يسعى إليه إلا أن طريقه يصطدم بمعوقات كثيرة ليس أقلها فئة يزعجها ذلك الإصلاح.

ختاماً

التغيير تأخر كثيراً وساهم في إبقاء دول العالم العربي مهمشة في معادلة الصراع السياسي. وفي حديث لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كونداليزا رايس، في القاهرة في 2005 ذكرت ان واشنطن كانت تعتمد مبدأ حماية الأمن والاستقرار على حساب الديمقراطية، ولكنها اكتشفت ان تلك السياسة لم تحقق أياً من الهدفين، وأنها سوف تركز على ترويج الديمقراطية. كان ذلك في عهد بوش الذي كان يطرح شعارات لتبرير حربه ضد العراق. ومع ان تلك التصريحات ساهمت شيئا ما في تخفيف القبضة الأمنية لبعض الأنظمة، ولكنها لم تكن سياسة ثابتة، بل تعبيراً عن مصلحة وقتية سرعان ما انتفت الحاجة اليها.

على القيادات العربية أن تعي أن الشعوب لن تتوقف ويجب أن تسارع بإصلاح ما يمكن إصلاحه، وعلى حكام دول الخليج أن يسارعوا الخطى بعمليات المشاركة الشعبية خاصة الكويت والبحرين وعمان بفصل بين الحكم والحكومة وعلى حكومة الإمارات أن تسارع بإيجاد مجلس نواب ومجلس شعب منتخب من قبل الشعب وعلى الحكومة السعودية الإسراع بإيجاد مجلس نواب منتخب حتى تشارك كل فئات الشعب وطبقاته في صياغة القرار وتتحقق إرادة الشعب والله الموفق.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *