مقالات

احتواء التطرف… بين التمني والتفعيل

احتواء التطرف… بين التمني والتفعيل

بقلم: د. تركي فيصل الرشيد

إننا بحاجة إلى الاستفادة من الإصلاحات السياسية في فتح جروحنا وتنقيحها بمراجعة حقيقية لأدائنا وتفعيل مبادئ دولة القانون وحقوق المواطنة ونشر أفكار المصالحة والتعايش وقبول الآخر بين مختلف طوائفنا وتياراتنا الدينية والمدنية

دأبنا منذ سنوات عدة ومع شيوع مصطلحي الإرهاب والتطرف وارتباطهما بمجتمعاتنا العربية المسلمة على التعهد بتجفيف منابع هذا الفكر السقيم الذي ينزوي بصاحبه في ركنٍ قصي مُحمَّلاً بكراهية الآخرين، ولا نفتأ نكرر حكوماتٍ ومؤسسات التزامنا بذلك من واقع إدراكنا لأبعاد التطرف الفكرية ومدى تأثيره على المجتمع ككل.

ولكن يبقى التساؤل: هل تُرجمت تلك الإرادة السياسية عبر حكوماتنا العربية ومؤسساتنا إلى خطوات عملية ملموسة لا تكتفي بالمواجهات الأمنية واتهام الآخر دائما؟ أشك في ذلك!

إننا بحاجة إلى الاستفادة من الإصلاحات السياسية في فتح جروحنا وتنقيحها بمراجعة حقيقية لأدائنا وتفعيل مبادئ دولة القانون وحقوق المواطنة ونشر أفكار المصالحة والتعايش وقبول الآخر بين جميع طوائفنا وتياراتنا الدينية والمدنية. فللأسف الشديد لا يزال فضاؤنا العربي وخطابنا وإعلامنا يموج بتصريحات لا تعبر عن التوجه نحو معالجة حقيقية لهذا الملف بل قد تزيد النار اشتعالا دون محاسبة لقائليها، الذين يرتأون أن الجنة لا تتسع إلا لهم ولمن سار مسارهم فقط. وأجزم أن كثيراً منا يقع في خطأ كبير عند محاولته حصر الصواب في الطرح الذي يقدمه هو فقط والخطأ كل الخطأ فيما يقوله غيره.

نحن نقع في الخطأ نفسه الذي وقعت فيه الولايات المتحدة فيما أسمته حربها على التطرف والإرهاب، عندما نظرت إلى أمنها دون الاهتمام بأمن الآخرين ووجهت جهودها نحو اتهام الآخر دون النظر إلى أخطائها وما هو واجب عليها في الوقت نفسه، ولا أجد كدليل أفضل من الاعتراف الحاصل من دوائر أمريكية مختلفة بأن الولايات المتحدة باءت بالفشل في معالجة ملف التطرف الخارجي الموجه إليها، بل إن إستراتيجيتها التي اعتمدها أوباما- والمتضمنة الآليات التنفيذية لمكافحة التطرف الخارجي المصدر – أتت برد فعل عكسي زاد كراهيتها في كثير من دول العالم وبالأخص عالمنا العربي والإسلامي.

تقول المحاضرة في القانون في كلية الحقوق بجامعة هارفارد جيسيكا سترين في بحث حديث لها بدورية الشئون الخارجية إن إستراتيجية محاربة الإرهاب واحتواء التطرف لم تنجح رغم المواجهات والمعارك الكثيرة التي خاضتها الولايات المتحدة مع الجماعات التي تصفها بالتطرف في مختلف دول العالم, وذلك لأن الهدف من الإستراتيجية ليس فقط محاربة التطرف والإرهاب وإنما عدم نمو الجماعات المتطرفة بمعنى آخر تحجيمها وليس فقط محاربتها كما يظن البعض. وتضررت سمعة الولايات المتحدة كثيرا خاصة في العالم الإسلامي والعربي مع زيادة أعداد ووحشية المعتقلات الأمريكية خصوصاً معتقل جوانتنامو وسجن أبي غريب الذي زاد من العداء للولايات المتحدة الأمريكية رغم مئات الملايين من الدولارات التي تخصصها للصرف على برامج الدبلوماسية العامة سعياً لكسب عقول وقلوب الآخرين، خاصة العرب والمسلمين.

لقد أشارت جيسيكا سترين إلى أن كافة برامج إعادة تأهيل المعتقلين كانت بهدف حماية الأمن القومي المحلي فقط دون النظر لحماية الأمن الخارجي وأمن الآخرين، وهذا يعد أحد أهم عوامل ضعف تلك الإستراتيجية، إذ أن مقياس النجاح أو فشل عمليات مكافحة الإرهاب والتطرف خارج الولايات المتحدة يؤثر بشكل كبير على أمن الولايات المتحدة الأمريكية وشعبها سواء في الولايات المتحدة ذاتها أو حتى خارجها.
كما كتبت ديبا آير المدير التنفيذي لإحدى منظمات الدفاع عن حقوق الأمريكيين الآسيويين مقالاً نشرته صحيفة نيويورك تايمز, أكدت فيه أن جلسات الاستماع الجارية في الكونغرس حول المسلمين في الولايات المتحدة التي نظمها النائب بيتر كينغ والمحاولات الخاطئة لحظر الشريعة الإسلامية في عدة ولايات ساهمت في تعزيز المناخ السائد المتعصب.

ويلاحظ الجميع حرص الرئيس أوباما قولاً وليس فعلاً على التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تعادي الإسلام ولا المسلمين لأنها تؤمن بمبادئ العدالة والتسامح وحقوق الإنسان والحريات، ولكن عندما يتعلق الأمر بمصالحها نجد ازدواجية ساطعة وتناقض مواقف لا يحتاج إلى شواهد . من هذا المنطلق يغلب على ظني أن أحد أبرز أسباب التطرف التي تغفلها الاستراتيجيات الشعور بالظلم سواء أكان شعورًا حقيقياً أو حتى من نسج خيال صاحبه، حيث غالبية الإرهابيين والمتطرفين الذين يستندون في تطرفهم إلى الأيديولوجية الإسلامية المتطرفة هم في أغلب الأحوال يجهلون المبادئ التي يحث عليها الإسلام، ولكن يجمعهم الشعور بالكراهية ضد الآخرين وهو شعور يجعل من حياتهم الفارغة المحطمة حياة ذات معنى، فضلا عما يستشعروه من ازدواجية في معايير التعامل مع مختلف القضايا.

ومما يجعل مسألة مكافحة الإرهاب والتطرف من أكثر الموضوعات تعقيدًا وصعوبة اعتبارات عدة، أبرزها أن مصطلح الإرهاب هو مصطلح غير محدد وغير واضح، والدليل على ذلك تعذر التوصل لتعريف جامع مانع متفق عليه من قبل كافة المهتمين بدراسة الظاهرة التطرفية أو الإرهابية، كما أن الخط الفاصل بين الإرهاب والتطرف من جانب وبين حق الدفاع الشرعي عن النفس من جانب آخر الذي أقرته كافة المواثيق والمعاهدات الدولية لا يزال كذلك غير واضح، ولم تتطرق كافة محاولات مكافحة الإرهاب بالتحليل بصورة متعمقة لأسبابه الحقيقية المتمثلة في الاحتلال واغتصاب الحقوق والاستغلال، وكذلك من أبرز أسباب الفشل في إيجاد حل للتطرف هو ربطه بالدين الإسلامي فقط على الرغم أن هذا الأمر بعيد كل البعد عن الصحة والدليل على ذلك أن الإسلام أول من تحدث عن مبدأ التسامح وقبول الآخر، وأخيرا الرؤية غير المتوازية والمعايير المزدوجة في النظر للإرهاب على أنه إرهاب جماعات وأفراد دون النظر إلى إرهاب الدول والممارسات القمعية التي تقوم بها تجاه الشعوب العزل من الأسلحة وليست الحاصل في فلسطين عنا ببعيد.

الشعوب العربية خاصة الخليجية منها شعوب معتدلة في معتقداتها الإسلامية, فيما يشكل المتطرفون فيها أقلية لا تُذكر إلا أنها للأسف تبدو مؤثرة، والواجب يفرض علينا نبذ وجهات النظر المتطرفة، ونبذ العنف كوسيلة للتغيير، وأن يعلم كل مواطن عظم شأنه أو قل أن له حقوقاً وعليه واجبات في الوجود وفي التعبير عن نفسه شريطة أن تتم محاسبته إذا تعدى على حقوق الآخرين.

هناك حاجة إلى معالجة التطرف على جميع المستويات، فلا يمكن ممارسة التطرف ضد الآخرين ثم يدعي بعضنا محاربته، فالتطرف كالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله، ولكي تتم مكافحة التطرف يجب أن تكون المعالجة بنظرة شاملة لمفهوم الأمن عبر تبني إستراتيجية تحمي الأمن الداخلي والخارجي للدولة بمختلف طوائفها وأقلياتها، مع معالجة حقيقية لقضايا ملحة كالفقر والبطالة والجهل والفساد التي إذا تم القضاء عليها قُضي على التطرف ذاتيا.

وهذه الشعوب تجدها على الدوام تبحث عن القيادة المحافظة المعتدلة التي تمثل تيار الإسلام المعتدل، فلا تتعادى مع الآخر بل تقبله وتتبنى رأسمالية السوق، ولا تستخدم الشعارات الدينية في خطاباتها السياسية. ولقد فهمت التيارات والقوى السياسية البارزة على الساحة اليوم هذه الرسالة جيداً، ويتضح هذا جلياً في تصريحات ورسائل الطمأنة التي يرسلها الفائزون في انتخابات الربيع العربي سواء الإخوان المسلمون في مصر أو النهضة بتونس أو حزب العدالة والتنمية بالمغرب، كما يعكس فشل أحزاب أخرى ولفظ المجتمع لها جراء تصريحات بعض المحسوبين عليها – التي تكفر الديمقراطية والأطياف الأخرى في المجتمع – المزاج الإسلامي العام النابذ للتطرف والمائل إلى الاعتدال الذي هو قوام الإسلام، فالتدين الحقيقي لا يقاس بالمظاهر والادعاءات فقط قدر كونه الاستقامة وسلوكيات تشمل حياة المرء كاملة بين الناس أو منفرداً مع العلم واستحضار النية.

هناك حاجة إلى معالجة التطرف على جميع المستويات، فلا يمكن ممارسة التطرف ضد الآخرين ثم يدعي بعضنا محاربته، فالتطرف كالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله، ولكي تتم مكافحة التطرف يجب أن تكون المعالجة بنظرة شاملة لمفهوم الأمن عبر تبني إستراتيجية تحمي الأمن الداخلي والخارجي للدولة بمختلف طوائفها وأقلياتها، مع معالجة حقيقية لقضايا ملحة كالفقر والبطالة والجهل والفساد التي إذا تم القضاء عليها قُضي على التطرف ذاتيا.




Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*