الرابحون والخاسرون في الربيع العربي

Posted

in

by

الرابحون والخاسرون في الربيع العربي

 بقلم: د. تركي فيصل الرشيد

في اعتقادي يُخطئ من يظن أن الربيع العربي يوشك أن يصلح المفاسد المتراكبة في العالم العربي دفعةً واحدة، فالطريق مازال طويلا ولكن يمكننا القول إنها بداية على الطريق الصحيح نتج عنها خاسرون كثر ورابحون أكثر

 

أحد عشر شهراً منذ بدأت الثورات العربية منطلقةً من تونس في ديسمبر الماضي لتعم عدداً من دول منطقتنا العربية, مطالبةً بإصلاحات دستورية حقيقية تحدد حقوق المواطنة وصلاحيات الحكومة، وتركز على العدالة الاجتماعية في عقد اجتماعي جديد بين الحكام والمحكومين.

وحقيقةً أن هذا الانفجار الذي طاول العديد من الدول العربية لم يكن مفاجئاً كلياً، فقد بشرت تقارير عدة قبل سنوات بوجود دلائل تنذر بدنوه، منها تقرير التنمية البشرية في الدول العربية العام 2002 الصادر عن الأمم المتحدة والذي تحدث عن اختلالات عميقة ومتجذرة بالعالم العربي، وقضى التقرير بأن هذا الشيء يُفصح عن نفسه بعدم وجود احترام لحقوق الإنسان وحرياته فضلاً عن حالة متردية للنساء ووضع متدنٍ في مجالات عدة.

لكن في اعتقادي يُخطئ من يظن أن الربيع العربي يوشك أن يصلح المفاسد المتراكبة في العالم العربي دفعةً واحدة، فالطريق مازال طويلا برغم أن الشباب مندفعون – وكل الثورات يصنعها المندفعون وليس العقلاء – ولكن يمكننا القول إنها بداية على الطريق الصحيح.

لقد فرضت ثورات هذا الربيع واقعاً جديداً في العالم العربي، وحركت المياه الراكدة وجانباً من الجمود السياسي في المنطقة، وأحدثت اهتزازات في العلاقات ما بين القوى المحلية والدولية، ولا تزال الثورة تحمل في رحمها الكثير من المفاجآت خصوصاً لمصلحة الشعوب الثائرة ضد الطغاة والقوى المسيطرة خاصة الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن هنا نستطيع القول إن المؤشرات الأولية للثورات الحاصلة الآن تشير إلى عدد من الخاسرين لم يتوقعوا أو منُّوا أنفسهم بعدم إمكانية حدوثها، مقارنةً بفئات رابحة عدة تمني النفس بالسير إلى آخر هذا الطريق.

ففي دائرة الخاسرين لا شك أن الخاسر الأول من الربيع العربي هو إسرائيل، وفي المركز الثاني الولايات المتحدة التي تزعم أنها تساند هذه الثورات ثم في المرتبة الثالثة تأتي إيران. أما على مستوى الأفراد فهنالك الكثير من الحكام والأنظمة الفاسدة التي ظلت تحظى بدعم الولايات المتحدة والدول الغربية ماليا وسياسيا ثم لم ينفعها ذلك بشيء.

بالنسبة لإسرائيل فكانت الخاسر الأكبر في كل ذلك, رغم أنه لا توجد صلة مباشرة بين إسرائيل والتطورات الثورية في مصر وسورية واليمن وتونس وليبيا وبلدان عربية أخرى، فإنه لا شك في أن نتائج هذه الثورات أثرت عليها وستؤثر في المستقبل تأثيراً شديداً سيُجبرها على دفع ثمن الجمود السياسي خلال العقود الماضية وسياساتها المتشددة التي أجهضت كل مبادرة من قبل القيادات العربية دون أي حساب لردة فعل الشارع العربي.

فلا أحد يجزم الآن بما تخبّئه الأقدار لاتفاقية السلام المسماة كامب ديفيد والتي طالما بلغت حد قدسية التنفيذ من الجانب العربي فيما لم تحترمها إسرائيل يوماً ما، لذا فثمن الجمود واحتقار العالم العربي وسياسة القتل والتشريد قد يُسبب إلغاء شبه فوري لهذه الاتفاقية مع مصر والأردن ووقف تام لكل شراكة إسرائيلية فلسطينية في الأمن والاقتصاد، ما سيُوجب نفقات أمنية هائلة مع وجود شباب يطالب بحقه في الرفاهية.

وفي دراسة أعدّها مركز أبحاث الأمن القوميّ في جامعة تل أبيب أوضحت أنّ اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية تنتظر الحكم النهائي بشأنها، كما هو حال الرئيس المصريّ المخلوع، فالغموض بات يحيط بمستقبل تلك الاتفاقية، وفي أعقاب إسقاط نظام مبارك وحالة الضبابية التي تسود العلاقات بين القاهرة وتل أبيب فمن المحتمل أن تتدهور العلاقات بين البلدين بشكل كبير لتصل إلى حالة العودة للحرب بين البلدين، أو على الأقل السلام البارد الذي قد يتحول إلى حرب باردة مع سلام بشكل رمزي فقط.

فالنظام الجديد الذي سينشأ في مصر ورغم تطلعه للتخلص من أية صلة بنظام مبارك لكنه سيسعى بلا شك إلى تعزيز المكانة الدولية لمصر عمومًا وفي العالم العربي على وجه الخصوص، وإسرائيل بطبيعة الأمر غير قادرة على منافسة مصر على زعامتها للعالم العربي، لكن مع ذلك تتطلع مصر لتقزيم قوة إسرائيل، وهنا يأتي دور واشنطن للتدخل وحل أي صدام قد ينشأ بين دولتين حليفتين لواشنطن، هما من أكبر الدول في منطقة الشرق الأوسط، مصر وإسرائيل، لأن هذا الصدام سيكون بمثابة الكارثة لها، ولعل هذا يفسر التغير الطارئ في الموقف الأمريكي وفي أعقابه تغيّر موقف الأسرة الدولية جميعها، حيث أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في المؤتمر النووي الذي عُقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك بمشاركة ممثلي أكثر من 150 دولة أن الولايات المتحدة تنضمّ للمطالبين بتجريد الشرق الأوسط من السلاح النووي، وانضم لكلينتون ممثلو الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الذين نشروا بيانًا يفيد بالتزامهم بالعمل السريع من أجل التجريد التام للشرق الأوسط من السلاح النووي. ولمحاولة التغلب على صعاب هذا التخطيط فلا حاجة إلى هيئة قيادة عامة يكون جنرالاتها هم الأفضل، فإسرائيل تحتاج إلى هيئة قيادة عامة مدنية تفكر بصورة مختلفة تتحرك بشكل مخالف للسياسات اليمينية المتطرفة.

أما الخاسر الثاني فهي الولايات المتحدة بلا شك، والأسباب بسيطة، حربان فاشلتان وعجز هائل في الميزانية وشلل سياسي حيث يقترح الحزب الجمهوري اقتراحات وعندما يوافق عليها الرئيس الديمقراطي يرفضها الجمهوريون ولا تستطيع الإدارة الأمريكية اختيار القادة في العالم العربي, وهنالك الكثير من الآراء الشعبية التي تعكس الغضب والإحباط ضد السيطرة الاستعمارية الغربية.

ويتوقع الكثيرون أن الجماهير العربية لن تنتخب زعماء موالين للولايات المتحدة وأن الإسلاميين والقوميين هم المستفيدون الأكثر احتمالا للتغيير، كما يرون أن القوة الأمريكية في تراجع مستمر مع تقلص القدرة على السيطرة على الأحداث.

ويكفي لبيان تناقص الدور الأمريكي والإسرائيلي ما نقلته إذاعة الجيش الإسرائيلي أن غضبا شديدا ساد المجتمعين بسبب تجاهل الرئيس الفلسطيني التحذيرات التي أُرسلت من واشنطن وتل أبيب له بعدم التصالح مع حماس، مشيرة إلى أن بعض الوزراء طالبوا بقطع كامل للعلاقات مع السلطة، وتطبيق عقوبات جديدة كالمنع من السفر لبعض قياداتها، وتحديد تحركاتهم في الضفة، إضافة إلى المنع الكامل لتحويل عائدات الضرائب إليها.

الخاسر الثالث هي إيران، إذ كان يُنظر إلى الثورة الإيرانية من قبل البعض بالاعتزاز لمطالبتها بالاستقلال الإقليمي ضد الهيمنة الأمريكية ووقوف الجمهورية الإسلامية مع القضية الفلسطينية وصعود حركات التحرر الوطني مثل حماس والمقاومة في لبنان مثل حزب الله وتقديم الطرح الإسلامي المتشدد, الآن يوجد الطرح الإسلامي التركي المدني المعتدل، وقد حقق النموذج التركي نجاحاً في المجالين السياسي والاقتصادي أجبرا الكثيرين على احترام التجربة التركية.

في المقابل، فالفائزون من الربيع العربي هم أولاً المواطنون العرب، ثم القوى الإسلامية المعتدلة ومؤسسات المجتمع المدني وأخيراً القوى الجديدة الصاعدة، فالإسلام المعتدل حتى الآن يحظى بنصيب وافر من كعكة هذه الثورات, فاستحواذ الحزب الإسلامي في المغرب على الانتخابات الأخيرة ومن قبله فوز النهضة بالانتخابات التونسية والمؤشرات الأولية لاكتساح الأحزاب الاسلامية للمرحلة الأولى من الانتخابات المصرية هي مؤشرات على ما نقول.

وبالعودة إلى الفائز الأول فهو الشعب العربي عامة وبنسب مختلفة, الشعب التونسي أول من حقق نتائج الفوز، وصرح الغنوشي للصحافة بعد لقاءاته مع القيادات الإسلامية بأن النهضة شكلت ائتلافا بينها وبين حزبي التكتل والمؤتمر لقيادة تونس نحو الحرية والديمقراطية، فحركة النهضة التونسية الآن تؤسس لنظام يزاوج بين الإسلام والحداثة ويقبل التيارات جميعها، ويتحاور مع الأطراف لصنع نموذج يدرأ عن الإسلام صفة الإرهاب والتعصب والتطرف ومعاداة الديمقراطية وكل ما هو خير.

وفي مصر واصل ملايين المصريين الإدلاء بأصواتهم في بداية الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية ويرى مراقبون أن مصر تشهد في هذه الانتخابات أول اختبار حقيقي لها في مرحلة التحوُّل الكبيرة التي تمر بها مصر بعد حقبة مبارك، وسط خلافات متصاعدة بين مفجِّري ثورة يناير من الشباب والمجلس العسكري الحاكم، لما اتَّسمت به الأشهر التسعة الماضية من خلافات وتعثُّر في إحداث تغييرات سياسية جذرية في البلاد. والأمر في مصر ما بين شد وجذب بين الشباب الثائر من ناحية والمجلس العسكري من ناحية أخرى، والضغط الشعبي قد يكون السبيل الوحيد أمام المصريين لإجبار العسكري على تسليم السلطة، وعلى كلٍّ فرغم أن الوقت ما زال مبكرا للحكم على التجربة المصرية إلا أن الواقع يؤكد أن مصر تغيرت ولن تعود كما كانت.

أما في اليمن فتم رحيل أول دكتاتور بإرادة شعبية، وأسقط الشعب اليمني علي عبد الله صالح بعد أن وقع في الرياض على المبادرة الخليجية بعد طول تسويف وتشويه للثوار ولأهدافهم وتوظيف الدين.

وفي البحرين تم الإعلان عن أن اللجنة الوطنية ستقوم بدراسة توصيات تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق وتقوم بوضع مقترحاتها بما في ذلك التوصية بالتعديلات الضرورية في القوانين والإجراءات وكيفية تطبيق هذه التوصيات.

إلى جانب هؤلاء جميعاً تضاف مجموعة ثانية من الفائزين هي القوى الصاعدة مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وتركيا وكندا وغيرها التي تجد نفسها الآن في عالم متعدد الأقطاب بعد أن كانت الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة الوحيدة.

الخلاصة

لا يمكن بعد ثورات الربيع العربي ازدراء الرأي العام, إذ يجب أن يؤخذ في الحسبان رأي المواطنين وأن يكون صندوق الانتخاب هو الفيصل، وعلى الجميع استخلاص الدروس من الثورة التونسية، التي شهدت انتخابات حرة نزيهة لانتخاب مجلس تأسيسي لمدة عام يضع دستوراً للبلاد ويعين حكومة منتخبة مؤقتة وينتخب رئيسا مدنيا للدولة، في ظل حالة من التعايش والتوافق لم يسبق لها مثيل في المنطقة العربية.

ختاماً

الإطاحة بهؤلاء الطغاة في المنطقة العربية هذا العام كان عملاً رائعاً وحقق معجزةً بكل المقاييس، وتم انتزاع هؤلاء الطواغيت عن عروشهم على الرغم من ملايين أفراد الأمن والسلاح والمعدات، وهذا دليل واضح على عطش هذه الشعوب لمستقبل أفضل وحرية أكبر، وسوف يكون محزناً ومخجلاً ضياع فرصة قيام الدولة المدنية القائمة على سيادة القانون بعد كل ما بُذل من قبل هذه الشعوب من تضحيات وشهداء كانت أقصى أمانيهم أن يروا بلادهم تنعم بالحرية والعدالة الاجتماعية. ولكن علينا ألا نقع تحت وطأة أي خداع من أن نتيجة هذا الربيع ستكون ما يطمح إليه الملايين من العرب في الأمد القصير، فهذه الشعوب بحاجة إلى جهود جبارة للحفاظ على مكتسباتهم.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *