لعبة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران

Posted

in

by

لعبة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران

بقلم د. تركي فيصل الرشيد

 

الضجة المثارة حول قيام أمريكا بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران ليست سوى ابتزاز رخيص غرضه توجيه المزيد من الضغوط ضد إيران فأمريكا تبدو كمن حضّرت العفريت وتريد من غيرها صرفه فبعدما دمرت العراق وسلمته لقمة سائغة إلى إيران تريد حاليا تدارك الوضع ولو على حساب أمن ومقدرات دول أخرى

استرجاع التاريخ خاصة التاريخ السياسي والتمعن في أحداثه ليس غايةً في حد ذاته بل محاولةً لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، لكن بكل أسف التاريخ في عالمنا العربي لا يتم تدريسه بالطرق الصحيحة.

نذكر جميعا كيف أشار باراك أوباما في وقت مبكر من حملته الرئاسية العام 2008، إلى إتخاذه سياسة خارجية مختلفة تماما عن سياسة سلفه بوش خاصةً فيما يتعلق بإيران, وأوضح مراراً أن سياسة بوش للضغط على إيران لم تُجد نفعاً، وأنه سيكون مستعداً لإجراء محادثات مع زعمائها لإيجاد سبل للحد من التوترات والمخاطر.

الآن وبعد عدة سنوات من توليه الرئاسة يمكننا القول ما أشبه الليلة بالبارحة، فسياسة أوباما مع إيران لا تختلف كثيراً عن نظيرتها لدى سابقه جورج بوش، ولشدة غباء هذه السياسة لم يتحقق مراد الولايات المتحدة وانقلب السحر على الساحر، حيث أدت العقوبات الاقتصادية الى إضعاف المجتمع المدني وتعزيز دور الدولة عبر ما تملكه من أموال بيع النفط وسوقها الداخلية الكبيرة على عكس ما كانت ترغب أمريكا، وذلك في وقت ما فتئ جميع المسئولين الإيرانيين يكررون على الأقل في الظاهر باستمرار أنهم لن يطوروا أسلحة نووية ولم تثبت أمريكا بالدليل الفعلي ما يؤيد زعمها، وفي مقابلة أجراها سيمور هيرش في مجلة نيويوركر مع محمد البرادعي المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية قال انه لم يجد أي دليل على أنه تم تسليح إيران لبناء منشآت الأسلحة النووية واستخدام المواد المخصبة، علما أن سيمور هيرش ذكر حديثا أنه يغطي ويتابع إيران والسلاح النووي خلال العشر سنوات الماضية, وأنه لا يوجد دليل واحد قاطع على برنامج إنتاج الأسلحة النووية في إيران. كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز بعد يوم من تقرير الوكالة أن الوكالة جمعت مجموعة نفيسة من الأدلة الجديدة التي، كما يقولون، تجعل من قضية أن إيران قد تكون تنفذ أنشطة الأسلحة النووية بمستوى تفاصيلها لا تصدق.

إذاً من شأن ضربة موجهة إلى إيران أن يكون أمراً في غاية الحماقة، أو “أغبى شيء قد يُسمع”، كما يقول مئير داغان الرئيس السابق لجهاز الموساد، لماذا؟ لأن من شأن الهجوم الأمريكي أو الإسرائيلي أن يكون مكلفاً، وستكون هذه الضربة الإستباقية خير وسيله لتوحيد الإيرانيين خلف النظام، وإمكانية إشعال حروب دامية في لبنان. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تقضي على برنامج ايران النووي قد يكون يومًا من الضربات الجوية والصاروخية، ووقتها يمكن لإيران أن ترد بقطع صادرات النفط والتعدين في مضيق هرمز، بما يؤدي لارتفاع السعر العالمي للنفط ثلاثة إضعاف وانزلاق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى ركود اقتصادي، كما أن الهجوم العسكري سيضعضع الاستقرار في المنطقة ويضر بالاقتصاد.

وكذلك فإن الشتاء الأمريكي الذي تتعلق رفاهية المواطنين فيه بأسعار وقود التدفئة والسفر ليس موعداً سهلاً للمس بإنتاج النفط ومردود ذلك على منتجات أخرى في الخليج، كما سوف تتعرض القوات الأمريكية ودبلوماسيون ومدنيون في مناطق عدة إلى هجوم مكلف لا أحد يعرف كيف سينتهي في وقت تفتقر الولايات المتحدة فيه إلى جيش كبير بما يكفي لاحتلال إيران.

ولكل ما سبق وغيره يمكن القول إن هذه الضجة حول قيام أمريكا أو إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران ليست سوى ابتزاز رخيص اعتادته الولايات المتحدة ضد من ترغب، وغرضه توجيه المزيد من الضغوط الاقتصادية والسياسية ضد إيران في هذه الحالة. وبالنظر إلى الأمر بصورة كلية تبدو أمريكا كمن حضّرت العفريت وتريد من غيرها صرفه ولو على حساب أمنه ومقدراته، فالولايات المتحدة دمرت العراق وسلمته لقمة سائغة إلى إيران ولما بدا لها مخاطر ذلك تريد تدارك الوضع ولو على حساب أمن ومقدرات دول أخرى.

بعد هذا الاستعراض يدور تساؤل يثير تعجب الكثيرين عن موقف المرشحين الجمهوريين والعائد من توجيههم الدعوة ليل نهار لمهاجمة إيران، هل هو فقط للحفاظ على الحليف الإسرائيلي باعتباره القوة النووية الوحيدة في المنطقة وينبغي أن يموت الآلاف من الأميركيين أو يعودون الى الوطن بدون أطراف في سبيل الحفاظ على التفوق الاسرائيلي في المنطقة. وهو الحليف الذي أوقعها في مأزق كبير عندما افتعل حربا في قطاع غزة وارتكب مجازر راح ضحيتها الكثير من الأطفال والمدنيين وأحرج كل الأنظمة العربية المعتدلة ودمر العملية السلمية وحل الدولتين، وهي العملية التي وعد مستشارو الرئيس بالتركيز عليها وإعطائها دفعات الى الأمام بإخراجها من حال التعثر التي تعيشها.

الخلاصة

لم ينجح تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي ندد بإيران في تجنيد روسيا والصين لعمل قوي تجاهها، وإدارة أوباما لا تطمح الى استغلال الفرص للهجوم على إيران، بل على العكس تماما إنها تبحث عن أسباب للامتناع عنه. ومع الوضع الاقتصادي شديد التعقيد حالياً في أمريكا وفي العالم ليس أمام أوباما سوى العودة إلى منهجه الأصلي ومحاولة التعامل مع إيران بالحوار والاتفاق.

ويكفي القول إن الحديث عن توجيه هذه الضربة يبدو شديد السذاجة للعوام قبل المتخصصين، فكيف يتسنى ذلك وإسرائيل تعلم أن الرد الإيراني لن يكون سهلا عليها وأن القواعد الأمريكية في الخليج على مرمى حجر من الرد الإيراني والجنود الامريكان يمثلون في حقيقة الأمر رهائن لدى النظام الإيراني وهل يستطيع أوباما وهو مقبل على انتخابات رئاسية أن يتخذ خطوة كهذه قد تسهم في انهيار أسهمه؟!

ختاما

ما يهمنا نحن أن ننحي لعبة المفاوضات الامريكية – الإيرانية جانباً ونبحث نحن الخليجيين عن مصالحنا، وأتمنى ألا تدخل الدول الخليجية في معارك هي في النهاية الخاسرة فيها، فأمريكا في هذه الفترة لا يمكن الاعتماد عليها، وكل ما يدور من حولنا هو محاولات من أمريكا لكي تضغط على إيران لكي تؤمن لها الانسحاب المشرف من العراق ، فبينما إيران تملك الكثير من أوراق الضغط نجد الولايات المتحدة لا تملك من هذه الأوراق ما يحقق مرادها. كما أن إيران هي دولة مجاورة نختلف معها في الكثير من الأمور ونعلم الكثير عن نواياها في المنطقة ولن نسمح لها أبداً بالمساس بوحدتنا أو مقدراتنا ولكن يجب ألا ننجر بأرجلنا إلى التهلكة، وأن نبحث نحن أيضا عن مصالحنا وحسب.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *