السجن والحلول البديلة
تركي بن فيصل الرشيد
أصبح طغيان استعمال السجن على جل الجرائم حتى أصبح التعزير منحصراً فيه غالباً. فنجد أن العقاب في العملية الإصلاحية الحديثة لا يتجاوز محورين اثنين: السجن أو العقاب البدني وأحيانا المالي. ويجب التفكير بشكل جدي حول بدائل السجن بحيث يقتصر السجن على الحالات الخطيرة، والتي يمكن أن يكون لوجودها تهديد لأمن المجتمع.
يتعين على كل من يرتكب خطأ في حق المجتمع أن يدفع فاتورة هذا الخطأ ضريبة الفرد نحو المجتمع الذي ارتكب بحقه الخطأ.
شرع العديد من الدول في سياسة الإلغاء التدريجي لعقوبة السجن، بعد أن ثبت فشل المؤسسة السجنيّة في تحقيق الأهداف الردعيّة أو الإصلاحيّة. ومن بين أهم مؤشرات هذا الفشل ارتفاع ظاهرة العود (هي ظاهرة إجراميّة، تتجسّد في الفعل الإجرامي الصادر من شخص سبق له أن أدانته المؤسسة القضائيّة على فعل إجرامي سابق ودخل بموجبها للمؤسسة السجنيّة)، فقد أشار تقرير وزراء الداخليّة العرب منذ سنة 1994 إلى أنّ نسبة العود في البلدان العربيّة تصل في بعض منها إلى حدود الـ 70% .
ومن العيوب التي ذكرت للسجن ما يحصل للمسجون من نتائج اختلاطه بالمسجونين الذين يغلب على بعضهم الفساد والإفساد، فهو إن كان صالحاً قد يفسد، وإن غير ذلك قد يفسد غيره؛ لما علم من قوة تأثير الخلطة في الأخلاق سلباً وإيجاباً.
القاعدة الفقهية تقضي بارتكاب أخف الضررين، وإلغاء ما فيه ضرر أشد. لا يوجد أي دراسة عن العنف داخل السجون في السعودية حتى الآن، رغم أن هناك دراسات تحدثت عن بيئة السجن. مع العلم أن العنف داخل السجون في المملكة لم يصل لحد الظاهرة. تشير الدراسات إلى أن صغار السن هم الأكثر ارتكاباً لجرائم العنف، كما أن مرتكبي جرائم المخدرات هم أكثر إثارة لأعمال العنف في السجن من الفئات الأخرى.
إن من الطبيعي أن يكون للسجن بديل يقوم مقامه ويحقق غايته. على ألا يكون في البديل ضرر أكبر من ضرر السجن.
ومثال على ذلك فقد أصدر قاضي محكمة المويه الشرعية حكمين شرعيين بحق اثنين من الأحداث أحدهما ارتكب عدداً من السرقات والآخر مشتبه في تناوله المسكر منتهجاً في حكمه عقوبة جديدة بديلة عن السجن تتمثل في مبدأ خدمة المجتمع تعكف وزارة العدل بالتعاون مع عدد من الجهات الحكومية المختصة على إعداد دراسة شاملة لإيجاد بدائل لعقوبة السجن كتقديم خدمات اجتماعية أو مدنية أو حضور السجين دورات تدريبية إصلاحية أو المشاركة في أعمال خيرية باعتبارها أكثر إصلاحاً من عقوبة السجن لمن يرتكب بعض المخالفات والجنح الصغيرة التي لا ترقى إلى درجة التجريم بالنص.
إن السجين قد يخرج مجرماً وليس مواطناً صالحاً فضلاً عن ازدياد أعداد السجناء في السجون.
قامت عدة دول بمحاولات لإيجاد بدائل متعددة لمعاقبة المخطئ ومنها البدائل المقترحة، الغرامة النقدية والأساور الإلكترونية وعقوبة الخدمات الاجتماعية وعقوبة الخضوع للمراقبة الاجتماعية وتقييد الحرية بالعمل في مكان مقفل فترة معينة والتعليم والتثقيف كعقوبة بديلة للسجن ومصادرة الأموال ودفع تعويضات للضحية أو ذويه وحضور محاضرات واجتماعات توجيهية. وفي الغرب كثيراً ما يحكم القضاة على الأحداث وحتى الكبار بأحكام خدمة اجتماعية كبديل عن السجن.
وهي وإن بدت للأسوياء عملاً رائعاً واختيارياً إلا أنها في بدايتها قد تكون لمثل هؤلاء كارثة وصعبة، فمدمن يحكم عليه بإعطاء دروس للمدمنين للابتعاد عن الإدمان وتوضيح مساوئه. وآخر يحكم عليه بالخدمة في دار المسنين أو دور الأيتام.
وفي دراسة سعودية حول آراء القضاة والضباط والاختصاصيين الاجتماعيين حول البدائل الاجتماعية للعقوبات السالبة للحرية كُشف عن اعتقاد 52% من القضاة بأن السجن أفضل وسيلة لمعاقبة المخالفين. ويتفق عدد من الضباط مع القضاة بنسبة 42.35% في حين أن 71.43% من الاختصاصيين الاجتماعيين يعارضون السجن كوسيلة لعقاب المخالفين. إن الجلد يحتل البديل الأول المفضل لدى القضاة وفي الدرجة الثانية المصادرة ثم الغرامة وبعدها التعويض. كما يحتل بديل مراقبة الشرطة والحبس المنزلي الدرجة الأخيرة في البدائل التي يرى القضاة تطبيقها.
تقاربت آراء الضباط مع آراء القضاة على أنه يجب ألا يحال الشخص إلى السجن، إلا في الجرائم الكبيرة.
وتشير الدراسة إلى أن معظم الضباط يعتقدون بشكل واضح ومباشر أن المساجين يتعلم بعضهم من بعض العادات السلبية داخل السجن.أما الاختصاصيون الاجتماعيون العاملون في السجون فغالبيتهم لا يرون أن السجن بديل مناسب للعقوبة، وأن العقوبات البديلة للسجن هي الإجراء المفضل لدى غالبية الاختصاصيين الاجتماعيين. ويعتبر العمل لمصلحة المجتمع خياراً مناسبا لغالبية القضاة.
وفي تجارب الدول المجاورة نجد أن المدانين قضائيا في البحرين، الذين لا تتجاوز فترة حبسهم 3 أشهر يمكنهم طلب استبدال عقوبة حبسهم بعقوبة اجتماعية بديلة والقيام بأعمال في عدد من الوزارات الخدمية مثل وزارتي البلديات والزراعة والتنمية الاجتماعية. وذلك من خلال إلزام مكتب قاضي تنفيذ العقاب بإعداد سجل تدون فيه أسماء المحكوم عليهم الذين سيتم تشغيلهم وذلك عند تسلم الأمر الخاص بكل محكوم عليه ويدون فيه ما يفيد نهاية تشغيلهم. كما تلتزم الجهات المختصة بتشغيل المحكوم عليه مع إعداد سجل لحضور وانصراف المحكوم عليه، على أن يكون هذا السجل معتمداً من قبلها وتحت مسؤولية أحد موظفيها مع شرط التزام تلك الجهة بتزويد قاضي تنفيذ العقاب بنسخة من هذا السجل متى تطلب الأمر ذلك. وتلزم الجهة الإدارية المختصة بتشغيل المحكوم عليه مع مراعاة قدرته على إتمام العمل الذي يفرض عليه في ظرف ست ساعات بحسب حالة بنيته.
وفي المقابل تُلزم المحكوم عليه الذي يتغيب عن المحل المعد لتشغيله أن يتقدم فور عودته إلى عملة بعذر للجهة المختصة مبينا فيه أسباب تغيبه، وعلى الجهة المختصة تقدير الأسباب التي يبديها المحكوم عليه فإذا قبلت تلك الأسباب خطرت قاضي تنفيذ العقاب بذلك، وسمحت للمحكوم عليه باستكمال مدة تشغيله مع خصم أيام الغياب من تلك المدة، أما إذا لم تقبل اللجنة المختصة تلك الأسباب، فيتعين عليها إخطار قاضي تنفيذ العقاب فوراً بإرسال المحكوم عليه إلى السجن للتنفيذ عليه بالإكراه البدني الذي كان يستحق التنفيذ عليه، وعلى أن يخصم له من مدته الأيام التي قد أتم فيها ما فرض عليه تأديته من الأعمال، وقد حددت وزارة التنمية الاجتماعية ودار التسول والتشرد ومركز التأهيل الأكاديمي والمهني ومركز خدمات المعاقين ووزارة البلديات والزراعة عدداً من الوظائف يستفاد منها في العقوبات البديلة في عدد من المؤسسات الاجتماعية الأهلية مع الإشارة إلى أن ست ساعات هي الوقت المحدد للعمل في كل الوظائف المذكورة للمحكوم عليهم.
الخلاصـة:
المطلوب هو الإصلاح ومعاقبة المخطئ عن خطئه وليس دفعه إلى خطأ أكبر
نشر في جريدة الوطن الاثنين الموافق 18/02/2008م العدد 2698

Leave a Reply