الفساد.. الداء الأخطر على مستقبل الأوطان

Posted

in

by

الفساد.. الداء الأخطر على مستقبل الأوطان

بقلم: د. تركي فيصل الرشيد

 

إن أهم أسباب الفقر هو الفساد ونهب المال العام وحاجتنا إلى إعادة ترتيب أولوياتنا ففي اعتقادي يجب أن يكون الأمن ومحاربة الفساد والجهل والاهتمام بتحسين أحوال المواطن الاقتصادية على رأس أولوياتنا

 وافق يوم التاسع من ديسمبر الجاري مناسبة هامة هي اليوم العالمي لمكافحة الفساد، حيث اختارت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم يوماً دولياً من أجل إذكاء الوعي بمشكلة الفساد وما له من أضرار ومخاطر كارثية على الأمم والمجتمعات.

 وبالضرورة تصدر تصريح لرئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد محمد بن عبد الله الشريف عدداً من الصحف احتفاء بهذه المناسبة، شدد فيه على أهمية دور المواطن في المشاركة الفعالة لمكافحة الفساد ومحاربته وضرورة زيادة وعي الناس بما يتعلق بوجود الفساد وأساليبه وجسامته وما يمثله من خطر على المجتمع، ودور كل مواطن مسئولاً حكوميا كان أو غير حكومي في ترسيخ قيم النزاهة والشفافية واستنهاض روح المواطنة في البناء والإعمار, لافتاً إلى أن التنظيم الخاص بالهيئة يشدّد على تشجيع المواطن والمقيم في أن يكونا شريكين مع الهيئة في مواجهة الفساد.

 كما قام الشريف بزيارة المفتي العام للمملكة رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مشيداً بدوره في تقوية الوازع الديني والأخلاقي لدى أفراد المجتمع والالتزام بالنصوص الشرعية وتحذيرهم من مغبة الفساد، ومن جانبه طالب المفتي الهيئة بمتابعة المشاريع الكبرى التي تتولاها الدولة لخدمة المواطنين حفاظاً على المال العام وحمايته من عبث المفسدين.

 كل ما سبق جميل ومطلوب، ولكن يزداد يقيني بأن الإصلاح في الأرض ليس مجرد خطب أو تصريحات رنانة أو حتى نيات صادقة لا تصاحبها أفعال تنجزه، ولا يأتى إلا بدفع الناس بعضهم ببعض كما قال تعالى: “وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ”، خصوصاً وهذه الهيئة حقيقةً لا تأتي استثناء بل لها نظيراتها كثيرات في عالمنا العربي، ولكن يبقى التساؤل – مع التصريحات والزيارات وهي شيء لا غبار عليه – هل ارتقى الأداء إلى تطلعات المواطن؟

 للأسف يمكنني القول إن الفساد أصبح في عالمنا العربي منظومة تتقدم وتتسع دائرتها وتضم أعضاء جدداً لمسيرتها في نهب ثروات ومقدرات الأوطان وعرق أبنائها، منظومة أصبح لها طقوسها ودستورها ومنظروها، والشيء الوحيد الذي يميزها عن المحافل الماسونية هو فجورها العلني واستهتارها بكل قيم المجتمعات وعدم احترام مشاعر أبنائها.

 حسب الإحصائيات العالمية تراجعت السعودية من المركز الـ 50 في عام 2010، إلى المركز الـ 57 هذا العام في مؤشر مدركات الفساد الخاص بمنظمة الشفافية الدولية، وهو مؤشر يقيس مدى الفشل في حماية المواطنين من الفساد، سواء كان ذلك متمثلاً في إساءة استخدام الموارد العامة أو الرشوة والواسطة، حيث حصلت السعودية على المركز الـ 50 في عام 2010 بـ 4.7 درجة من 10 درجات على مؤشر مدركات الفساد، وتراجعت إلى المركز 57 هذا العام، محققة 4.3 درجة من 10 درجات، على نفس المؤشر، فيما حققت قطر المركز الأول عربيا بـ 7.2 درجة، وجاءت السعودية في المركز السابع.

 كما قسّم تقرير مؤشر الدول الفاشلة للعام 2010 الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي” و”مؤسسة صندوق السلام”, العالم إلى أربع مجموعات، أُولاها تضم الدول “الفاشلة” وعددها 37 دولة منها خمس دول عربية, فيما المجموعة الثانية تضم 92 دولة ليست فاشلة، ولكن كفاءتها بحاجة للتحسين، منها 11 دولة عربية والسعودية من ضمنها. وهذا التقرير كما تذكر المنظمتان يُوضع بالاعتماد على الآلاف من المقالات والتقارير التي تتم معالجتها بواسطة برامج إلكترونية وتقرير متعدد المراحل لضمان أعلى مستوى من الدقة والمنهجية، وتعتمد المؤشرات فيه على 12 عنصراً منها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي تبين على أساسها الدول “الفاشلة” من غيرها.

 إن المملكة مع ما تملكه من مداخيل عالية وأرصدة طائلة وشعب لا يتجاوز 27 مليوناً يستحق مكانة أفضل من هذه بلا شك، وحقيقةً يلمس المواطن حرص خادم الحرمين الشريفين على تحقيق هذه المكانة ومن خطوات ذلك إعلانه عن إنشاء الهيئة العليا لمكافحة الفساد، والواجب يحتم علينا أن يقوم كل منا بدوره، ويكفي أن نعلم أن 22 في المائة من السعوديين يعانون الفقر حسب التقرير السنوي لوزارة الشؤون الاجتماعية وذلك رغم الإعلان عن إنشاء إستراتيجية وطنية لمكافحة الفقر, فضلا عن مشكلات أخرى لا تقل أهمية، والأمثلة بكل أسف كثيرة، منها حلم السكن وإيجاد الوظيفة وعدم توفر أسرة للمرضى وكلها يحتاج تحقيقها تحديات جسيمة رغم المخصصات التي توجهها الدولة إلى هذه الجهات ما يشير إلى أن هناك خللاً بالتأكيد.

 وإن كان الفقر هو العدو الأول للاستقرار والأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي للوطن فإن محاربة الفقر يجب أن تشكل أولوية إستراتيجية من مختلف المناحي: اقتصادية اجتماعية سياسية، وأن تأخذ مكانها في أعلى سلم الأولويات الحكومية وإنني أجزم أن من أهم أسباب الفقر هو الفساد ونهب المال العام وحاجتنا إلى إعادة ترتيب أولوياتنا.

 فمكافحة الفساد لا يتأتى القيام به إلا باستشعارنا خطورة المشكلة وأبعادها وتصدينا لها، فللفساد أذرع كثيرة، من استغلال السلطة الإدارية ونهب المال العام والرشوة إلى التلاعب بالأنظمة والتقصير في أداء العمل انتهاء بالتستر واستقطاع الأراضي وغيرها من مشكلات تجلت مع ما تقوم به الدولة من مشروعات قومية هامة تُرصَد لها ميزانيات هائلة، كما أن المواطن العادي لم يلمس فرقا لهذه الهيئة عن غيرها من المؤسسات والجهات الرقابية الأخرى، حتى إنني أطالب بالتشهير بكل من يثبت بالدليل القاطع اقترافه لجرائم فساد كبرت أم صغرت.

 ومن أجل تطوير الهيئة ومن ثم أدائها لمهماتها باستقلالية كاملة وكفاءة عالية فهناك حاجة إلى الخبرات والكوادر المؤهلة رقابياً للعمل وأداء مهماتها ووظائفها، من متخصصين تخصصات دقيقة قانونياً وفنياً وإدارياً وتكوين بنية بشرية قادرة على الفحص والمتابعة لجوانب فنية وإجرائية في مجالات عملها الواسعة والمتعددة جداً والشاملة لكل مؤسسات المجتمع الحكومية وهذه كلها تحتاج إلى إمكانات لا تتاح بسهولة وانتشار فروع لها في كافة أنحاء المملكة، إضافة إلى معايير رقابة داخلية لضمان النزاهة والشفافية داخل هذه المؤسسة الهامة.

 الخلاصة

 في اعتقادي يجب أن يكون الأمن ومحاربة الفساد والجهل والاهتمام بتحسين أحوال المواطن الاقتصادية على رأس أولوياتنا، وأن تتوجه لها الجهود بادئ ذي بدء، وهو ما يحوجنا إلى إعادة ترتيب أولوياتنا، فمثلا لك أن تتخيل أن عدد مراكز الشرطة في العاصمة الرياض وفقا لتقارير صحفية يبلغ 18 مركزاً في مقابل 38 مركزاً لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأن الجرائم والقضايا الأخلاقية الفردية أصبحت أكثر أهمية من الشأن الأمني كالقتل والسرقة والسطو المسلح, وبالطبع ليس للأمر علاقة بهيئة الأمر بالمعروف أو عدد مراكزها فليس في ذلك أدني مشكلة طالما التزمت في عملها بمعايير ثابتة تضمن لكل فرد حقوقه الشخصية وخصوصيته دون انتهاك، ولكنها دعوة للتركيز على ما قد يشوبه قصور ويحتاج إلى مزيد اهتمام.

 ختاما

 أذكر أنه في بداية حملة الرئيس جورج بوش الأب لإعادة انتخابه تحديت كثيرين كانوا يرون حتمية فوزه بالانتخابات التالية فيما أكدتُ استحالة فوزه وذلك نظرا لقوة سلاح منافسه، حيث أجاد المرشح آنذاك بيل كلينتون الوصول إلى مواطنيه من البوابة الأسهل بشعاره المؤثر والذي وجهه نحو منافسه بوش الأب “إنه الاقتصاد يا غبي” وبالطبع كان بوش الأب غبيا لإغفاله أن الاقتصاد هو أمل المواطن الأول وبعده يمكن التحدث عن أي شيء آخر.

 كما أن التنمية والأمن وجهان لعملة واحدة، فلا تنمية دون أمن ولا أمن دون تنمية، فعندما تغيب التنمية يدخل بدلاً منها الفقر ويختل التوازن, وفي حال اختلال التوازن يظل الإنسان يبحث عن فرص التنمية وفرص العيش الكريم التي تتضاءل أمامه، الأمر الذي قد يدفع به إلى البحث عن البدائل من ارتكاب للجرائم المنظمة والقتل والسرقة والانضمام للعصابات، من هنا تكتسب محاربة الفساد والهيئة القائمة على هذا العمل أهميتها.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *