بين تراجع الدور الأمريكي والموقف العربي

Posted

in

by

بين تراجع الدور الأمريكي والموقف العربي

بقلم: د. تركي فيصل الرشيد

التعويل على أمريكا وحدها بداية الطريق إلى الخسارة بالنسبة لنا كعرب فأمريكا ليست المارد الذي لا يقهر كما يصور لنا إعلامها خاصةً مع ظهور قوى عدة تتجه سريعاً نحو المنافسة على القمة

ها هي فترة ولاية الرئيس الأمريكي أوباما الأولى توشك على الانتهاء، في ظل شك كبير في قدرته على كسب ثقة الناخبين والحصول على فرصة أخرى أو فترة رئاسية جديدة، إذ سيدخل هذه المرحلة وهو يواجه صعوبات كثيرة على رأسها ضعف الاقتصاد وازدياد معدل البطالة بين الأمريكيين، ويكفي أن يُعلم أن أكثر من 25 مليون أميركي يواجهون البطالة أو عدم امتلاك وظيفة تكفي متطلباتهم أو مهاراتهم في حقبة رئاسته، أضف إلى ذلك أن عملية البحث عن عمل أصبحت تتطلب وقتا أطول من ذي قبل.

وكان أوباما قد نجح بالفعل في بداية حملته العام 2008 في إقناع الأمريكيين بقدرته على التفكير الإبداعي وابتكار حلول خارج الصندوق لمشكلات أمريكا التي بدأت تتفاقم في عهد سلفه بوش إلا أن الأيام التالية أثبتت خطأ قناعاتهم، وإن كان يتعلم ويكتسب الخبرة يوميا التي يجوز أن تساعده في الانتخابات المقبلة إلا أن المؤشرات المتبدية تشير إلى أنه قد فات أوان الاستفادة من هذه الخبرة خصوصا مع مجتمع لا يزال يتشبث بحلم القطب الأوحد وأنه المجتمع المثالي الوحيد على الأرض.

 

ولقد صرح أوباما نفسه في مقابلة تلفزيونية بأن قوة الولايات المتحدة آخذة في التراخي، وأثارت هذه التصريحات عاصفةً تجاهه من القوى اليمينية من أصحاب التفاؤل المتهور الناشئ عن اليأس, على رغم أن التصريح كان ضمن سياق أن الولايات المتحدة قوى عظمى ولكن بدأت قوتها تتراخى.

وحقيقةً عندما نستعرض حقائق المرحلة نجد البراهين الدالة على تراخي قوة الولايات المتحدة الأمريكية بالفعل آخذة في الازدياد، فأسرع كمبيوتر في العالم يوجد في الصين, عجز هائل في الميزانية, جمود سياسي واقتصادي في معظم المقاييس العالمية للمنافسة, ومثال على ذلك في منتدى الاقتصاد العالمي حلت الولايات المتحدة في المرتبة الخامسة, خلف السويد وسنغافورة وفنلندا وسويسرا، وبحسب الدراسات فالولايات المتحدة تأتي خلف اليابان وجنوب كوريا والسويد في تقنية المعلومات ومراكز البحوث والتطوير، بل تأتي في ذيل قائمة الدول الـ 44 التي سعت لتطوير قدراتها التنافسية خلال العقد الماضي, كما صرح رئيس شركة انتل بقوله “إنه يمكنه بناء مصنع في أي مكان والحصول على محفزات تصل إلى بليون دولار ولكن ليس هنا”.

أمريكا كانت تحتل أعلى نسبة خريجين من الجامعات، والآن تحتل المرتبة التاسعة وهي في انحدار. وقبل عدة أعوام كان عدد خريجي تخصص الهندسة 6% فقط مقارنة بـ 20% لليابان و16% لألمانيا.

 

ليس ما سبق كل شيء، فقبل ثلاثة عقود كانت نسبة المسجونين من خريجي الجامعات بولاية كاليفورنيا 3% الآن نسبتهم تجاوزت 11% من الخريجين و8% من حمله التعليم العالي، فخريجو أفضل الجامعات الأمريكية مقتنعون بأنه للحصول على أموال أكثر يجب عليك أن تجيد صناعة الفهلوة والصفقات، وهذا أفضل باعتقادهم من إجادة حرفة العمل وإنتاج المنتجات الصناعية.

ولعلنا نختم المؤشرات التي تم الحصول عليها من مجلة التايم بأن الولايات المتحدة الأمريكية تصرف بمعدل 4 دولارات على كل فرد أمريكي فوق سن 65 سنة مقارنة بدولار واحد لكل طفل ومن هو دون الـ 18 عاماً. وكانت مجلة التايم قد أجرت مقابلة مؤخرا مع الرئيس المكسيكي فيلب كلديرون، وعندما سُئل عن مميزات وعيوب أن تكون بلاده جارةً للولايات المتحدة فأجاب: “الحسنات اقتصادية، أما السيئات فأنت بجوار أكبر مستهلك للمخدرات والعالم كله يحاول الوصول إلى هذا السوق عن طريق بوابتك، كذلك هو في نفس الوقت أكبر مصدر للسلاح في العالم ويستعمل بوابتك للوصول إلى الأسواق العالمية عن طريقك، هذا وضع يصعب التعايش معه، خاصةً أنه لا توجد إدارة أمريكية عازمة على المساعدة في حل هذه القضايا المدمرة.

بعد هذا التحليل السابق الذي تعمدت ذكره بشيء من التفصيل عن أوضاع البلد الأهم والمتحكمة في القرار على المستوى العالمي ودون الخوض بالتفصيل في أنه لا يهمنا كثيراً من يتولى الرئاسة لديهم أعود لأؤكد على ما كتبته مراراً ولا أملُّ تكراره من أن التعويل على أمريكا وحدها هو بداية الطريق إلى الخسارة بالنسبة لنا كعرب، وأن أمريكا ليست هي المارد الذي لا يقهر كما يصور لنا إعلامها، خاصةً مع ظهور قوى عدة تتجه سريعاً نحو المنافسة على القمة.

إن من أسوأ الأمور عند القيام بخطأ ما بدلاً من الاعتراف ومواجهة هذه الأخطاء، أن تحاول تغطيتها بغباء فتكون النتيجة أكثر ضرراً، والملاحظ أن المعلقين الأمريكيين والمحافظين كانوا يبحثون عن الحقيقة المرة ويصرحون بها، أما الآن فهم يبحثون عن الأوهام مثل التصريح بأن الولايات المتحدة هي الأعظم وهي الأولى وغير ذلك من كلمات رنانة تدغدغ مشاعر المواطنين.

من منا لا يتذكر موجة التفاؤل الهائل التي اجتاحت العالم العربي عندما أُعلن عن فوز الرئيس أوباما في الانتخابات – وهذه من المفارقات التي يُستغرب حصولها في دلالة على أننا لا نتعلم – وبكل أسف لم يشارك كاتب هذه السطور في تلك الصورة المشرقة الذي رسمها الكثير في مخيلاتهم، وكتبت مقالات عدة محذراً من تلك الموجة وختمت إحدى تلك المقالات بالقول “أقدم اعتذاري لبعض القراء على أني أيقظتهم من أحلامهم بما سوف يفعله أوباما لهم، لن يساعدنا الآخرون ما لم نساعد أنفسنا، يجب أن تكون قياداتنا العربية تملك الشرعية الشعبية ولا تكتفي بالشرعية البوليسية، فنحن كقوى عربية نملك الكثير من مفاتيح القوى، ولكن إذا اعتمدنا على غيرنا فلا توجد لدينا أية مفاتيح، سوف نحصل على الكثير من حقوقنا عندما نعطي بعضنا حقوقهم، وعند ذلك لا يهم من سيكون الرئيس الأمريكي ابن حسين أو ابن كوهين”.

الخلاصة

إن السياسة الأمريكية واحدة لا تختلف بوجود بوش أو أوباما أو غيرهما، فالرئيس الامريكي يأتي وفقا لآلية يدركها جميع الأمريكيين ليس ضمنها العالم العربي والاسلامي ومصالحه وهذا طبيعي، بل إن الاستفادة من موارده واستغلال ضعفه والإبقاء على هذا الوضع أولوية بالنسبة لهم، وأتذكر عندما قدم الرئيس بوش الأب الى الرياض والتقى نخبةً من رجال الأعمال، سأل كاتب هذه السطور الرئيس “عند حدوث أي نزاع في منطقة الخليج يطلب من دول الخليج المشاركة في تمويل تكلفة نقل جنود الجيش الأمريكي فإذا كان الهدف هو جلب الجيش الأمريكي للحماية فلماذا الضغوط علينا لشراء صفقات السلاح الأمريكي؟ فأجاب: إن هذه سياسة غير جيدة”.

ختاما

الولايات المتحدة تحاول جاهدة أن تعيش في وهم التفاؤل أو اللجوء إلى الفهلوة وإدخال العالم في حروب محلية مُتبعةً إستراتيجية الإلهاء أو تجنُّب دفع تكاليف العيش بسلام مع القوى الصاعدة أو لخدمة مصالح حكومة نتنياهو وتجار السلاح، ولا مانع لديها من محاولة الزج بنا في خلافات لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ولا تجلب علينا وعلى بلادنا سوى الدمار وإهدار مواردنا.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *