محاولة اغتيال الجبير… من المستفيد؟
بقلم: الدكتور تركي فيصل الرشيد
إثارة هذا المخطط الآن تحتاج إلى معالجة دقيقة أجزم أن المملكة قادرة عليها حتى لا تترك مجالا للمستفيدين والمستغلين لحدث كهذا لتحقيق مآربهم من المحافظين الجدد وغلاة أنصار إسرائيل وتجار السلاح وعملائهم وأطراف أُخر
فجَّرت المعلومات التي أثارها مكتب التحقيقات الاتحادي الأمريكي (إف. بي. آي) عن إحباط مخطط لاغتيال سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة الأمريكية عادل الجبير بواسطة عملاء إيرانيين جدلاً حاداً حتى بين كبريات الصحف العالمية فيما يخص حقيقة هذا العمل وجدواه والهدف من ورائه، خاصة وقد جمع قطبي العالم الإسلامي سنةً وشيعة.
وقد كان طبيعياً أن يثير عمل كهذا غضباً عارماً على المستويين الحكومي والشعبي في المملكة، وبلغ التصعيد بين الجانبين السعودي والإيراني مبلغ أن طلبت المملكة من الأمم المتحدة إحاطة مجلس الأمن بالمخطط الإيراني وتقديم المسؤولين عن محاولة اغتيال سفيرها إلى العدالة مؤكدة أن أحداً في إيران لا بد أن يدفع الثمن بعدما أكد مسؤولون بالمملكة أن هناك كماً كبيراً من الأدلة التي تدين إيران، فيما سخرت إيران مما اسمته مزاعم مكتب التحقيقات الأمريكي وبلغت حداً هائلاً وغير لائق من التهديد عبر أحد برلمانييها وهو عضو اللجنة البرلمانية لشؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية محمد كريم عابدي، بالتلويح بقدرة إيران على احتلال الأراضي السعودية في تصريح همجي يفتقد إلى الدبلوماسية بين دول الجوار.
ثقتي في حكمة المملكة كبيرة بل لا حدود لها، وأزعم في هذا السياق أن هذه المزاعم ما لم تعالج بطريقة صحيحة بعيداً عن الانفعال فإنها قد تتسبب في مشكلات لمنطقة الشرق الأوسط برمتها وفي طليعتها الدول الخليجية، وأنا هنا لا أدافع عن إيران التي يحيط الجميع بسياساتها في المنطقة بقدر ما أتوجس خيفةً من أن تدفعنا أمريكا إلى الانزلاق في مهالك سياسية أدلتها حتى الآن تبدو غير مؤكدة عبر استخدام بائع سيارات مستعملة ومتهم سابقاً بتزوير شيكات لتدبير اغتيال السفير السعودي لدى واشنطن من قبل عصابة مخدرات مكسيكية، وهذا غالباً لا يتناسب مع ما يُعرف عن أجهزة الاستخبارات عموماً من دقة وفيه قدر كبير من عدم الاحترافية، إضافة إلى أن فعلاً كهذا ينسف تماماً أمل إيران في الخروج من عزلتها.
كما أن العقل العربي بات يرتاب في كل ما تجلبه الولايات المتحدة علينا، وإن تغنّت ليل نهار بحسن النية ومشاعر الود التي تغلِّف علاقتها بالدول العربية، خاصةً مع ما لهم من تجربة سابقة في هذا الصدد جرَّت على العالم العربي الويلات ولم يجنِ منها العرب سوى التفتت والاقتتال، يوم زعم وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول عام 2003 أمام الأمم المتحدة أن واشنطن تملك أدلة لا تقبل التفنيد على أن صدام حسين يطور أسلحة الدمار الشامل, وبكل أسف صدقنا ادعاءاتهم فخسرنا الكثير بما في ذلك بلد عظيم كالعراق، علماً أن كولن باول اعترف بعدها بأن خطابه الذي اتهم فيه العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل أمام الأمم المتحدة في يناير 2003 سيظل نقطة سوداء في ملفه، وقال “إنه فعلا نقطة سوداء لأنني كنت أنا الذي قدمته للعالم أجمع، وقد كان ذلك صعبا ويبقى حتى اليوم أمرا صعبا”، وأضاف أن جورج تينت رئيس الاستخبارات آنذاك كان يعتقد أنه يقدم له معلومات صحيحة، قبل أن يعترف بأن نظام الاستخبارات لم يكن يعمل بشكل صحيح.
إذاً، إثارة هذا المخطط تحتاج إلى معالجة دقيقة المملكة قادرة عليها، حتى لا نترك مجالا للمستفيدين والمستغلين لحدث كهذا لتحقيق مآربهم من المحافظين الجدد وغلاة أنصار إسرائيل وتجار السلاح وعملائهم في كل مكان وأطراف عدة أخرى طالما دعوا إلى شن حروب تأتي على الأخضر واليابس في كل من الدول العربية وإيران، فيما تخرج إسرائيل فائزاً وحيداً من كل هذا.
ولا يجب أن ننسى أن إثارة هذا المخطط الآن يتواكب مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية وحساباتها التي لا تضع في اعتباراتها سوى تحقيق هدفها ولو على جثث آلاف العرب، كما أنه ليس بعيداً عن السياق محاولة دفع أمريكا غيرها للقيام بما عجزت عنه هي، وفي الوقت نفسه تتخلص من عدد كبير من مشكلاتها الداخلية والخارجية التي تتفاقم يوما بعد آخر وباتت تنوء بها، ولا أحد ينسى مأزقها في العراق ووقوعها في الشرك الإيراني وعدم قدرتها على تخليص نفسها منه وإن زعمت غير ذلك.
الخلاصة
إن الثورة الشعبية في إيران آتيةٌ لا محالة، والربيع العربي سيدركها عاجلا أم آجلا والحراك السياسي فيها على أشده وقادتها يعلمون ذلك ويعلمون كذلك أن الثورات العربية الجديدة – التي بدأت براعمها الأولى تتفتح في مصر حيث بدأ المرشحون بالتسجيل للانتخابات الأولى منذ رحيل حسني مبارك وفي تونس ستجري الانتخابات خلال أيام – تمثل تهديدا لنفوذهم الذي حصلوا عليه في الشرق الأوسط بعد الغزو الأمريكي للعراق، وقد يكون حدثٌ كهذا فرصةً لهم لإلهاء مواطنيهم عن حقهم في تقرير مصيرهم عبر توجيههم وإيهامهم بما يكيده الأعداء من مكائد لصرف بلادهم عن تحقيق تقدمها وازدهار شعبها.
ختاما
لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين، ويكفينا كعرب ما حدث بالعراق، لا نريد أن نخوض حروباً بالنيابة، نحن مع تحقيق جاد في هذه الاتهامات ومع ضرورة أن يكون لنا موقف بالغ القوة ضد كل من يفكر في المساس بسيادتنا ولكن عبر القنوات المشروعة والمعروفة، ووقتها سيتكفل العالم كله بالرد على التصرف الإيراني إن ثبتت صحته.
ولنضع في حُسباننا أن آخر شيء تحتاجه منطقة الشرق الأوسط المضطربة أصلا هو احتمال نشوب حرب جديدة فيها، تحرق مواردنا وتدمر ثروتنا والرابح في النهاية غيرنا.

Leave a Reply